على مدى قرون، حافظت الإمبراطورية اليابانية على نظام خلافة ذكورى مستندة إلى تقاليد أبوية راسخة، غير أن هذا التقليد يواجه اليوم اختبارًا صعبًا مع تراجع عدد الورثة الذكور وازدياد عدد الأميرات داخل الأسرة الإمبراطورية، ما يثير تساؤلات حول قدرة أقدم إمبراطورية فى العالم على ضمان استمراريتها.
وفى ظل هذه التحديات، أقرّ البرلمان اليابانى تعديلاً تاريخيًا على قانون الأسرة الإمبراطورية، الصادر عام 1889، أبقى بموجبه حق اعتلاء العرش مقصورًا على الرجال المنحدرين من السلالة الأبوية، مستبعدًا النساء، فى خطوة تعكس تمسك البلاد بتقاليد الخلافة الذكورية، وينص القانون المعدل على إعادة رجال من الفروع الإمبراطورية السابقة، شريطة أن يكونوا قد تجاوزوا سن الخامسة عشرة وألا يكونوا متزوجين، إلى صفوف الأسرة الإمبراطورية، بما يتيح لأبنائهم الذكور مستقبلًا حق وراثة العرش.

وبحسب تقارير إخبارية يابانية، يعيش رجال هذه العائلات حياة عامة، ويعملون فى مجالات متنوعة، من بينها الإعلام والتأمين على الحياة والإعلان وغيرها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى تقبل الشعب اليابانى لهم، أو لأبنائهم، كأفراد فى العائلة الإمبراطورية. فى المقابل، يسمح القانون للأميرات بالاحتفاظ بمكانتهن الملكية بعد الزواج من عامة الشعب، لكنه يحرم أبناءهن من أى حق فى اعتلاء العرش.
وقال هيديا كاوانيشى، الخبير فى شئون العائلة الإمبراطورية بجامعة ناغويا: إن «هذه الخطة لن تعالج أزمة الخلافة طويلة الأمد، وحل المشكلة يكمن فى تمكين المرأة، وأن التردد فى اتخاذ هذه الخطوة يعكس التحيز السائد فى اليابان».
قبل الحرب العالمية الثانية، لم تكن مسألة تحديد خليفة للإمبراطور بمثابة معضلة كبيرة؛ إذ كانت العائلة الإمبراطورية أكبر حجمًا وتضم فروعًا جانبية أخرى، تُعرف باسم «أوكى»، كانت تُوفر عددًا من المرشحين المحتملين فى حال لم يتمكن الفرع الرئيسى من إنجاب وريثًا للعرش، لكن هذا الوضع تغير عام 1947، عندما أدت تداعيات الحرب والضغوط الاقتصادية التى واجهتها اليابان إلى تعديل القانون بهدف تقليص حجم العائلة الإمبراطورية وخفض النفقات الملكية، وفقًا لتقرير صادر عن شبكة «سى إن إن».
وبموجب هذه التغييرات، اقتصرت عضوية العائلة الإمبراطورية فعليًا على الأقارب المباشرين للإمبراطور هيروهيتو آنذاك، ما أدى إلى تقليص 11 فرعًا جانبيًا، وفتح الباب أمام أزمة الخلافة الحالية، ومنذ ذلك الحين، تقلص عدد أفراد العائلة الإمبراطورية من 67 إلى 16 فردًا فقط، خمسة رجال و11 امرأة، بانخفاض يقارب الربع منذ عام 1990، وهو تراجع تفاقم بسبب القاعدة التى تلزم الأميرات بمغادرة العائلة الإمبراطورية عند زواجهن من عامة الشعب، ما زاد من صعوبة قيام العائلة بواجباتها العامة، مثل الزيارات الخارجية والمراسم الملكية.
ويخشى مراقبون للشئون الملكية وخبراء أن تؤدى الإجراءات الجديدة إلى تهديد مستقبل المؤسسة الإمبراطورية، التى تمتد جذورها لنحو 1500عام، بسبب استمرار قصر حق وراثة العرش على الذكور فقط، وقد أثار هذا الأمر تساؤلات بين أكاديميين وسياسيين معارضين وشرائح من المواطنين حول سبب عدم منح النساء فرصة تولى العرش، لا سيما أن استطلاعات رأى مختلفة أظهرت أن غالبية اليابانيين منفتحون على فكرة اعتلاء امرأة العرش الإمبراطورى، كما أسهمت شعبية الأميرة أيكو، البالغة من العمر 24 عامًا، فى تعزيز الاعتقاد بأن النساء قد يكنّ مؤهلات تمامًا لتولى هذا الدور.
وشهد العرش الإمبراطورى اليابانى، المعروف بـ«عرش الأقحوان»، اعتلاء ثمانى نساء له عبر تاريخ الأسرة الإمبراطورية، من بينهن الإمبراطورة غو ساكوراماتشى التى حكمت فى أواخر القرن الثامن عشر، وذلك فى فترات كان فيها الورثة الذكور صغارًا جدًا على تولى الحكم، واستمر هذا التقليد حتى صدور قانون البيت الإمبراطورى عام 1889 خلال عصر ميجى، الذى حظر رسميًا تولى النساء العرش.
وبينما أصبحت النساء أكثر حضورًا فى الحياة السياسية اليابانية، لا تزال المؤسسة الإمبراطورية متمسكة بقواعد الخلافة التى تستبعد النساء من وراثة العرش، وقد حطمت رئيسة الوزراء سناء تاكايتشى السقف الزجاجى فى المشهد السياسى اليابانى العام الماضى، عندما أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة فى البلاد. ومع ذلك، كانت «تاكايتشى» نفسها، إلى جانب حلفائها، من أبرز الداعمين للإبقاء على خط الخلافة الإمبراطورية مقصورًا على الذكور.

وخلال مناقشة برلمانية فى وقت سابق من هذا العام، أكدت «تاكايتشى» موقفها، قائلة: إن «قصر الأهلية على الذكور المنحدرين من السلالة الإمبراطورية لا يزال هو الخيار المناسب»، فى إشارة إلى دعمها استمرار النظام الحالى للخلافة.
ورغم أن دورها شرفى فى معظمه، فإن العائلة الإمبراطورية -التى يُعتقد فى الأساطير اليابانية أنها من نسل إلهة الشمس- تُشكل رمزًا قويًا للوحدة فى هذا البلد الذى يبلغ تعداد سكانه 123 مليون نسمة، ومع وجود ثلاثة ورثة فقط مؤهلين للجلوس على «عرش الأقحوان»، تواجه العائلة الإمبراطورية تحديات متزايدة بشأن مستقبل الخلافة، ويبلغ عمر الإمبراطور الحالى ناروهيتو 66 عامًا، وهو الإمبراطور رقم 126 فى سلالة يُقال إن جذورها تعود إلى تأسيس اليابان عام 660 قبل الميلاد، وبموجب قواعد الخلافة الحالية، ينتقل العرش بعده إلى شقيقه الأصغر ولى العهد أكيشينو (60 عامًا)، ثم إلى ابن أخيه الأمير هيساهيتو (19 عامًا)، بينما يأتى بعده الأمير هيتاتشى، عم الإمبراطور، البالغ من العمر 90 عامًا، بحسب تقرير صادر عن «نيويورك تايمز».
وتأتى هذه التطورات فى وقت تواجه فيه اليابان تحديًا ديموغرافيًا متزايدًا يتمثل فى انخفاض معدلات المواليد وشيخوخة السكان، وهى ظاهرة لا تقتصر آثارها على مستقبل العائلة الإمبراطورية، بل تمتد لتشمل مختلف جوانب الحياة داخل البلاد.
ويرتبط هذا التراجع فى معدلات المواليد بمجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة وتربية الأطفال، وركود الأجور، وانتشار الوظائف غير المستقرة بين الشباب، كما تسهم ثقافة العمل الشاقة وساعات الدوام الطويلة فى صعوبة تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، خاصةً بالنسبة للنساء، وفى الوقت نفسه، أدت التحولات الاجتماعية، بما فيها تراجع معدلات الزواج وتأخر تكوين الأسر، إلى انخفاض معدلات الإنجاب بين الشباب، الأمر الذى فاقم من حدة الأزمة التى تواجهها البلاد.
ومن هذا المنطلق، لا تنحصر أزمة العرش اليابانى فى مسألة الخلافة وحدها، بل تكشف عن صراع أعمق داخل المجتمع الياباني: بين الرغبة فى التمسك بإرث تاريخى يمتد لقرون، والحاجة إلى التكيف مع تحولات ديموغرافية واجتماعية تعيد تشكيل مستقبل البلاد.