مشاهدة الحفلات تتم بالتجمع فى أحد البيوت، هى سهرة فيها التسالى والعصائر، وقد تنتهى بعشوة من الفطير المشلتت والعسل.
انتظرنا عفاف راضي، فتاة صغيرة يقدمها الملحن الكبير بليغ حمدي، بدت خجولة جدًا، فستانها حشمة جدًا ومكياجها مثل مكياج بنت «خمستاشر»، عفاف راضى من عائلة فنية، سيد راضى الممثل والمخرج، ومحمد راضى المخرج السينمائي. على غير ما توقعنا، حضر أستاذ حسام، وبدأت الأسئلة «وكانها طير من أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل»، طبعًا ذكرتم وحفظتم الأغانى الجديدة. لا أدرى كيف انتهت الحصة، وبدأنا نتحدث عن عفاف ورقتها وصوتها الجميل وفستانها، وكيف قدمها بليغ واستقبلها الجمهور.
كنا نتنافس للحصول على أعلى الدرجات، أيامها لا مجموعات ولا سناتر!
صارت عفاف راضى قاسمًا مشتركًا فى كل الحفلات، ونتابع أخبارها فى الجرائد، والحوارات الصحفية، عرفنا أنها خريجة معهد الكونسرفتوار، لذا تميزت بصوت أوبرالي، تحدثت عنها صباح فى أحد البرامج الإذاعية تشيد بصوتها، وشهد لها عبد الحليم حافظ. عفاف راضى مطربة جيلنا، شاهدت فيلمها «مولد يا دنيا» مع النجم محمود يسن، وعبد المنعم مدبولي، ولبلبة، فيلم رومانسي، للأسف لم تستمر هذه الموجة إذ ظهرت موجة أفلام المقاولات التافهة.
قلَّ النشاط الفنى لعفاف راضى رغم اكتساح أغنيتها «مصر هى أمي.. لونها هو دمي، شمسها فى سمارى.. شكلها فى ملامحي.. حتى لونى قمحى لون نيلك يا مصر»، هذه أغنية وطنية، أغنية ترددت على لسان المصري، وبخاصة البنات، كنا أيامها نعتز بلون بشرتنا الخمرى والسمراء، لا أدرى ماذا حدث، الإعلانات تتحدث عن كريمات تفتيح البشرة وكذلك مراكز التجميل، البنات لونهم أبيض صارخ، والمكياج والرموش الصناعية ورسم الحواجب بالأسود الفاحم.
لأول مرة يرتبط اللون الأسمر بالوطن لا بالمحبوب أو المحبوبة، جمال كلمات عبد الوهاب محمد، لحن كمال الطويل.
صوت عفاف الأوبرالي، نافس صوت فيروز، اتجهت عفاف للدراسة الأكاديمية، حصلت على الدكتوراه، تفوقت وهى طفلة فى العزف على أكثر من آلة.
خلى تعبير وجهنا للدهشة، عندما نزلت من سيارتها، كنا طالبات فى معهد الفنون الشعبية، بصوت على: «عفاف راضي»، ابتسمت لنا، لازمها الهدوء والخجل. لم نقتحم محيطها، التقينا أيضاً مع الملحن والمطرب الراحل أحمد الحجار، يحتضن عوده، يصعد سلالم المبنى الذى يحتل الدور السادس معهد الفنون الشعبية، تصور الأسانسير لا يعمل، زرت أكاديمية الفنون منذ فترة، كنا نسمع عما أراه من تطوير لمبانى معاهد الأكاديمية.
بلدتنا الزقازيق، أغنياؤها تجار، فاكهة مثل عائلة الشاعر الكبير مرسى جميل عزيز، وعائلة مكاوي، وعائلة لاكوز، ثمة عائلات أخرى لكنها لا تعمل بالتجارة كعائلة الأباظية أصحاب الأراضى وسينمات وغيرها.
كانت زميلتنا وحيدة والديها، عزمتنا على حفل كان من بين الفنانين عبد اللطيف التلباني، ماهر العكار، أمانى جادو، شفيق جلال، أما نجمة الحفل حسب قولها الفنانة المحبوبة عفاف راضي. حضر كل الفنانين ما عدا عفاف راضي.
الفنانة الكبيرة، آثرت أن تقدم فنها لطلابها، شاركت فى مناسبات وطنية، هى كأول مرة ظهرت على خشبة المسرح، رقيقة هادئة، ابنة كل أسرة مصرية.
كان صعود كتكوت الأمير، وبدايات عدوية التى منعت الإذاعة المصرية إذاعة أغانيه، بينما كان الشارع المصرى مزاجه منسجمًا مع المطرب الشعبي، هل تصدق أن عبد الحليم غنى فى حفلة خاصة أغنية لأحمد عدوية؟ شارك عدوية فى عشرات أفلام المقاولات، بينما «مولد يا دنيا» هو فيلم عفاف راضى الوحيد!
استضافتنا إذاعة الشباب والرياضة، محمد جبريل وأنا، كانت المذيعة تسجل مع أحد نجوم الرياضة، كان ما نقص يقول: يا أرض اتهدى ما عليك قدي، انتقلنا إلى الاستراحة، كانت تجلس الفنانة عفاف راضي، وكأنها تعرفني، تبادلنا التحية، قال جبريل: لك وحشة، فينك يا دكتورة؟ قالت: قريبًا سأسجل أغانى جديدة.
تمحور الحوار حول اعتزال عفاف راضي، أو قلة نشاطها، ارتدت «عفاف» بنطلونًا جينز، وبلوزة فستقي، لا مساحيق على الإطلاق، أو إكسسوار لافت، حتى تسريحة شعرها كيرلي.
طلبت منها المذيعة أن تغنى مقطعًا من أغانيها، صوتها بدون فرقة موسيقية هو.. هو، لم تعتذر بأن عندها برد! كحجة لتغطية ضعف الصوت، كنت أفكر لماذا هذا الابتعاد عن الساحة، أعتقد أدركت أن المسألة لا تعنى جمال الصوت واللحن فقط، بل الإبهار والملابس المثيرة، ومصاحبة الرقص، أين الفنان الجاد المتمكن من فنه وإبداعه؟ هى ترى أن الميكروفون أداة لتوصيل صوت المغني، ولكن الصوت الأوبرالى قادر على الغناء بدون ميكروفون، حاولت المذيعة أن تنتزع منها لومًا لفنانى اليوم، قالت: الفن رسالة، والتدريس رسالة أخرى لا تقل أهمية.
بعد انتهاء التسجيل قلت لها: أنا من أشد المعجبين، وحكيت لها ماذا فعلت أغنيتيّ «ردوا السلام»، و«عطاشى وعطاشا».
كانت تحيى بعض الحفلات فى الأوبرا، كنا نتابعها، لم تقل إنها اعتزلت.. هى آخر نجمات الزمن الجميل، يحن جمهورها لسماع أغانٍ جديدة، لابنة من بنات مصر لونها قمحى.. لون نيلك يا مصر.