في ظل تصاعد حدة التوتر بين البلدين، الولايات المتحدة تشن غارات جديدة على إيران بعد مقتل 3 جنود أمريكان في الأردن، وإصابة أكثر من 20، منهم 5 في حالة موت سريري حيث نفذت إيران واحدة من أعنف هجماتها الصاروخية على قاعدة «موفق السلطى» الجوية في الأردن. نتيجة لهذا التصعيد يمكن أن تدخل المنطقة في مرحلة جديدة تمامًا من التصعيد.
وقبل ذلك، أعلن الحرس الثوري الإيراني، مسئوليته عن سلسلة جديدة من الغارات على حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، استهدفت منشآت عسكرية أمريكية في سوريا والكويت وعُمان والبحرين والأردن. إذ جرى استهداف الكويت بشكل مستمر، بما في ذلك محطة لتحلية المياه، ووقف حركة الإقلاع والهبوط مؤقتًا في مطار الكويت الدولي عقب هجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما استُهدفت السعودية لأول مرة منذ أربعة أشهر، لتتصاعد الحرب بعد أكثر من أسبوع من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهش. وأثار تصاعد الهجمات على البنية التحتية المدنية مخاوف متزايدة من احتمال انتهاك قوانين الحرب.
ونتيجة للتصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران، من المقرر أن ترسل وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» مزيدًا من مقاتلات «إف - 16» و«إف- 35» وطائرات التزود بالوقود إلى الشرق الأوسط، في خطوة تشير إلى استعداد واشنطن لمواصلة عملياتها الجوية ضد إيران أو توسيعها.
ومن جانبه، أدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي بأشد العبارات الهجمات التي نفذتها إيران ضد السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، وضد الأراضي ذات السيادة لدول المنطقة، بما في ذلك البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عمان والأردن، واعتبرا أنها أعمال لا يمكن تبريرها بأي حال، إذ عرضت أرواح المدنيين والبحارة للخطر، وانتهكت القانون الدولي وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817، ودعا الجانبان إيران إلى الوقف الفوري وغير المشروط لجميع الهجمات، وجميع أشكال التدخل في الملاحة البحرية، وإلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحا بصورة مستدامة ومن دون أي شروط أو رسوم عبور أو رسوم خدمات، مؤكدين ضرورة الامتثال الكامل للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن رقم 2817.
يأتي ذلك بعد ثامن ليلة على التوالي من الغارات الأمريكية التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية، منها البنية التحتية اللوجستية، بهدف «مواصلة تقويض القدرات العسكرية الإيرانية»، ولذلك علّقت إيران التزاماتها بموجب اتفاق السلام المؤقت مع الولايات المتحدة، وكان الإعلان غير ضروري إلى حد كبير، إذ صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ أكثر من أسبوع، بأن «الاتفاق قد انتهى»، ومع ذلك، ادّعت إيران أنها لاتزال مهتمة بالعودة إلى مذكرة التفاهم المكونة من 14 بندًا، حتى في الوقت الذي استهدفت فيه حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وسفنًا في مضيق هرمز.
وكانت الولايات المتحدة والحكومة الإيرانية قد وسعتا نطاق عملياتهما ضد حركة الملاحة البحرية، وأعلنت واشنطن أنها تنفذ حصارًا بحريًا، فيما قالت إيران إنها استهدفت سفنًا خالفت القواعد التي فرضتها طهران للعبور عبر مضيق هرمز الذي يُعد ممرًا لنحو خُمس صادرات النفط العالمية، وقد ارتفعت أسعار النفط، في 18 يوليو الجاري، بأكثر من 4 في المائة، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ أكثر من شهر، وهو ما يزيد الضغوط السياسية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل انتخابات الكونجرس المقررة في نوفمبر.
يرى الخبراء أن الولايات المتحدة فسّرت مذكرة التفاهم بما يخالف بنودها، وسيطرت على أجزاء من مضيق هرمز لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه في ساحة المعركة، وكان من الواضح أن الجانب الإيراني لن يقبل هذا التفسير التعسفي، الذي يُعد انتهاكًا صارخًا لمذكرة التفاهم، كما شنت الولايات المتحدة حربًا مخالفة لبنود مذكرة التفاهم والمبادئ الدولية، مدمرةً البنية التحتية، ويرون أيضًا أنه إذا استمرت واشنطن في ضرب البنية التحتية الإيرانية لمدة أسبوع، فإن إيران ستتعرض لضربة قاسية قد تؤدي إلى انهيار قدراتها بشكل كبير.
في هذا السياق أوضح الدكتور إسلام المنسى، الخبير في الشأن الإيراني أن «التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران وضعت المنطقة في حالة حرب، حتى وإن كانت حربًا غير معلنة، إذ نشهد يوميًا هجمات عسكرية وقصفًا لمنشآت داخل إيران، خاصة على الشريط الساحلي ومحافظتي هرمزغان وبوشهر، لكن إيران تحوّل المعركة إلى معركة إقليمية عبر استهداف دول الجوار لتوسيع نطاق المواجهة، وأصبحت سوريا ضمن نطاق الاستهداف الإيراني، كما تلقي هذه التهديدات بظلالها على المنطقة، حتى على الدول التي لا علاقة لها بالصراع، فضلًا عن تأثيراتها على حركة الملاحة وأسعار الطاقة».
وتابع: رد الفعل الإيراني على الهجمات العسكرية الأمريكية سيكون موجهًا نحو الخليج العربي، من خلال تنفيذ هجمات على البنية التحتية، خاصة محطات الطاقة والمياه. وهناك هجمات على الكويت والبحرين، وكلما قصفت واشنطن أهدافًا في إيران، تركز إيران في ردها على الدول العربية، وليس على إسرائيل أو الولايات المتحدة، حيث يتم استهداف دول لا علاقة لها بالمعركة.
وأشار «المنسى» إلى أن «الولايات المتحدة تستهدف، من خلال ضرب الجسور والبنية التحتية في إيران، إضعاف القدرات الإيرانية، إلى جانب فرض الحصار البحري، وهذا الضغط العسكري يمثل ضغطًا كبيرًا على صانع القرار الإيراني، ويدفعه إلى التجاوب الدبلوماسي باعتباره البديل الوحيد للمواجهة العسكرية».
واختتم «المنسى» حديثه بقوله: هناك أهداف من قصف واشنطن للمناطق القريبة من مضيق هرمز، تتمثل في إضعاف القدرات الإيرانية على تهديد الملاحة ومراقبة السفن في هذا المضيق، كما يقصد «ترامب» من هذه الهجمات العسكرية إجبار الإيرانيين على العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو يريد الحصول على تنازلات ملموسة تتعلق بمضيق هرمز، وفرض قيود على البرنامج النووي، تمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، وتسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، كما يسعى «ترامب» إلى إنجاز صفقة دبلوماسية، لكن إيران لا تريد التنازل عن أوراق قوتها، ولا عن مضيق هرمز إلا في إطار صفقة شاملة، تتضمن الحصول على الأرصدة المجمدة، ورفع العقوبات، والسماح باستمرار المشروع النووي، ولو في حده الأدنى، أي القبول بالتخصيب كمبدأ، حتى وإن كان بنسب صغيرة.