في وقت تبحث فيه الكرة المصرية عن هويتها المفقودة، يبقى حل واحد لا بديل له، عودة الجماهير،
فلا دورى قوى بدون مدرجات ممتلئة، ولا منتخب ناجح بدون قاعدة جماهيرية عريضة، ولا كرة قدم لها طعم بدون صوت الهتاف الذى يهز الاستادات من المحلة لبورسعيد ومن الإسكندرية للقاهرة،
لقد دفعت الكرة المصرية ثمن غياب الجمهور غالياً،ملاعب خاوية، ومنافسة باهتة، والحديث عن تطوير الكرة لا يبدأ من صفقات المليارات، بل يبدأ من الأندية الجماهيرية والشعبية التي تمثل الهوية الحقيقية للعبة،الأهلي والزمالك والاتحاد والمصرى، والمحلة،أندية صنعت التاريخ وتحمل اليوم مسؤولية قيادة ثورة "نبذ التعصب" وإعادة الروح للمدرجات، والاتحاد مطالب بتسهيل طريق العودة بتذاكر مخفضة ومباريات قوية تحترم عقل هذه الجماهير، والأندية مطالبة بأن تكون قدوة، والجمهور مطالب بأن يثبت أنه إضافة لا عبء، فبدون المدرجات لا دوري ولا منتخب ولا مستقبل كروى .
والحديث عن تطوير الكرة المصرية لا يبدأ من صفقات المليارات ولا من عقود الرعاية الضخمة، يبدأ من "الشارع"، يبدأ من النادي الذى له تاريخ و جمهور يملأ الميكروباصات من الفجر ليسافر خلف فريقه لمؤازرته، يبدأ من الأندية الجماهيرية والشعبية التي كانت ومازالت تمثل الهوية الحقيقية للكرة فى مصر، وعندما نذكر الأندية الجماهيرية، فلا بد أن نقف عند أربعة أسماء صنعت تاريخ هذا البلد كروياً، الأهلي والزمالك والاتحاد السكندري والمصرى، هذه الأندية لا تمثل 11 لاعباً في الملعب فقط. الأهلي يمثل القاهرة والصعيد. الزمالك يمثل الجيزة والدلتا، الاتحاد يمثل عروس البحر المتوسط بكل كبريائها. المصري يمثل بورسعيد الباسلة وتاريخها،ولذلك فالمسؤولية الملقاة على عاتق هذه الأندية اليوم أكبر من مجرد الفوز ببطولة، دورها أن تكون قدوة في نبذ التعصب.
تخيل معي المشهد، لاعب من الأهلي يساعد لاعب من الزمالك على القيام بعد تدخل قوي، جمهور الاتحاد يصفق لهدف رائع سجله لاعب المصري، مدرب الزمالك يشيد بأداء الأهلي في مباراة قارية، هذه المشاهد البسيطة تساوي ألف مؤتمر و ألف حملة .
التعصب يبدأ من القمة وينتقل للقاعدة، ولو نجح الكبار في ترسيخ ثقافة "المنافسة الشريفة" فسنضمن أن الطفل في المنصورة والإسماعيلية والمحلة سيتعلم أن الكرة للمتعة أولاً،الأندية الجماهيرية الكبيرة مطالبة اليوم أن ترفع شعار "مصر أولاً" قبل شعار النادي، لأن بقاء اللعبة أهم من أى نقاط..
والجمهور المصري ليس جمهوراً "مستهلكاً" فقط، الجمهور المصري ذكي ويفهم كورة. لا يعود للاستاد من أجل "تأدية واجب" أو ليجلس في مدرج يشاهد مباراة محسومة من بداية اللقاء، فالجمهور يعود عندما يشعر أن فريقه قادر على أن ينافس على أي شيء، حتى لو كان المركز الثامن، يعود عندما يثق في عدالة التحكيم، يعود عندما يجد إعلاماً ينقل المباراة باحترام دون تحيز فج، لذا لابد أن نضمن أن كل مباراة في الدوري هي مباراة قوية، مباراة القمة بين الأهلي والزمالك تساوي أهمية مباراة الاتحاد والمصري على أرض الإسكندرية. مباراة وسط الجدول بين فريقين يلعبان على الكرامة تساوي مباراة على الهبوط.
وعندما يكون الدوري 18 فريقاً كلهم يلعبون على هدف، نصنع 306 مباراة لها قصة،نصنع 306 حكاية تتصدر الترند، نصنع سبباً مقنعاً للأسرة المصرية أن تترك التلفزيون وتنزل الشارع، المدرج الممتلئ لا يصنعه قرار أمني، يصنعه قرار فني وإداري يجعل المباراة تستحق المشاهدة .
ومن أهم معوقات عودة الجماهير التي لا يتحدث عنها أحد، سعر التذكرة، كيف نطلب من رب أسرة لديه 3 أبناء أن يدفع ثمن 4 تذاكر + مواصلات + مشروبات من أجل 90 دقيقة؟ الإجابة ببساطة: لن يأتي.
هنا يأتي الدور المحوري للاتحاد، تخفيض قيمة التذاكر ليس خسارة مالية، بل هو استثمار استراتيجي .
التذكرة الرخيصة = مدرجات ممتلئة، والصورة الجمالية للملعب الممتلئ هي أول إعلان للمنتج.
المدرجات الممتلئة = نقل تلفزيوني أفضل والكاميرا عندما تجد مدرجات خضراء وحمراء وصفراء تباع حقوق البث بسعر أعلى .
الجمهور الراضي = رعاة أكثر. الشركات تريد أن تعلن لملايين يشاهدون ويسمعون، لا لملعب فارغ، فالتذكرة المخفضة هي أيضاً رسالة أخلاقية: "تعالوا.. الملعب مفتوح للجميع"،هي دعوة للأسرة، للطالب، للعامل، ان عودة الجماهير بالأسعار المناسبة ستخلق جيلاً جديداً متعصباً لناديه ولكن باحترام، لأنه تعلم الكرة من المدرج وليس من خناقة على السوشيال ميديا.
الأهلي والزمالك يصنعان النجوم الكبار، هذا صحيح لكن من أين يأتي هؤلاء النجوم؟ يأتون من الشارع، يأتون من نادي في دمنهور، من مركز شباب في سوهاج، من قطاع ناشئين في نادي شعبى في طنطا، الأندية الشعبية هي المصنع الحقيقى، هي التي تكتشف الناشئ الصغير وتصبر عليه 5 سنوات. هي التي تعطي الفرصة لمدرب مصري شاب أن يخطئ ويتعلم. هي التي تخلق المنافسة التي تجبر اللاعب الكبير على التطور حتى لا يخسر مكانه، وبدون هذه القاعدة، سنظل ندور في دائرة مغلقة: 4 فرق تلعب، و14 فريق "تأدية واجب"، ومنتخب يعتمد على نفس الـ 15 لاعباً كل بطولة، ثم نبكي عندما يعتزل جيل ولا نجد بديل .
قوة الدوري تأتي من قوة أضعف حلقة فيه، ولو قويت أندية الأقاليم والشعبية، سيقوى الأهلي والزمالك تلقائياً لأن المنافسة ستصبح أصعب.
ولا يمكن أن نتحدث عن عودة المدرجات ونغفل دور الإعلام الإعلام الرياضي شريك أصيل،
ومن غير المنطقي أن نطلب من الجمهور نبذ التعصب وفي نفس الوقت نستضيف محللاً كل مهمته إشعال الفتنة من أجل "اللايك" .
من غير المنطقي أن نطلب مباريات قوية ونحن نسبق المباراة بـ 3 أيام تحليل عن "المؤامرات" و"الحكام".
المسؤولية مشتركة ومثلث: اتحاد ينظم ويخفض التذاكر، أندية قدوة تنبذ التعصب، وإعلام محترم يبني لا يهدم، وجمهور واعٍ يشجع ويستمتع.
الكرة المصرية تقف اليوم على مفترق طرق، لدينا كل المقومات للنجاح: تاريخ، جماهير، لاعبين، ملاعب، ينقصنا شيء واحد فقط.. الروح، هذه الروح لن تعود إلا بعودة المدرجات، والمدرجات لن تعود إلا بثلاثة قرارات: مباريات قوية تحترم عقل الجمهور، تذاكر مخفضة تحترم امكانات الج٥٢مهور، وثقافة نبذ التعصب تحترم آدمية هذه الجماهير، الدوري القوي لا يبدأ من اتحاد الكرة، الدوري القوي يبدأ منك أنت في المدرج. والكرة الآن فى ملعب الجماهير .