رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ما بين أسمهان وشيرين عبدالوهاب


18-7-2026 | 13:22

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

كالشهاب ظهرت، وكالشهاب هوت، وبين بريق الظهور وفجيعة الهاوية ملأت أسمهان حياتنا صخبا وضجيجا وفنا رفيعا سيبقى جديرا بالخلود تماما كسيرتها الملغمة بالغموض والإثارة، اثنتان وثمانون سنة مرت على حادث مصرع هذا الصوت الإعجازى إثر الحادث المثير حين سقطت سيارتها فى أحد المصارف بالقرب من مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية صبيحة الرابع عشر من يوليو 1944 وقت أن كان العالم يترقب كيف ستنتهى وقائع الحرب العالمية الثانية بعد كل المؤشرات التى كانت تؤكد انتصار الحلفاء وهزيمة المحور.

 

كان موت أسمهان مفجعا حقا لامرأة لم تتجاوز السابعة والعشرين من عمرها، كان الناس ينتظرون منها الكثير فى عالم الفن على خلفية تلك الإمكانيات الصوتية الهائلة والمظاهر الشكلية اللافتة، لا سيما وهم يتابعون مراحل تصوير أحدث أفلامها «غرام وانتقام» من بطولة وتأليف وإخراج يوسف وهبى، فإذا بهذا كله ينتهى فى لحظة فتح فيها قائد سيارتها المتجهة إلى رأس البر بابه، وتأكد أن أحدا لا يراه، وأن البابين الخلفيين للسيارة مغلقان بإحكام، ثم ألقى بنفسه على حشائش حافة المصرف تاركا السيارة بمن فيها (أسمهان وصديقتها مارى قلادة) تستقر فى قاع المصرف.

ولست معنيا هنا بالإجابة عن السؤال الدائم حول منْ يقف وراء مصرع المطربة الكبيرة إذا سلمنا بفرضية الجريمة، وهل هى المخابرات الإنجليزية أم الفرنسية أم الألمانية أم حتى الوكالة اليهودية فى فلسطين، أم هى الملكة نازلى، أم طليقها ووالد ابنتها الوحيدة الأمير حسن الأطرش؟ فكل هؤلاء وربما غيرهم كانت لهم مصلحة فى نهاية حياة أسمهان عند هذا الحد، وكأنهم استكثروا عليها سبعة وعشرين عاما قضتها فى هذه الحياة، لكن منْ يتأمل حياة هذا الشهاب المارق يدرك بما لا يدع مجالا للشك بأنها هى التى استكثرت على نفسها هذه السنوات القليلة حين قررت اللعب مع الكبار فى ظرف تاريخى لم يكن يسمح بذلك، فزادت من عدد أعدائها الراغبين فى التخلص منها.

لكننى معنىّ بعد مرور اثنين وثمانين عاما على رحيلها بالترحم على ذلك الصوت الأسطورى الذى كان بإمكانه لو استمر به العمر أن يغير وحده وجه الموسيقى العربية بأسرها، فقد جمعت بين قوة الصوت ولياقته وتفرده وحسن تدريبه أولا على يد شقيقها فريد الأطرش، ثم داوود حسنى من ناحية، وراهبات مدرسة الفرير من ناحية أخرى، ولذلك نجحت فى هذه السنوات القليلة مع كل عباقرة زمانها سواء كانوا تقليديين مثل داوود حسنى والسنباطى، أو مجددين مثل القصبجى ومدحت عاصم، بل إننى أزعم أنه حتى فى تلك الفترة القليلة التى قدمت فيها أسمهان فنها كان بإمكانها لو أحسنت إدارة موهبتها أن تقدم للفن أضعاف ما قدمته من حيث الكم والأثر، لكنها – للأسف – أهانت موهبتها ولم تحسن إدارة تلك القدرات الخارقة، فمشكلة أسمهان – فى تقديرى – تتمثل فى أمرين، أولهما أنها لم تكن تحب الفن، أو بالأحرى لم تكن تحب احتراف الفن، وكانت ترى فى نفسها أميرة ابنة أمراء يجب أن تنحنى لها الرءوس لا أن تقف على خشبة مسرح كى تطرب بشرا تنظر إليهم على أنهم أدنى منها منزلة، فلم تخلص لتجربتها الفنية، ولم تدِر تلك الموهبة التى حباها بها الله الإدارة المثلى خاصة وأن الأموال كانت تأتيها من مصادر أخرى بخلاف عملها بالفن، ومن هنا كان نشاطها الغنائى والسينمائى يأتى من حيث الاهتمام فى مرتبة تالية على أى شىء آخر ولا سيما العمل السياسى.

الأمر الثانى أنها أفرطت فى كل شىء فى حياتها: فى التدخين وفى الشراب، فى إنفاق المال وحياة الترف والبذخ، فى علاقاتها العاطفية والسياسية، فى صداقاتها وعداءاتها، الشيئان الوحيدان اللذان لم تفرط فيهما هما فنها ومشاعرها، فقد كانت مطربة «ليالى الأنس» تدرك سلوكياتها، وتعى ماذا تفعل مدفوعة برغبتها الجامحة فى النفوذ وجمع المال وأن تحيا عيشة الأميرات لا حياة مشاهير أهل الفن، ولهذا السبب بددت قدراتها الفنية، وشتت تركيزها، وأهانت موهبتها، وأضاعت وقتها فيما كانت تظنه الصواب، وأضاعت علينا تراثا فنيا كان من الممكن أن يزيد من مكانتها، ويضمن لها الخلود أكثر من ذلك بين نجوم الطرب على وجه الخصوص. لقد ظهرت أسمهان ونجحت فى زمن أم كلثوم، وهو إنجاز لو تعلمون عظيم، لكن شتان بين امرأة صانت موهبتها وعرفت كيف تديرها إدارة سليمة، وبين أخرى لم تعطِ لموهبتها ما تستحقه من اهتمام، ولهذا بقيت أم كلثوم أسطورة لن تتكرر، فيما دفعت أسمهان الثمن غاليا من وراء سوء إدارة موهبتها.

وهذه هى حال كل من بدد قدراته وأساء إلى موهبته، وسار فى طريق غير تلك التى خلق لها على النحو الذى رأيناه مثلا عند الممثلة كاميليا التى راحت تبحث هى الأخرى عن الثروة والمال بعيدا عن كاميرات التصوير، فضاعت فى سن مبكرة موهبة كان من الممكن أن تنضج مع التجارب والأيام، ورغم اختلاف الدوافع والتفاصيل ومقتضيات العصر فإننى كلما تذكرت تجربة أسمهان بالتحديد أشفق على مصير المطربة شيرين عبدالوهاب التى لا تزال تصر على تبديد ما حباها الله من قدرات صوتية وموهبة حقيقية بالسعى بقدميها إلى إيقاع نفسها فى كثير من المشكلات كان بإمكانها تجنبها لو أحسنت إدارة حياتها، وأعطت جل تركيزها لفنها الذى يمكن أن يوفر لها البقاء فى ذاكرة الناس لأجيال عديدة وليس أى شىء آخر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة