"اختصروا المتاعب أيها الناس واضحكوا يضحك لكم العالم، فإن أبيتم ألا تبكوا وتحزنوا وتندبوا وتلطموا فاهجروا بالله عليكم عالم الحركة والكفاح.. وأسرعوا إلى الشواطئ البعيدة واشربوا من البحر".. هكذا كان "فكرى باشا أباظة" يرى الحياة من حوله.
ويمكنك - كما قال شاعر القطرين خليل مطران - أن تطالع استعاراته المباغتة ونكاته المحيرة، تجد أن ما يزن من المعنى وزن أضخم القذائف في المدافع ذات المرمى البعيد قد خف بنابض الوضع الجديد، واندفع بلطف الأسلوب الشبيه بالعامي، فطفق ينسف نسفًا أو يدمر تدميرًا في تلك العوالم النفسية الداخلية التي بناها الجبن، ودعمها الجهل، ووطدها طول الأمد.. فهو كاتب ذو فضل في خلق ضرب من الإنشاء جديد، ويذود عن الأوطان ذود أشجع الشجعان بقلم نضير يعتذر إليه الرمح الذابل، ورأي منير بين يديه حد السيف يصدأ في الحمائل.
كانت حياة "فكرى باشا" مليئة بالمعارك والتجارب.. ففي الصحافة هو شيخ الصحفيين والنقابي الأول، وفي المحاكم والبرلمان له صولات وجولات، وفي الإذاعة خطيب مفوه، وفي الرياضة نجم ساطع.. ورغم تعدد مناصبه وأشغاله، إلا أنه ظل فنانًا رقيقًا، جمع بين الدقة والرقة، بين الجدية والهزل، هو مزيج فريد، يصعب لملمة كل حياته، لكننا هنا نحاول إلقاء الضوء على مسيرة هذا الرجل، لسببين: الأول لأننا نعتبره أحد المؤسسين لمجلة "المصوّر" ولِما قدمه من مقالات رنانة وانفرادات صحفية كبيرة، والسبب الثاني لأنه بقي في منصب رئيس التحرير لسنوات طويلة تصل لنصف قرن ما بين تعيين وتكليف وشرفي.
الداية أمّ خضرة:
في نهاية القرن التاسع عشر صرخت الداية "أم خضرة" حين التقطت الطفل الوليد من بطن أمه، مستغيثة: "يا لهوي يا مصيبتي الحقوني الولد مش بني آدم، الولد عفريت"، والداية "أم خضرة" - كما يقول فكرى أباظة في كتابه حواديت - معذورة، فالشعر الكثيف يملأ الوجه، والحاجبان غزيران، ولا أبكي أو أصرخ، فخافت والدتي أشد الخوف وسرى الشك في أنني مخلوق عادي.
في قرية كفر أبو شحاتة بمركز منيا القمح، محافظة الشرقية، وُلد الطفل محمد فكرى حسين أباظة سنة 1896، والذي ينتمي للعائلة الأباظية، إحدى أعرق العائلات في مصر.. لم يبكِ فكرى كباقي الأطفال حتى إن أسرته اعتقدت أنه طفل غير طبيعي، فظلوا يغرسون في جسمه دبوسًا أو حقنة فلا يبكي.. فعرضوه على الأطباء الذين لم يعرفوا سببًا لهذا.
ولم تتوقف الفكاهة عند فكرى باشا عند هذا الحد، بل زاده شيخ البلد فكاهة، عندما أراد أن يجامل والد "فكرى"، وهو كان من كبار أهل القرية في ذلك الوقت، فلم يدرج اسم الطفل في دفتر المواليد، حتى يحميه من العسكرية، وهو ما سبب له الكثير من المشاكل عند التحاقه بالمدارس أو دخول مدرسة الحقوق بعد ذلك.
وعن هذه الفترة يقول صبري أبو المجد، في مقاله المنشور بـ"المصوّر" في 5 مايو 1988، إن عمدة كفر أبو شحاتة تقربًا من والد "فكرى باشا" لم يشأ أن يكتب اسمه في كشف مواليد القرية ليوفر للوالد "العشرين جنيهًا" قيمة البدل النقدي للتجنيد، ومنها ظل "ساقط القيد".
دخل "فكرى باشا" كتاب الشيخ جاد، وزوجته الشيخة صابحة، وكان هذان المعلمان الأولان، وتلقى على يديهما أصول الدين وحفظ القرآن وتعلّم الصلاة، حتى إنه قال: "لولا ذلك التعليم في عهد الطفولة في ذهني، وعقيدتي وروحي، لما نجحت أية تعاليم دينية أخرى"، ويترحم على أيام الكُتاب فيقول: "ألف رحمة على عهد الكُتاب في القرية".
ورأى والده أن يكون "أزهريًا"، فألحقه بكُتاب "خان جعفر"، من الكتاتيب الملحقة بالأزهر، لحفظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة.. فواظب "فكرى" على الحضور إلى ذلك الكُتاب مع والده عدة شهور وهم يمتطون الحمير من شبرا حتى ميدان السكة الحديد، ثم يركبون "عربات سوارس" التي تجرها الخيول، وعندما مرض في تلك الفترة المتقشفة، استنجد بوالدته التي تعيش بمينا القمح، فالتقاليد كانت تقضي بأن تبقى الأسرة حيث هي بالريف، ويعيش الأولاد أثناء التعليم بالقاهرة، فتم نقله من كُتاب خان جعفر، والتحق بمدرسة النحاسين مع أخويه.
ثم انتقل التلميذ محمد فكرى حسين أباظة إلى المدرسة السعيدية في سنة 1909، وكانت السعيدية في ذاك الوقت تعتبر بحق زينة مدارس القاهرة الثانوية، إذ إن مبانيها الحديثة، وناظرها العتيد، وأساتذتها المختارين، وتلاميذها الممتازين، كل ذلك جعل منها مدرسة القاهرة الأولى.
وفي سنة 1910 طُرد من المدرسة السعيدية لأنه لم يقدم شهادة ميلاده، فسافر إلى الإسكندرية لمقابلة عمه "إسماعيل باشا أباظة" ليوصي عنه سعد باشا زغلول، ناظر المعارف آنذاك، وبالفعل ذهب معه لسراي زيزينيا وقابلا سعد باشا زغلول، ورجاه عمه في إعادته للمدرسة، وبالفعل طلب منه سعد باشا العودة للمدرسة، وهو سيرسل تلغرافًا بقبوله.. حتى نجح في امتحان البكالوريا في يونيو 1913.
يقول فكرى أباظة في مقاله المنشور بـ"الهلال" 1 مارس 1951: "تآمرنا في مدرسة الحقوق سنة 1914 على مقاطعة السلطان حسين، الذي عينه الإنجليز واليًا على البلاد بعد عزل الخديو عباس، فقررنا نحن الطلبة الإضراب عن استقباله.. وتلقى طلاب المدرسة جميعًا نعيًا مكتوبًا لوالد أحد الطلبة، وحدد النعي ميعاد مسيرة الجنازة في ساعة الزيارة بالضبط.. فوفد السلطان للمدرسة ووجد أن المدرسة كلها غائبة، ففُصلت نهائيًا من المدرسة، وأصبحت في ورطة لأنني سأكون مجندًا بحكم فصلي من المدرسة، وعدت إلى قريتي، وأخذوا يعاملونني معاملة الطالب الخايب ببعض الاحتقار.. حتى صدر العفو السلطاني فهرولت إلى القاهرة، ونجوت من ورطة التجنيد وورطة الطالب الخايب".
ومن الذكريات الهامة عن تلك المرحلة، يقول فكرى أباظة: "كنا في الجيل الثاني من القرن العشرين طلبة بالمعنى الصحيح: كنت أحفظ أربعة أو خمسة آلاف بيت من أبيات الشعر الممتاز، وكنت أحفظ مقامات الحريري، كنا نتعقب جرجي زيدان في الجامعة المصرية الأهلية ونلتهم سلسلة رواياته التهامًا، وكنا نهوى الصحافة والموسيقى والتمثيل، وأقول الزجل".
تاجر حمير:
تخرج "فكرى أباظة" في مدرسة الحقوق سنة 1917، وقُيد في نفس العام بجدول المحامين، وعمل محاميًا تحت التمرين في مكتب أستاذه محمد زكي علي باشا، من أقطاب الحزب الوطني، وكان في ذلك الوقت يُلح عليه زملاؤه للعمل في أسيوط عند أحد كبار المحامين، حتى سافر مصادفة في مباراة للنادي الأهلي، الذي كان يلعب فيه، ضد فرقة إنجليزية بأسيوط، فبقي هناك بعد المباراة ليُكمل فترة التمرين في المحاماة في مكتب المحامي حامد جودة، وكان وقتئذ من أشهر المحامين المصريين، وتقاضى مرتبًا مغريًا قدره 20 جنيهًا.
لكن الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن، فما إن استقر بمكتب المحاماة في أسيوط، في محاولة لنسيان حبه القوي والجريمة التي كادت تنهي حياته، جريمة انتحار فتاته "ثروت"، تلك الفتاة الأرمنية التي أحبها، حتى قامت ثورة 1919، وهو كان مناضلًا منذ الصغر، يحب الحزب الوطني ويكره الإنجليز.
وعن ثورة 1919 قال فكرى أباظة: "عاصرت أسباب تلك الثورة ودواعيها طفلًا وفتى وشابًا، واكتويت بنار الاحتلال في مراحله الأولى وفي عنفوانه من 1906 إلى أن تم الجلاء في سنة 1956.. فقد شهدت الثورة وذقت مرها وحلوها، وساهمت بعود من الكبريت في إشعال فتيلها".
وكان "فكرى باشا" خطيبًا وقائدًا للثوار، حتى ألّف نشيدًا للثورة، تقول بعض أبياته:
"خدع الدخيل سكون وصبر طال مداه، قال الخضوع معلمنا.. لا لا لا
لجأوا للدين وظنوا أن التوفيق محال.. فإذا الهلال صليب، والصليب هلال"
وبعد إذاعته سرى في كل قرى أسيوط، وطبع منه الطابعون ثلاثين ألف نسخة.
وعنه قال فكرى أباظة في كتابه حواديت: "عندما قامت ثورة 1919 ألّفت نشيد الثورة ولحّنته وألقيته في كنيسة الأقباط بأسيوط لإحداث ضجة كبيرة، واتهمني الإنجليز بأني فتيل الثورة في أسيوط، وقررت السلطات العسكرية اعتقالي".
وعندما جاء وقت التحقيق، ذهب "فكرى باشا" متخفيًا إلى المستر "ترنك" وطلب منه ترخيصًا للسفر في القطار العسكري بحجة أنه تاجر حمير، وكان للعبة كرة القدم دور كبير في توثيق العلاقة مع مستر ترنك، فساعده في إصدار الترخيص وهرب إلى القاهرة على القطار الحربي، بجواز سفر مكتوب عليه: "فكرى أباظة.. تاجر حمير".
خيال وصياد:
"ابني أباظة أن رافع بيتكم – جعل المكارم فيه والأحسابا
جاء الكرام بكم فيما قصرتمو – عن والد وولدتمو الأنجابا
جرّبت ودّ شبابكم وكهولكم – فوجدت شيبًا علية وشبابا
اختالت الشرقية الكبرى بكم – وجلت فتاكم في البيان شهابًا"
شعر: أحمد شوقي
يقول فكرى أباظة في مقاله المنشور بـ"الهلال" 1 يناير 1954: "الشيء الأول الذي أسعدني في صباي وشبابي عندما أعلنوا عن مسابقة في نقد رواية الحاكم بأمر الله التي مثّلها الأستاذ جورج أبيض، فتقدمت للمسابقة وأنا طالب في مدرسة السعيدية، وإذا بي بعد أيام أرى في جريدة الأهرام أن الفائز الأول هو الأديب الطالب محمد فكرى أباظة، وأنه نال الجائزة الأولى.. كانت سعادتي بهذا الفوز مزدوجة: تفوقت على الكثيرين أولًا، وثانيًا لنشر اسمي في الجرائد لأول مرة، ومن هذه الحادثة الصغيرة بدأ شغفي بالصحافة وشغفي بظهور اسمي على صفحاتها".
وكان أول مقال نُشر له سنة 1913 في جريدة المؤيد بتوقيع "عابر سبيل"، عندما طعن في المقال على انتخابات مجلس مديرية الشرقية.
ثم نشر فكرى أباظة مقاله الأشهر في الأهرام والذي حمل توقيعه في 5 ديسمبر سنة 1919 تحت عنوان خيال وصياد، وكان هذا المقال ردًا على جريدة التيمس التي أشارت إلى شكوى المصريين من استئثار الإنجليز بالوظائف الكبرى، فلجأ إلى دوسيهات بعض كبار موظفي مصلحة الري، وإلى إحصاء عن عدد كبار الموظفين الإنجليز، فوجد النسبة فادحة في المرتبات والوظائف.
وفي مقال تالٍ في الأهرام بتاريخ 23 يناير 1920، وتحت عنوان نطاط ورقاص، نشر الشهادة الوحيدة التي وجدها في ملف خدمة أحد كبار الرؤساء بوزارة الأشغال، وأحدثت هذه المقالة دويًا، فعلّقت عليها جريدة التيمس ناصحة العدول عن تعيين الإنجليز من غير ذوي المؤهلات، وترتب عليها أن وضعت الحكومة المصرية لأول مرة شروطًا تستلزم مؤهلات جامعية في الوظائف الكبرى التي يشغلها أجانب، كما تقرر منع الاطلاع في قسم الأرشيف بالوزارات لكي لا تصل الأيدي إلى دوسيهات الموظفين.. ونشرت الجريدة الأمريكية شيكاغو تريبيون نص المقال كله مترجمًا بالحرف الواحد.. كما وصله تلغراف من الأمير عمر طوسون، هذا نصه: "مقالتا خيال وصياد ونطاط ورقاص بارعتان فأهنئك أخلص التهنئة".
وعن بدايات فكرى أباظة، يقول الصحفي صبري أبو المجد في كتابه فكرى أباظة إن هناك مقالات سبقت هذين المقالين اللذين تميّزا عن غيرها بشهرة كبيرة، وأن أول مقالات فكرى باشا في الأهرام كانت عن الحزب الديمقراطي، وبعدها مقال بعنوان الوزارة جزء من الأمة تعليقًا على بدعة الوزارة الإدارية، والذي نُشر بتاريخ 14 أكتوبر 1919، ثم مقالة ثالثة في نفس الشهر بعنوان لمحات، ثم مقال رابع في نوفمبر 1919 بعنوان كتيب حقير، ثم توالت بعدها المقالات.
ثلاثون جنيهًا:
"ولكم شق باعة الصحف حناجرهم باسم فكرى أباظة.. ولكم تحدّث السمار بمقالاته.. ولكم تطرف الناس وتنادروا بحديث فكرى أباظة.. الحق، وأنف حقدي راغم، أن هذا الفتى قد استحال كاتبًا كبيرًا.. حتى لقد برع كثيرًا من أعلام البيان، لقد أصبح على شباب السن شيئًا كبيرًا مهمًا في مصر.. وعبارة أوضح: شيئًا لا يستغني عنه الأدب، ولا تستغني عنه اللغة، ولا تستغني عنه السياسة أيضًا".. هذا ما قاله الأديب الكبير الراحل عبدالعزيز البشري عن فكرى أباظة.
في طفولة "فكرى"، كان أبوه من قرّاء إصدارات "دار الهلال"، ومن عشّاق وقرّاء جرجي زيدان.. حيث كان أبوه يُكلفه بأن يحمل أكداس أعداد الهلال، فلما ترعرع وقرأ، كان أبوه يُكلفه بأن يقرأ له فصوله وأبوابه ورسائله وأسئلته وأجوبته.
ويقول "فكرى باشا" في حواره المنشور بـ"المصوّر" في أكتوبر سنة 1977: "في أوائل العشرينات كنت أُجرب قدراتي على الكتابة في إرسال مقالات وخواطر إلى الأهرام من مدينة الزقازيق، عندما كنت أمارس مهنة المحاماة، وفي أحد الأيام وصلتني برقية من المرحوم جبرائيل تقلا يستدعيني لأمر مهم، فذهبت إلى القاهرة، والتقيت به، فقال لي: جرت التقاليد في الصحافة العالمية أنه إذا وُفق كاتب من الكُتاب في نشر خواطره أو آرائه، فإنه من حق هذا الإنسان أن يأخذ نصيبًا من زيادة التوزيع كأتعاب أو هدية من الجريدة.. فدهشت كل الدهشة وقلت له: إنني أبيع قلمي وأبيع مبدئي؟ وكنت عنيفًا بعض الشيء في حديثي كشاب لم يعرف هذه التقاليد، وظللت أُراسل الأهرام سنين طويلة هاويًا لا محترفًا".
ويذكر فكرى أباظة كيف تعرّف إلى إميل زيدان وتوثقت بينهما العلاقة في مصيف الإسكندرية، ثم كيف جذبه إميل زيدان بأسلوبه العذب الرقيق وطريقته السهلة الممتعة في التعامل إلى أن يكتب إلى المصوّر، فعندما عرض جبرائيل تقلا، صاحب الأهرام، عرضه الأول وقوبل بالاعتذار، لم يعُد إلى عرضه مرة أخرى، بعكس إميل زيدان، قدّم العرض مرة واثنتين وثلاثًا، وظل يُلاحق "فكرى باشا" في كل مكان.
وعن علاقته بـالمصوّر، يكشف فكرى باشا في حواره المنشور في المصوّر 25 مارس 1955: "سنة 1924 قابلني الأستاذ إميل زيدان في فندق سان ستيفانو بالإسكندرية، وقال لي: عاوزين منك مقالات أسبوعية؛ لأننا نريد إصدار مجلة مصورة باسم المصوّر، وكنت وقتئذ محاميًا بالزقازيق، فأخذت أبعث لـ"المصوّر"، وبعد أسابيع وصلني شيك من الأستاذ إميل زيدان بمبلغ ثلاثين جنيهًا، فدهشت جدًا، وثارت ثائرتي مثلما حدث مع صاحب الأهرام من قبل، ورددت له الشيك مع عبارة غير لطيفة، رافضًا رفضًا باتًا أن أبيع قلمي، فأعدت الشيك".
لكن بعد نشر أربعة مقالات أخرى في المصوّر، وصلني شيك وبداخله تعليمات بصرف مبلغ مائة جنيه لي، وهمس الشيطان في أذني بأن المبلغ كبير، ويستحق أن أستمتع به وأن أقبله.. وهكذا استدرجني إميل بك زيدان إلى احتراف الصحافة والعمل في "دار الهلال".. وخلال الفترة من 1924 إلى 1933، كان فكرى باشا في البداية يأخذ مكافأة على ما يُنشر من مقالات، ثم تحوّل نظام القطعة إلى مرتب شهري، أي مبلغ محدد من المال نظير المقالات التي تُنشر في مجلات الهلال.. وكان فكرى أباظة حريصًا على أن يؤكد أنه لم يُحترف مهنة الكتابة، حيث كان في كل مقال يُنشره، يحرص على أن يضع توقيع "فكرى أباظة المحامي".
هل أتزوج؟:
كتب فكرى باشا أول مقال له في مجلة المصوّر بتاريخ 26 ديسمبر 1924، وكان بعنوان "هل أتزوج؟"، وجاء فيه:
"لي في الموضوع - اعترافات وتخيّلات.. وإلى سيدتي القارئة، وسيدي القارئ.. اعترافاتي وتخيلاتي، أما الاعترافات فاعترافات شاب أعزب، وأما التخيلات فتخيلات رجل متزوج... ثم يصدر الحكم بعد استعراض الحالتين!
ها قد دقت ساعة العودة إلى منزلي بعد تعب اليوم وعنائه، شريكي في الحياة خادم طوله متر وعرضه متر، ومساحته متر مربع.. لونه حالك، وصوته أجش.. أشعر بالوحشة وأشعر بأني في عالم القبور.. أين الثغر الباسم الذي ينسيني الدنيا العابسة؟ أين العينان الساحرتان اللتان تتبدد بفعلهما غيوم النهار وعواصفه؟..."
ثم نشر مقالًا تاليًا في المصوّر بتاريخ 2 يناير 1925 بعنوان شباب اليوم، يبدأه بقوله:
"لما كنت تلميذًا في المدارس الابتدائية والثانوية كنت أنا وزملائي في غاية التواضع والمسكنة.. كان مصروفنا اليومي ضئيلًا، ملابسنا جاهزة من استين وماير، كنا لا نعرف البارات ولا التياترات.. أما اليوم، فرحمة الله على ما مضى.. المصروف مصروف الأغنياء والوارثين، والملابس تفصيل من عند ديليا وريبو.. البارات مكان المقابلات، والتياترات أونيه مستمر.. وكان العرقسوس والخروب والليمونة مشروبنا العادي، أما اليوم فالويسكي والبيرة والكونياك مشروب الجميع..."
وظل فكرى أباظة يرسل مقالاته لتُنشر في المصوّر ويزداد توزيعها حتى عام 1929، عندما اختفى اسم فكرى أباظة من مجلة المصوّر، حينما اتفق إميل وشكري زيدان مؤسسا المصوّر مع فكرى أباظة بعد أن استقرّت مجلة المصوّر وأصبح لها الصدارة في دنيا المجلات السياسية العربية، أن يوجّه فكرى أباظة كل جهوده الصحفية للمجلة الوليدة التي أصدرها إميل وشكري زيدان تحت اسم الدنيا المصوّرة.
وفي العدد 426 الصادر أول يناير سنة 1933 عاد فكرى أباظة إلى المصوّر، وكان قد انقطع عنها زمنًا، فبدأ بمقال عنوانه حنين قال فيه:
"أعود للكتابة في المصوّر بعد غيبة طويلة الأمد، وبعد فراق لم يكن عن قطيعة وهجر، ولا عن صدٍّ ودلال.. ولقد أخذت أفكر في الموضوع الذي أجعله طليعة رسائلي فيه بعد انقطاعي، ولكن قلبي كان يعاكس كل ما تبتكره مخيلتي وتقترحه لأنه كان مفعمًا بالحنين إلى عهدي القديم مع هذه المجلة".
ورغم عمل "فكرى باشا" في الصحافة، إلا أنه أبقى على مكتب المحاماة في الزقازيق وفي القاهرة، لأن الصراع كان مستمرًا في نفسه بين الهواية والاحتراف، إلى أن احترف الصحافة تمامًا، فإذا به يُبقي على مكتب المحاماة كمكتب دون أن يتيسّر له وقت للعمل بالمحاماة.
عقد ملزم:
"قالوا لي: اشتغل صحفي.. وبطّل المحاماة.. خلعت الروب ومسكت القلم.. شفت الغلب.. أقصاه وأدناه!"
مع بداية سنة 1933 بدأت المباحثات بين فكرى أباظة وإميل وشكري زيدان حول رئاسة "فكرى باشا" لتحرير المصوّر.. وأول رسالة حول هذا الموضوع كتبها فكرى أباظة المحامي بالنقض إلى إميل زيدان، وجاء فيها:
"أخي العزيز إميل بك،
تحية واحترامًا،
فكّرت في الموضوع وانتهيت إلى عرض من جانبي قريب من عرضك، لا يخفى عليك كأخ أنك نجحت أخيرًا في أن تجرّني جرًّا إلى الصحافة، وأنك استدرجتني حتى وصلت إلى العمل الجدي، وسيترتب على هذا أن أغيّر محل عملي ومقري والنقل نهائيًا إلى القاهرة، ولا شك أن غيرتي على سمعتي وسمعتك أيضًا ستتطلب مني جهدًا شاقًا سيأكل جزءًا كبيرًا من مهنتي وهي المحاماة.. وإني دائمًا مضطر أن أتكلم ماديًا - وليس لي حيلة - أن أساس الثلاثين جنيهًا لا يتناسب مع التطور.. وأرجو ألا تظن أني أساوم، ولو رُفع الأساس قليلًا إلى أربعين جنيهًا لأرضتني قليلًا، هذا ما بدا لي، ولا تدري كيف جاهدت في تسطيره".
وفي أول مقال له بعد تولّيه رئاسة تحرير المصوّر في أكتوبر 1933 كتب:
"بسم الله أفتتح عملي في هذه المجلة.. كل ما أرجوه من أقاصي نفسي أن أنجح في أن أجعل هذه المجلة مجلة قومية بكل معنى الكلمة، أعلم أن في طريقي صعابًا، وأن في البلد تيارًا قويًا يكتسح الهمم ويميت العزائم، ولكني أعتمد على عنصر الشباب الذي لم تلعب به الأهواء بعد، ولم تجتذبه المطامع إلى الناحية المادية بعد، والذي لا يزال بريئًا يبكي مستقبل هذا البلد الذي تلعب به «السلطات» ذات النفوذ الفعلي.. وأقسم لأقاومها في غير هوادة أو لين.. فلا تسألني بعد ذلك إلى أي حزب أميل، وأي حزب سأنصر.. إنني في هذه المجلة لا أمثّل حزبًا ولا أميل إلى أي حزب، بل أعمل كجندي في ميدان الصحافة، أخدم وطني بما يوحي به ضميري".
ويؤكد فكرى أباظة في حواره المنشور بمجلة المصوّر في أكتوبر 1977:
"إن السنوات العشر الأولى في رئاستي لتحرير المصوّر تألقت المجلة بالطباعة الحديثة وبالصور، فقد كان أساس صدور المجلة في السنوات الأولى الاهتمام بالموضوعات الاجتماعية والأخبار المحلية والعالمية والتحقيقات الفنية والأدبية دون أن تمس السياسة أي مساس، ولما رأى الأستاذان إميل زيدان وشكري زيدان أن يطوّرا المصوّر بعد أن شجعهما الرواج المتدفّق من عام إلى عام، كانت السياسة هي الماثلة في أذهانهما".
فقد ارتفع توزيع المجلة في عام 1934 من تسعة آلاف إلى 15 ألف نسخة بعد عام، ثم إلى 25 ألف نسخة بعد عام آخر، ثم إلى سبعين ألف نسخة عند وفاة الملك فؤاد عام 1936، وهو الرقم الذي وصل إليه التوزيع عند وفاة سعد زغلول.. كما حصلت المصوّر في السنوات الأولى لرئاستي للتحرير على الميدالية الذهبية العالمية الأولى في معرض باريس المقام في موسم 1937–1938.
ويضيف: "لقد تعرضنا للتقاضي في 15 جناية، وقدّمت المصوّر إلى محكمة الجنايات، ثم صدر تنازل عنها في عهد وزارة نسيم باشا سنة 1935، وهناك جنح وجنايات لا أستطيع حصرها ولا تقل عن خمسين جنحة وجناية، ولا تزال المصوّر تعاني هذه المقاضاة، مستهدفة الحبس والغرامة والتعويض في سبيل كلمة الصدق".
ومن أشهر القضايا التي عرضت المصوّر للمتاعب في عهده، يقول:
"نشرنا على الغلاف صورة ناريمان وكانت طالبة بالمدرسة الثانوية قبل إتمام مراسم الزواج لتصبح ملكة مصر، وقد استطاع طاهر الطناحي أن ينشر بالزنكوغراف موضوع إنشاء باللغة العربية كتبته عن الأعياد القومية التي تحب أن تشهدها، وكان السبق الصحفي مسايرًا لشائعة انتشرت مع نشر صورة ناريمان والموضوع المكتوب عنها قبل أن يتزوجها الملك، فصادرت النيابة عدد المصوّر، ولما عارضنا في المصادرة، قال النائب إن هذه الفتاة هي الزوجة المقبلة لجلالة الملك، وإنه لا يجوز بحال أن يُنشر لها موضوع إنشاء فيه عدة أخطاء نحوية، وأن تأخذ درجة (10 من 20) على الموضوع، فيُقال إن ملكة البلاد جاهلة".
حدث بعد عام 1942، حينما أحاطت دبابات الجيش الإنجليزي المحتل بسراي عابدين لإرغام فاروق على إقالة الوزارة القائمة وعودة النحاس باشا إلى الحكم، أن نشرت المصوّر مقالًا موجهًا إلى الملك فاروق يقول فيه إننا نطمع في حكمة جلالته أن يدعو رؤساء الأحزاب ليتفهموا ويؤلفوا حكومة ائتلافية، وأصر الملك على مصادرة المصوّر وتقديم رئيس التحرير للمحاكمة، لأن معنى المقال أن ملك البلاد لم يؤدِّ واجبه، وهناك جناية الطعن في الذات الملكية، وأخفّ التهم وقتها كانت جنحة توجيه اللوم للملك.. وغيرها الكثير من القضايا التي تعرّض لها فكرى أباظة والمصوّر دفاعًا عن كلمة الصدق.
وعن دقته في العمل، قال في مقاله المنشور بـالهلال 1 أبريل 1954:
"يدهش صاحبا المصوّر وإداريوه من أنني ضربت الرقم القياسي في تقديم موادي التحريرية قبل مواعيدها رغم كثرتها وتشعبها.. ولا أذكر أنني تأخرت عن ميعاد تافه أو هام مهما كانت ظروفي وحالتي الصحية، وإني لأذكر بعد إجراء أخطر عملية في عيني، أنني كنت أملي مقالاتي وأنا لا أتحرك حركة واحدة في فراشي زهاء خمسين يومًا وليلة، ولقد اعتدت أن أستيقظ في الصباح حوالي الساعة السادسة والنصف، لأكون جاهزًا لعملي في الساعة الثامنة، وقد حافظت على هذا الميعاد.. وفي أحيان كثيرة بدون داعٍ وبدون موجب، ولكنها العادة أو غريزة تقديس المواعيد".
ثم يؤكد الصحفي فوميل لبيب في عدد المصوّر بتاريخ 2 مارس 1979 على هذه الدقة والالتزام:
"لعل من أغلى دروس الصحافة التي أعطاها لنا هذا الدأب الذي لازمه منذ بدأ العمل صحفيًا حتى آخر أيام عمره - أذكره في الخمسينات حين كان يسافر إلى سويسرا للعلاج.. وعلّته نور عينيه، كان يملي على مرافقه مقاله ويبعث به في الوقت المناسب للنشر.. كأنه مرتبط مع القارئ بعقد ملزم، وهو كرجل قانون يحترم البند وينفذ العقد".
وتضيف سكينة السادات في مقالها بنفس العدد:
"عندما كان يجتمع معنا - فكرى باشا - كل يوم ثلاثاء في مجلس التحرير، كان يفاجئنا بأصناف متعددة من الحلوى يشتريها وهو في طريقه إلى دار الهلال.. وذات أسبوع لاحظ أن مستوى مقترحاتنا للعدد التالي ضعيف، فأراد أن ينبهنا بروحه الفكهة إلى ذلك دون أن يجرح مشاعرنا، فقال: الظاهر الحلويات مش نافعة.. المرة الجاية أشتري لكم لحمة!.. بهذه الروح الكريمة كان يتعامل معنا، فلم نسمع منه مرة واحدة كلمة قاسية، بل كان يُثني على كل من يكتب موضوعًا جيدًا ويطلبه لمقابلته لكي يشكره".
سواقط قيد:
نجح "فكرى باشا" بالتزكية في انتخابات مجلس النواب عام 1926، وظل يمثل الأمة حتى اعتزل الحياة البرلمانية عام 1950 لأسباب صحية.
وعن العقبات التي اعترضت طريق فكرى باشا في عملية الانتخابات، كما كشفها صبري أبو المجد في كتابه فكرى أباظة، أنه عندما فكّر "فكرى باشا" في الترشح، كان سنه دون الثلاثين، وقانون الانتخابات يشترط الثلاثين، فلفتوا نظره إلى أنه "سواقط قيد"، ولفتوا نظره أيضًا إلى إجراء عجيب، فبادر إلى قسم الأزبكية وقدم شكوى ضد والده بأنه قصّر في قيد اسمه في دفتر المواليد، وحرّر "الباشجاويش" محضر مخالفة، وذكر أن سن الشاكي ثلاثون عامًا تمامًا وأنه وُلد في سنة كذا، وقدم محضر المخالفة إلى محكمة المخالفات فحكمت على والده "بعشرة قروش" وإثبات اسمه في دفتر المواليد بالعمر الذي اخترعه، والحكم لا معارضة فيه ولا استئناف، وبهذا توفرت له السن القانونية للترشيح.
محامي الست:
سبقت الموهبة الفنية لدى فكرى باشا الموهبة الصحفية والسياسية والرياضية وسائر المواهب الأخرى التي أسهمت في تكوين شخصيته الفذّة النادرة، وليس أدل على ذلك من أحاديثه وتصريحاته العديدة التي كان يروي فيها ذكريات طفولته وصباه، عندما كان يحاول تقليد ومحاكاة بعض الشخصيات التي يعايشها في صور كاريكاتورية لاذعة، ووضحت هذه الموهبة الفنية بصورة أكبر عندما كان طالبًا بالمدرسة السعيدية وعند انضمامه إلى النادي الأهلي، حيث كان يشارك في الحفلات السنوية بإلقاء أزجال من تأليفه، وأحيانًا كان يؤديها في صورة منولوجات نقدية يقوم هو نفسه بارتجال ألحانها.
في حوار "فكرى باشا" مع المصوّر المنشور في مارس 1955 يقول:
"ظهرت على المسرح في دور كاشيو بمسرحية يوليوس قيصر، وقد مثلت الدور بالإنجليزية، وهو يتألف من 400 بيت من الشعر، كما قمت بدور البطل في رواية عظة الملوك ودور الأمير حماد في رواية ثارات العرب، ولي أناشيد وطنية وقطع تمثيلية ألقيتها في النادي الأهلي منذ كنت في السادسة عشرة من عمري حتى التاسعة عشرة.. ويبلغ عددها 30 قصيدة، و30 زجلًا، كما ألفت مائة قطعة موسيقية مسجلة عندي، فأنا أعزف على المندولين والناي، وأدندن لنفسي أحيانًا".
ويكشف المؤرخ السينمائي حسن إمام عمر في المصوّر 23 فبراير 1979 أن لفكري باشا مواقفه الجريئة لتقدير الفن ورسالته الخالدة في وقت كان المجتمع ينظر فيه إلى مَن يعمل بالفن نظرة مهانة. وقد لا يعرف الكثيرون أن فكرى أباظة شارك بالتأليف المسرحي في بداية النهضة المسرحية في العشرينيات عندما تألفت شركة ترقية التمثيل، فقد كتب لفرقة عكاشة "أوبريت" غنائيًا باسم سعاد قبض ثمنًا لها مبلغًا وقدره عشرون جنيهًا، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لأجور المؤلفين في ذلك الوقت. ولكن المسرحية لم تظهر ولم ترَ النور، لأن المرحوم زكي عكاشة طلب منه تغيير اسم المسرحية وتعديل بعض الأحداث لتكون البطولة للرجل وليس لشخصية نسائية، فأبى فكرى أن يستجيب لطلبه ورفض أي تعديل، وأعاد له مبلغ العشرين جنيهًا واستعاد المسرحية ثم مزقها وألقى بها في سلة المهملات، وقال: "توبة عن التأليف المسرحي". ثم كتب للسينما أول وآخر فيلم في بداية الأربعينيات وهو خلف الحبايب إخراج فؤاد الجزايرلي وبطولة فوزي الجزايرلي وابنته إحسان، وعندما شاهد العرض الأول شعر بخيبة أمل من التعديلات التي تناولها السيناريو السينمائي، فأعلن مقاطعة التأليف للسينما أيضًا.
والجميع يعرفون موقفه من أم كلثوم وتشجيعه لها قبل أن تصبح المطربة المرموقة، وتبرعه بالدفاع عنها عندما ادّعى أحد المواطنين في الثلاثينيات أنه متزوج منها ويطلبها في بيت الطاعة، وظل صديقها ومحاميها طوال حياتهما، وهو من كان يحرر عقود حفلاتها وأفلامها، وهو من يترافع عنها.
كذلك كانت تربطه علاقات طيبة بعدد كبير من أهل الفن، في مقدمتهم محمد عبدالوهاب ونجيب الريحاني ويوسف وهبي وأمينة رزق، وكانت أقربهم إلى نفسه سنوات طويلة الفنانة زينب صدقي، التي كان يقول عنها إنها صورة منه في الجرأة والصراحة والمرح والسخرية اللاذعة.
ولست أنسى تحمّسه الكبير لإعادة إصدار مجلة الكواكب عام 1949 لتكون لسان حال أهل الفن وتسهم في عرض أنشطتهم وأخبارهم. كما برع فكرى باشا في الإذاعة والأحاديث التليفزيونية، والتي بلغت في مجموعها إذاعيًا وتليفزيونيًا ثلاثة آلاف حديث ومقابلة.
باشا الصحافة:
كان "فكرى باشا" النقابي الأول لأنه الصحفي الكبير الذي مكّنت له عضويته في مجلس النواب أن يدافع عن قيام القانون الأول لنقابة الصحفيين في سنة 1941، ولولا دفاعه عن مشروع القانون في البرلمان لما صدر هذا القانون. ثم أصبح نقيبًا للصحفيين سنة 1944 بعد النقيب محمود أبو الفتح ومحمد عبدالقادر حمزة، حيث كان مجلس نقابة الصحفيين يُنتخب مرة كل عام في ديسمبر.
يقول نقيب الصحفيين حافظ محمود في مجلة المصوّر بعدد 23 فبراير 1979:
"إن الصحفيين الذين يلتقون الآن في دار نقابة الصحفيين لا يعلمون كيف بُنيت هذه الدار.. لقد كنا قد حصلنا على أرض المبنى من قبل، لكننا لم نكن ندري كيف نبنيها، حتى صار فكرى أباظة نقيبًا، فتدخل فكرى بصفته النيابية لدى الحكومة للحصول على المال اللازم للبناء، وكان المبلغ المطلوب هو 40 ألف جنيه، ولم توافق الحكومة – بعد جهد – إلا على ربع هذا المبلغ، لكن فكرى كان يحمل معه إلى رئيس الوزراء صورة فوتوغرافية للقدر الذي تم بناؤه ليقول له: هل يرضيك ألا نتمم هذا البناء؟، وظل يقوم بهذه الحركة البارعة حتى أتممنا البناء كله، وافتتحنا الدار رسميًا في 31 مارس 1949".
حينها وقف فكرى أباظة خطيبًا بوصفه نقيبًا، وقال:
"إن صاحبة الجلالة الصحافة تعتز بعرشها".
وكان المفروض حسب التقاليد في افتتاح المؤسسات أن "ينعم" الملك على رؤسائها بالرتب، لكن عبارة "اعتزاز صاحبة الجلالة الصحافة بعرشها" أبعدت هذا الإنعام يومئذ عن فكرى أباظة. لكن حدث في السنة التالية، عندما قام القصر الملكي بترضية الصحافة، فأنعم الملك على فكرى أباظة برتبة الباشوية بوصفه نقيبًا للصحفيين، فكان فكرى أول نقيب بين نقباء المهن جميعًا يحصل على هذه الرتبة بوصفه "نقيبًا" فقط.
ولا أحد ينكر دور فكرى باشا في إصدار قانون معاشات الصحفيين، وأيضًا دخول عدد كبير لعضوية النقابة، كما عارض الكثير من القوانين المقيدة لحرية الصحافة حتى لُقب بشيخ الصحافة والصحفيين.
في الغرام سواح:
"قالوا لي بتحب.. قلت باحب عقبالكم
الحب مش عيب.. وانتو يا غجر مالكم
قالوا كبرت.. فال الله ولا فالكم
ده أنا اللي بإرثى لكم.. وأبكي على حالكم"
شعر: فكرى أباظة
يقول الصحفي الراحل مصطفى أمين: كنت أسأل فكرى أباظة دائمًا: لماذا لم تتزوج؟ وبقيت أوجّه له هذا السؤال حتى بلغ الثمانين من العمر، وكان يقول لي: "هات العروس التي تتوافر فيها شروطي وأنا أتزوجها بعد 24 ساعة!"
لقد مر "فكرى باشا" بـ12 مشروع زواج، ولكنها فشلت جميعًا ولهذا لم يتزوج، واعترف في حواره مع "سناء السعيد" التي أعادت نشره في المصوّر 17 يونيو 2015 أنه ظل طوال حياته يشعر بالندم على الظروف التي حالت بينه وبين الزواج، وظل يفكر فيما هو آت بعد أن عاش حياته دون رفيقة، قائلًا:
"ماذا سيحدث لي عندما يزورني الموت؟ يومها لن أجد الزوجة بجانبي، ولن أجد الولد الذي يبكي عليَّ ويمشي في جنازتي.. إنه القدر الذي قد يُوقع بضحيته، ويحكم حولها الشباك ويحول بذلك دونها ودون تحقيق حياتها بالصورة التي تحب والطريق الذي ترغب".
وعن أول قصة حب قال:
"القصة الأولى بارزة ومحفورة في عام 1919 عندما التقيت بفتاة أرمينية جميلة تُدعى ثروت، كانت على علاقة بضابط أسترالي، وتركها لأن طبيعة عمله كانت تقتضي منه التنقل من بلد لآخر، شاءت الصدفة أن ألتقي بها وأن يقع كل منا في حب الآخر.. غير أن القدر كان لي بالمرصاد، فلقد عاد الضابط إلى مصر، وعندئذ اكتشفت علاقة الحب بينهما، فأوحى الضابط لـثروت بأنه مسافر وطلب منها توديعه، وكان أن ذهب بها إلى الجزيرة على النيل، قتلها رميًا بالرصاص وانتحر.
كانت صدمة عنيفة بالنسبة لي، فوجئت بها وأنا محامٍ تحت التمرين وفي مستهل حياتي، شعرت بحزن شديد.. إنها قصة لا أنساها أبدًا.
كنت أراوغ في الماضي.. ولكني لا يمكن أن يقع عليَّ اللوم في ذلك، حاولت 12 مرة وفشلت.. فسخ العلاقات لم يكن أبدًا من طرفي، وإنما كان من الطرف الآخر.
الآن، وبعد أن وصلت إلى هذه السن كما ترون، قد لا تتصورون عظم المعاناة والتعب والعناء الذي ألاقيه في مسكن بمفردي، وبين الحين والحين ألوم نفسي، ولكن اللوم متأخر بعد أن ولى الموسم وذهب".
ظهير أيسر:
"قوم يا أهلي شوف ولادك والبنود.. شوف كتايبك شوف جنودك والحشود.. شوف آيات النصر في كل الجهود..."
هذا هو نشيد الأهلي الذي ألّفه "فكرى باشا" حبًا وعشقًا لهذا النادي منذ الصغر.
وظل "فكرى باشا" طوال أكثر من نصف قرن يتردد على النادي الأهلي يوميًا من الساعة الخامسة وحتى التاسعة مساءً، وكان يُقبل على جلسته الكثيرون ليستمعوا إليه وهو يحلّ مشاكل النادي ويمارس حياته السياسية والنيابية، وبالتالي أصبح النادي مقرًا دائمًا له يلتقي فيه مع الأصدقاء والأحباب، وبسبب علاقته الوطيدة بالأهلي انتُخب رئيسًا شرفيًا للنادي.
يقول في حواره مع المصوّر المنشور في مارس 1955:
"كنت من أفراد الفريق الأول في الفريق الأباظي لكرة القدم، وألعب في الظهير الأيسر، الذي هزم جميع أندية القطر المصري سنة 1916–1917، باستثناء النادي الأهلي، وكنت في فريق الكرة الأول بالمدرسة السعيدية في عهدها الذهبي من سنة 1910–1914، وفي الفريق الأول بكلية الحقوق أيضًا، وانتهى بي المطاف بين أفراد الفريق الأول للكرة بالنادي الأهلي سنة 1923".
ثم قال في مقاله المنشور 1960:
"أعيد وأقول: النادي الأهلي هو أبو النوادي بلا منازع.. أبو النوادي بتاريخه وأمجاده وأعضائه، والأهم من ذلك جمهوره، حيث إن الممول الأكبر للنادي هو الشعب، وشعبية النادي تكاد تكون معجزة غير مفهومة، لكنها من عند الله".
الحالة ج:
في 18 أغسطس 1961 نشر "فكرى باشا" مقاله السياسي بعنوان الحالة ج بمجلة المصوّر، فقامت الدنيا ولم تقعد، حيث تحدث فيه عن المسألة الفلسطينية، وقدم اقتراحًا وهو أن تتنازل إسرائيل عن العنصرية والصهيونية والتعصب اليهودي، وأن تدخل في دولة فلسطين تضم العرب من مسلمين ومسيحيين ويهود، بجانب اليهود من الجنسيات الأخرى كرعايا لدولة واحدة.
وكان البرنامج الذي وضعه "فكرى باشا" في المقال يتكون من ثماني نقاط يسعى إلى حلها لو كان أحد الأقطاب، وجاء في البند السابع:
"تقرر الدول بالاتفاق حياد منطقة الشرق الأدنى وجميع الدول المنضمة إلى الجامعة العربية، وينشأ بعد هذا الاتفاق اتحاد فيدرالي بين الدول العربية، ويكون اختصاصه مقصورًا على توحيد الجيوش الحيادية العربية وسياستها الخارجية، على أن تدمج فلسطين بأسرها في هذه المجموعة، وتشمل إسرائيل بعد أن تزول عنها صفتها الدينية، ويصبح الإسرائيليون من رعايا هذا الاتحاد الذي يكفل لكل الأقليات حقوقها كاملة، حسب التقاليد الدولية المتبعة".
فطيرت وكالات الأنباء ما جاء بالمقال، ويقول صبري أبو المجد في مقاله المنشور بـ المصوّر 2 مارس 1979 إن الصحف العربية هاجت وماجت، وازداد هجوم الإذاعات العربية على مصر منذ نشر المقال، حيث اتخذوه دليلًا على أن هناك تغييرًا في سياسة مصر، فأصدر الرئيس جمال عبدالناصر قرارًا بإعفاء محمد فكرى أباظة من رئاسة مجلس إدارة دار الهلال ورئاسة تحرير المصوّر، كما جاء في جريدة الأهرام يوم 18 أغسطس 1961.
ويوضح فكرى باشا في حواره مع المصوّر 1977 أنه سافر إلى الإسكندرية حتى لا يقع زملاؤه في حرج، فسافر إليه محمد حسنين هيكل ومصطفى أمين وعبدالرؤوف نافع، وقال هيكل له إن هذا الفصل خنجر في ظهر الصحافة كلها، فسألته عمّن وضع هذه الحيثيات الغريبة، وهل تمت قراءة مضمون المقال أم اكتفت الأجهزة المكلفة بتقديم تقارير الصحافة بعرض العنوان فقط على السيد الرئيس؟
وقلبت أمامهم صفحات المصوّر وفتحتها على مقال آخر عبارة عن حوار من الخيال بيني وبين "محب" و"سهير"، ابني وابنتي في الخيال الصحفي، ردًا على سؤال لهما: لماذا يكره بعض الناس الجنرال فرانكو وهو الذي أنقذ إسبانيا من الحرب الأهلية وأقام لها نهضة عصرية؟
وكان جوابي: ربما يكون السبب الحرية في الرأي وحرية العلم.. حرية الصحافة التي حُرم منها الشعب الإسباني.. أوضحت هذا لزوّاري وقلت لهم: قد يكون السطر الأخير هو السبب في فصلي.
وكشف صبري أبو المجد أن عبدالرؤوف نافع، العضو المنتدب لمؤسسة دار الهلال، تحمّل على مسؤوليته الخاصة صرف مرتب فكرى أباظة له كاملًا غير منقوص، وأن مدير شؤون العاملين كان يذهب إلى أستاذنا فكرى أباظة قبل نهاية كل شهر، في قهوة "الإنجلو" ويعطيه راتبه، وظل "فكرى باشا" يحصل على مرتبه إلى أن أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قرارًا جديدًا في 13 أبريل 1962 بتعيينه عضوًا في مجلس إدارة دار الهلال ومستشارًا عامًا للتحرير بها بعد أن كتب مقالًا اعتذر فيه.
وكانت هذه الفترة أتعس أيام فكرى باشا، لا لشيء إلا لأنه ظُلم، أو ضُحّي به كما كان يقول دائمًا، ولأنهم لم يستمعوا منه لتوضيح فكرته.
ونشر مقال الاعتذار يوم 25 سبتمبر 1961 في الأهرام بعنوان معركة بين ضميري وقلمي، وجاء فيه:
"كان «واجبًا» عليَّ أن أنشر لقرّائي «إيضاحًا» عن «مقالي»، ولقد كان «أوجب» أن أقدم هذا «الإيضاح» لصاحب الشأن أولًا، وهو سيادة الرئيس.. الرجل العظيم الذي «أعفى» المحكوم عليهم بالإعدام من «الإعدام»! والذي «أعفى» الذين تآمروا على حياته من الأشغال الشاقة المؤبدة! والذي «أعفى» المحرومين – بأحكام – من حقوقهم السياسية من هذا الحرمان، ورد إليهم اعتبارهم الشخصي والسياسي.. هذا الرجل لا يعز عليه أن «يعفي» – فكرى أباظة – لا من الإعفاء – وإنما من حيثيات «الإعفاء».. إذا شاء الله. فشاء...
لا يمكن – بحال – أن يختفي قلم «فكرى أباظة» في عهد «جمال عبدالناصر» ولا بد أن يجد طريقه في أي ميدان.. ليستأنف جهاده وكفاحه في سبيل هذه الثورة وفي سبيل زعيمها وقائدها.. والمسؤول الأول عن الوطن العربي الكبير، الواسع المساحة، الفادح الأرجاء".
وعاد للكتابة مرة أخرى في المصوّر، ثم فوجئ بعد ذلك بأن خانة المناصب في الترويسة تضم اسمه رئيسًا للتحرير قبل علي أمين الذي حلّ محله أثناء إبعاده أو وقفه عن العمل، ثم استمر هذا الوضع أثناء رئاسات أحمد بهاء الدين ثم يوسف السباعي لتحرير مجلة المصوّرودار الهلال.
وارتضى بكل هذه الأوضاع لأن الصحفي – كما يقول فكرى باشا – جندي، والصعود والهبوط تعوّدته، فقد عُينت بعد إبعادي ثم عودتي رئيسًا لمجلس إدارة مؤسستي الأهرام ودار الهلال بعد صدور قرارات تنظيم الصحافة.
وعندما حل مارس 1973 عُيّن فكرى أباظة رئيسًا لمجلس إدارة الهلال إلى جانب رئاسة تحرير المصوّر، واستمر في هذا المنصب حتى تولّت أمينة السعيد هذين المنصبين في مارس 1976.
ومن أهم اللحظات التي لم ينسها فكرى باشا، أنه في عهد رئاسة أحمد بهاء الدين تلقى منه خطابًا في أعقاب القرارات الإدارية التي صدرت في كل مؤسسات المجتمع حول تنظيم العمل، ومنها تحديد سن الإحالة على المعاش، فقد جاء في الخطاب الذي تلقيته:
"إن مؤسسة دار الهلال.. لما لكم من منزلة خاصة نقدرها كل التقدير، فقد قررت – تغيير إرادتها واعتزازها، وكذلك إرادة واعتزاز جميع العاملين بها – استثناءكم من تطبيق قاعدة الإحالة إلى المعاش، مستبقية إياكم في العمل، سعيدة بوجودكم بين ظهرانيها دائمًا".
ولن أنسى أيضًا عطف وتكريم الرئيس محمد أنور السادات لي في عدة مناسبات، وآخرها منحي درجة الدكتوراه الفخرية، وهي لفتات كريمة لا أنساها أبدًا، كما لا أنسى تكريم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر لي، ومنحي وسام الاستحقاق من أعلى درجاته ومراتبه.
الآخرة الحلوة:
"يوم 14 فبراير 1979 كنت – أنا صالح مرسي – في دار الهلال، فالتقيت عند دخولي بالدكتور عبدالرحمن نورالدين، الصديق والطبيب المشرف على مجلة طبيبك الخاص، ثمة سحابة غريبة تطوف بوجه عبدالرحمن، بجواره كان الزميل فاروق أباظة وفي عينيه دموع لم تجف... فقلت: خير يا عبدالرحمن، فيه إيه؟ فقال بصوت حزين: «الباشا مغمى عليه».. واندب في قلبي ذلك السكين الباتر الذي يقطع من حياتنا عزيزًا عظيمًا.. وفي السادسة مساء كنت أستمع لنشرة الأخبار، فأُذيع نبأ وفاته، فصرخت: «يا باشا.. مع السلامة يا باشا»".
كان "فكرى باشا" يحب العمل بل يقدّسه إلى درجة العبادة، لم يتخلف يومًا عن الكتابة، حتى وهو في أشد حالات المرض.. وفي اليوم الذي سبق وفاته، حضر إلى مكتبه بـ دار الهلال، وكتب كلمة الحق التي بدأها بمديح "أحمد شوقي" أمير الشعراء له، وتكلم فيها عن الحب وفشله في الحب 12 مرة، وتعاسته لعدم الزواج وإنجاب الأولاد، كأنه كان يرثي نفسه وأحسّ بقرب نهايته.
عندما رحل "فكرى باشا" عن الدنيا، كان لرئيس مجلس الشعب الدكتور صوفي أبو طالب رثاء نُشر في المصوّر بتاريخ 23 فبراير 1979 قال فيه:
"عرفته هذه القاعة مناضلًا قويًا من أجل الدفاع عن القضايا المصيرية للأمة العربية، والدفاع عن قضايا الحرية والديمقراطية، والدفاع عن المستضعفين في أوطانهم في سائر أنحاء العالم، وقد تعددت أوجه إسهام "فكرى أباظة" في الحياة العامة، فكان صحفيًا نابهًا، ومحاميًا لامعًا، وبرلمانيًا ممتازًا، عرفته الحياة النيابية أول ما عرفته في عام 1926 نائبًا عن الحزب الوطني حينما قام الائتلاف الحزبي في تلك السنة دفاعًا عن الدستور، وعرفته الصحافة بقلمه الصادق المعبر عن قضايا وطنه، وعرفته الإذاعة بأحاديثه البليغة، وعرفه مجلس النواب بشد انتباه الجميع واستحواذه على اهتمامهم بالقضايا الاجتماعية والسياسية التي يتناولها بالعرض والتحليل".
ويضيف في ذات العدد النائب محمد شوكت التوني:
"كان فكرى من قادة المعارضة، ولم تفُته دورة واحدة من غير عشرة مواقف تُذكر وتُشكر ولا تُنكر، بل هو جزء من تاريخ مصر السياسي، ومواقفه صفحات من الجهاد المصري على مختلف ألوان الحكم في تاريخ مصر.. ولم يعرف الحزبية العمياء، ولا العصبية الهوجاء، بل احترم مبادئ الحزب الوطني القديم: «لا مفاوضة إلا بعد الجلاء»، و«مصر والسودان جسم واحد لا يتجزأ»، و«الاستقلال الكامل غير المنقوص».. كانت هذه شعاراته، بل مبادئه، وأفنى حياته في مجلس النواب وفيًا لهذه المبادئ، ولم يكن ممثلًا، ولا منافقًا، ولا متزلفًا، ولكنه كان مصريًا قوي الصوت، أمين الرسالة، لا يخاف هضمًا، ولا يخشى ضيمًا، ويتغنّى بمجد مصر وسلامة مصر".