«تجزئة الحقيقة تشويه لها»..
هكذا يقول الفلاسفة.. وهو قول حق وقول صحيح.. لكن للأسف ما زال البعض منا -لدواعٍ عديدة- يتعمد تجزئة الحقيقة حتى يخفى أمرا أو حتى يعفى نفسه من المسئولية عما لحق بمجتمعنا.
وقد عاد الأسبوع الماضى الجدل حول أسباب موجات الغلاء التى داهمتنا خلال السنوات القليلة الماضية والتى بلغ فيها معدل التضخم مدى لم يبلغه قبلها حينما وصل إلى مشارف نسبة 40 فى المائة.. فبينما اختزل مسئول سابق فى عهد مبارك هذا الانفلات فى معدل التضخم لعدم زيادة أسعار المنتجات البترولية بشكل تدريجى فاضطررنا لرفعه بنسبة كبيرة الآن، فإن هناك من ردوا عليه مشككين فى كلامه وأشاروا لتعدد أسباب الغلاء وتنوعها، وبات الأمر يحتاج لتناول علمى وصادق لموجة الغلاء التى عانينا منها ووعدتنا الحكومة بانحسارها هذا العام وانخفاض معدل التضخم إلى رقم أحادى، أى أقل من عشرة فى المائة، وهو معدل كبير ويساوى ثلاثة أمثال معدل التضخم فى أوروبا.
لقد أنجزت كتابا منذ عامين وموجة الغلاء فى ذروتها اخترت له عنوانا هو (صناعة الغلاء فى مصر) ، بعد أن انتهت دراستى للغلاء فى البلاد لوجود أكثر من سبب له، منها ارتفاع الأسعار العالمية التى نستوردها من الخارج فاستوردنا معها التضخم العالمى الذى داهم الأسواق العالمية منذ جائحة كورونا وتأثيرها على سلاسل إمداد السلع.. ومنها أيضا الطابع الاحتكارى لأسواقنا نحن، حيث يسيطر الاحتكار على هذه الأسواق ويتحكم فى تحديد الأسعار، أو الاحتفاظ بها مرتفعة، ويعطل عمل آلية العرض والطلب، حيث كانت الأسعار عندنا تتحرك فى اتجاه واحد فقط هو الاتجاه لأعلى فقط بينما لا تعرف أسواقنا انخفاض الأسعار عندما يزيد العرض على الطلب أو عندما تنخفض الأسعار العالمية.. ومن أسباب الغلاء أيضا رفع أسعار الطاقة من منتجات بترولية وكهرباء والذى تستتبعه دوما زيادة فى أسعار النقل، نقل البشر والسلع العام والخاص.. ويرتبط بذلك رفع أسعار كل الخدمات الحكومية مثل خدمات مياه الشرب والصرف الصحى ووثائق الميلاد والوفاة والسفر والزواج والطلاق وغيرها.
غير أن دراستى كشفت أن السبب الأهم للغلاء فى بلدنا هو انخفاض الجنيه المصرى، وبنسبة كبيرة جعلت الدولار الأمريكى يتضاعف سعره بالجنيه أكثر من مرة حتى بلغ خمسين جنيها الآن.. وقد ترتب على ذلك تلقائيا زيادة فى أسعار كل السلع المستوردة من الخارج بالجنيه، وزيادة فى أسعار السلع المنتجة محليا التى يدخل فى صناعتها مستلزمات إنتاج مستوردة، وأيضاً زيادة فى الدعم، خاصة دعم الكهرباء والمنتجات البترولية وأيضاً دعم الخبز والبطاقات التموينية فسعت الحكومة لتخفيضه لتوازن موازنتها.
أما اتجاه الجنيه للانخفاض فهو عرض لمرض مزمن منذ عقود ويتمثل فى وجود فجوة دولارية يعانى منها اقتصادنا ناجمة عن زيادة إنفاقنا من النقد الأجنبى عن مواردنا منه واللجوء إلى سد هذه الفجوة بالاعتماد على الاقتراض من الخارج وعلى الأموال الساخنة تحديدا.. وهو ما عرضنا لأزمات حادة فى النقد الأجنبى كلما هجرتنا فجأة وبشكل جماعى هذه الأموال الساخنة كما حدث عام 2022، بحثا عن ربح أكبر أو مناطق أكثر استقرارا وأمانا.. وإزاء ذلك لا نجد أمامنا لتجاوز تلك الأزمة فى النقد الأجنبى إلا تعويم الجنيه أو بالأصح تخفيض قيمته وما يستتبعه من ارتفاع فى الأسعار.
وهكذا فإن حماية الجنيه من الانخفاض هو حماية لنا من التضخم والغلاء.. وبهذا المعنى فإن رفع سعر المنتجات البترولية تدريجيا أو مرة واحدة لن ينقذنا من الغلاء الذى يهاجمنا كل بضع سنوات. الحل حماية الجنيه من الانخفاض ويحدث ذلك بسد الفجوة الدولارية، وذلك بزيادة مواردنا من النقد الأجنبى بشكل مستدام ، وتخفيض إنفاقنا من النقد الأجنبى بترشيد وارداتنا من الخارج.