رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الكشافون المتجردون» مشروع البحـــث عن الموهـوبين


25-7-2026 | 11:53

.

طباعة
تقرير: أحمد المندوه

لم يكن السؤال الذى طرحه الرئيس عبدالفتاح السيسى عقب مشاركة منتخب مصر فى كأس العالم 2026 مجرد تعليق على أداء المنتخب، بل بدا وكأنه يفتح ملفًا ظلّ مؤجلاً لعقود داخل الكرة المصرية، فكيف لدولة يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة أن تعتمد على ظهور لاعب استثنائى مثل محمد صلاح كل عدة سنوات؟ وأين تختفى آلاف المواهب التى تمتلئ بها الملاعب ومراكز الشباب بمختلف المحافظات؟، فالموهبة ليست أزمة لكن اكتشافها ورعايتها هو التحدى الحقيقى، ومن هنا جاءت الدعوة إلى وجود «كشافين متجردين» يجوبون أنحاء الجمهورية بحثا عن أصحاب الموهبة الخالصة بعيدا عن المجاملات أو النفوذ، مع تأكيد استعداد الدولة لتوفير الدعم الكامل لكل لاعب يستحق الفرصة، وهى رؤية لا تستهدف اكتشاف نجم جديد فحسب، بل بناء منظومة قادرة على صناعة أجيال متعاقبة من المواهب، وتحويل الثروة البشرية الهائلة التى تمتلكها مصر إلى قوة كروية حقيقية.

فى خضم النقاش الدائر حول آليات تنفيذ مشروع «الكشافين المتجردين»، برز رأى محسن صالح، عضو لجنة التخطيط السابق بالنادى الأهلى، باعتباره أحد أكثر الطروحات واقعية بشأن متطلبات نجاح المشروع وتحويله إلى منظومة فعالة على أرض الواقع، بعيدا عن مصير العديد من المبادرات الرياضية التى توقفت بعد انطلاقتها، مؤكدا أن توجيهات الرئيس السيسى بالاستعانة بكشافين متجردين وضعت يدها على جوهر أزمة اكتشاف المواهب فى مصر؛ فلم تكن المشكلة فى نقص المواهب بل فى غياب آليات الوصول إليها، حيث يقف العديد من الأطفال الموهوبين فى القرى والمناطق البعيدة خارج دائرة الرصد والاهتمام لافتقادهم مَن يكتشفهم ويمنحهم الفرصة، وهذه الرؤية تعيد توجيه النقاش من السؤال التقليدى: «أين المواهب؟»، إلى سؤال أكثر أهمية وتأثيرًا: «لماذا لا تصل منظومة الاكتشاف إلى هذه المواهب؟».

وأشار «صالح» إلى أن الابتعاد عن الاختيارات التى تحكمها العلاقات الشخصية أو المجاملات يمثل الشرط الأساسى لكسر منظومة ظلت لعقود تمنح الأفضلية لمَن يملك النفوذ أو الواسطة داخل الأندية، أكثر من اعتمادها على معيار الموهبة الحقيقية داخل المستطيل الأخضر، ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة، كونه يصدر عن شخصية عايشت تفاصيل العمل داخل الأندية لسنوات طويلة واطلعت عن قرب على آليات اتخاذ القرار، بما يمنحه رؤية واقعية لطبيعة التحديات التى تواجه منظومة اكتشاف المواهب.

ولا يقف «صالح» عند مرحلة الاكتشاف وحدها، بل شدد على أن التوقيت يمثل أحد أهم عوامل صناعة اللاعب المتميز؛ فاكتشاف الموهبة فى سن مبكرة يمنحها فرصة أكبر للتطور وفق أسس علمية واحترافية، على عكس اللاعب الذى يتم اكتشافه بعد سنوات حين تكون كثير من الجوانب الفنية والبدنية قد تشكلت دون توجيه متخصص، ومن هذا المنطلق، فإن نجاح المشروع لا يقاس بعدد المواهب التى يتم اكتشافها فقط، وإنما بمدى القدرة على الوصول إليها فى العمر المناسب، قبل ضياع المرحلة الذهبية التى تسمح بصقل المهارات وبناء اللاعب بالشكل الأمثل.

وحذر من اختزال المشروع فى مرحلة البحث عن المواهب، معتبرا أن الاكتشاف ليس سوى البداية، بينما يكمن التحدى الحقيقى فى توفير بيئة متكاملة لتطوير اللاعبين من خلال برامج إعداد فنية وبدنية وعلمية، داخل منظومة احترافية تضم مدربين متخصصين، إلى جانب أجهزة طبية ونفسية قادرة على متابعة اللاعب فى مختلف مراحل تطوره، وغياب هذا الاستثمار الموازى يحول عملية الاكتشاف إلى خطوة غير مكتملة، قد تنتهى بفقدان اللاعب أو خروجه من المنظومة قبل الوصول إلى مرحلة الاحتراف، وهو ما يعنى أن العمل الحقيقى يبدأ بعد اكتشاف الموهبة ولا ينتهى بمجرد توقيع اللاعب أول عقد له مع مركز شباب أو أكاديمية.

وختم «صالح» رؤيته بالتأكيد على أن نجاح المنظومة ككل مرهون بتعاون مستمر بين اتحاد الكرة والأندية والأجهزة الفنية، عبر آلية واضحة لمتابعة اللاعبين وتقييم تطورهم فى مختلف المراحل السنية، بحيث لا يترك أى لاعب لمصيره بعد اكتشافه، داعيا إلى أن تكون الأولوية لمواهب قرى الصعيد والدلتا والمناطق البعيدة عن مراكز الأندية الكبرى، بدلا من تكرار البحث فى الدوائر الضيقة نفسها التى اعتادت الكرة المصرية النظر إليها لعقود طويلة، وهى دعوة تلخص فى جوهرها الفلسفة التى بنى عليها المشروع منذ اللحظة الأولى.

مشروع قومى

أما الدكتور محمود سعد، المستشار الفنى الأسبق لاتحاد الكرة، فقد أوضح أن المسافة بين التصريح والمشروع القومى عادة ما تكون طويلة ومحفوفة بالتعثر، لكن فى هذه الحالة تحركت الأجهزة المعنية بسرعة لافتة؛ فبعد أيام قليلة من كلمة الرئيس السيسى، أعلن المتحدث الرسمى باسم وزارة الشباب والرياضة أن الكشافين سيبدؤون العمل على انتقاء المواهب من مراكز الشباب والقرى المصرية مع إشراك القطاع الخاص فى هذا الجهد، كما تقدم أحد أعضاء مجلس النواب باقتراح رسمى يطالب الحكومة بالبدء الفورى فى تنفيذ رؤية الرئيس، داعيا إلى إنشاء قطاع مستقل للكشافة المجردة بميزانية وموارد خاصة به بعيدا عن المركزية والمبادرات الموسمية، وما يميز هذا المشروع عن محاولات سابقة لتطوير منظومة اكتشاف المواهب فى مصر هو أنه لا ينطلق من داخل الأندية أو الاتحاد فقط بل من قمة الدولة نفسها، بما يمنحه غطاء سياسيا وإداريا قد يحميه من المصير الذى واجهته مبادرات مشابهة تعثرت بعد سنوات قليلة من انطلاقها؛ فالمشكلة فى مصر لم تكن يوما غياب الموهبة، بل غياب الآلية العادلة التى تصل إليها وتمنحها فرصة حقيقية.

ونوه «سعد» بأن المصطلح الذى اختاره الرئيس ليس شعارا عابرا، وإنما يحمل تعريفا دقيقا لمشكلة عمرها عقود؛ فمنظومة اكتشاف اللاعبين فى مصر لطالما تأثرت بعلاقات شخصية بين الكشافين ومسئولى الأندية، وأحيانا بمصالح تجارية لسماسرة اللاعبين، وهو ما جعل بوابة الاحتراف أضيق بكثير مما ينبغى الكشاف «المتجرد»، ووفق الفلسفة التى يقوم عليها المشروع؛ فالكشاف هو من يقيّم اللاعب بناء على معايير فنية وبدنية ونفسية بحتة، دون أن يتأثر بمَن يعرفه أو مَن يوصى به، هذا التحول وإن بدا بسيطًا فى الشكل لكنه يمسّ جوهر العلاقة بين اللاعب الموهوب والفرصة، فحين تصبح المعايير موحدة ومعلنة يتساوى ابن القاهرة مع ابن قرية نائية فى الصعيد أو محافظة حدودية، ويصبح الملعب هو الحكم الوحيد لا العلاقات الشخصية، وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمشروع لأنه لا يعد فقط باكتشاف لاعبين جدد، بل بإعادة بناء الثقة فى نظام كان ينظر إليه لسنوات بقدر كبير من الشك.

وأكد أن المشروع يقوم على أربعة محاور رئيسية تتكامل لتشكل بنية تحتية جديدة لاكتشاف المواهب، المحور الأول هو إنشاء إدارة مركزية للكشافين داخل وزارة الشباب والرياضة بالتنسيق مع الاتحاد المصرى لكرة القدم، تضم خبراء مصريين ودوليين ويكون هدفها الأساسى وضع معايير موحدة للتقييم الفنى والبدنى والنفسى، وأهمية هذا المحور تكمن فى إنهاء حالة الفوضى التى كانت تسود عمل الكشافين المستقلين الذين كان كل منهم يعتمد على خبرته الشخصية ومعاييره الخاصة بلا إطار مؤسسى يجمعهم أو يراقب أداءهم، أما المحور الثانى فيتعلق بالانتشار الجغرافى عبر ربط أكثر من 4500 مركز شباب موزعة على جميع المحافظات بمنظومة إلكترونية حديثة ودوريات منتظمة، هذا الرقم وحده يكشف طموح المشروع؛ إذ يعنى أن كل قرية ومركز تقريبا ستكون له نافذة مباشرة على منظومة الاكتشاف الوطنية بدلا من انتظار زيارة نادٍ كبير قد لا تأتى أبدا.

وعن المحور الثالث، وفق «سعد»: إنه يتمثل فى إنشاء قاعدة بيانات قومية للمواهب تحدث باستمرار، بحيث لا يضيع أثر أى لاعب واعد بمجرد انتقاله من فئة عمرية إلى أخرى أو تغيير مكان إقامته، وهذه القاعدة إذا أُحسن تصميمها وتشغيلها يمكن أن تصبح الذاكرة المؤسسية للكرة المصرية التى طالما افتقدت أرشيفًا موثوقًا لمسيرة اللاعبين الصاعدين، بينما يأتى المحور الرابع وربما الأكثر حسمًا لمصير المشروع فى التمويل؛ إذ يشترط توفير تمويل مستدام من الدولة والقطاع الخاص والرعاة لضمان استمرار العمل لمدة لا تقل عن عشر سنوات؛ فتجربة اكتشاف المواهب ليست حدثا موسميا بل عملية طويلة تحتاج إلى صبر مؤسسى، وأى انقطاع فى التمويل قد يعنى ضياع جيل كامل من الجهد المبذول.

تكافؤ الفرص

فيما أوضح أحمد عبدالحليم، مدرب قطاع الناشئين السابق بالزمالك، أنه منذ عقود ظل اكتشاف اللاعبين فى مصر محصورا عمليا فى دائرة ضيقة من الأندية الكبرى بالقاهرة والإسكندرية، بينما تظل مواهب القرى والنجوع والمحافظات الحدودية بعيدة عن الأضواء، إما لعدم وصول الكشافين إليها أصلا أو لأن أسرها لا تملك القدرة على السفر والانتقال بحثا عن فرصة، ومشروع الكشافين المتجردين يراهن على كسر هذا الاحتكار الجغرافى عبر جعل الاكتشاف يذهب إلى اللاعب بدلا من انتظاره يأتى، وهذه ليست مسألة كرة قدم فقط بل قضية عدالة اجتماعية بامتياز؛ فحين يصبح لكل طفل فى أى قرية مصرية فرصة الوصول نفسها إلى كشاف مؤهل بمعايير موحدة يتحول الحديث من «اكتشاف نجوم» إلى «تكافؤ فرص»، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواهب ظلت حبيسة الملاعب الترابية لسنوات دون أن يراها أحد، ومصر ليست أول مَن يواجه هذا التحدى.

وأشار إلى أن فرنسا بنت منذ ثمانينيات القرن الماضى شبكة مراكز إقليمية لاكتشاف المواهب، أبرزها أكاديمية «كليرفونتين» وربطتها بشبكة كشافين محترفين يغطون كل الأقاليم، وهو ما أثمر عن أجيال متعاقبة من النجوم تُوجت بلقب كأس العالم فيما بعد، وهناك ألمانيا هى الأخرى أعادت بناء منظومتها بالكامل بعد إخفاقها فى بطولة أمم أوروبا عام 2000، فأنشأت مئات المراكز التدريبية الموزعة جغرافيا وربطتها بقواعد بيانات مركزية، لتحصد ثمار هذا الاستثمار بعد أكثر من عقد، وبلجيكا اتبعت نهجا مشابها حين وحّدت فلسفة اللعب فى جميع أكاديمياتها ومراكز تدريبها، بينما اعتمدت كرواتيا، رغم صغر عدد سكانها، على شبكة كشافين دقيقة الملاحظة استطاعت أن تنتج أجيالاً وصلت إلى نهائى كأس العالم، واليابان بدورها استثمرت فى تدريب الكشافين أنفسهم قبل تدريب اللاعبين، ووضعت مناهج علمية لتقييم الموهبة الكروية منذ الطفولة، والقاسم المشترك بين كل هذه التجارب هو أن النجاح لم يأتِ من موهبة عابرة، بل من نظام صبور استمر عقدًا أو أكثر قبل أن يظهر أثره على أرض الملعب.

وأكد «عبدالحليم» أنه رغم الطموح الكبير يقف المشروع أمام تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها، أولها تدريب الكشافين أنفسهم؛ إذ لا يكفى حسن النية لتقييم موهبة لاعب فى سن مبكرة، فهذه مهارة فنية تحتاج إلى تأهيل علمى متخصص، ويمكن معالجة هذا التحدى عبر برامج تدريب مكثفة بالتعاون مع اتحادات ومدارس عالمية لها باع طويل فى هذا المجال، والتحدى الثانى هو ضمان استقلالية قرارات الكشافين؛ فالفكرة كلها قامت أصلا على مواجهة المحسوبية، وأى تراخٍ فى هذا الجانب سيفرغ المشروع من مضمونه، وهنا يصبح وجود آليات رقابة صارمة وشفافة، وربما نشر تقارير دورية عن أداء الكشافين ونتائج اكتشافاتهم، خط دفاع أساسيا ضد عودة الوساطة من الباب الخلفى.

وبيّن أن التحدى الثالث هو استمرارية التمويل على مدى سنوات طويلة فى ظل ظروف اقتصادية قد تفرض أولويات مختلفة، والحل هنا يكمن فى تنويع مصادر التمويل بين الدولة والرعاة والقطاع الخاص، بحيث لا يتوقف المشروع بالكامل عند أى أزمة مالية طارئة، وأخيرا هناك تحدى التنسيق بين جهات متعددة مثل وزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة والأندية ورابطة الأندية المحترفة، وهو تنسيق يحتاج إلى إطار قانونى واضح يحدد الأدوار ويمنع تضارب الصلاحيات.

 

الاكثر قراءة