مع تصاعد نسمات الصيف الحارة، معلنةً بتوهج قدوم فصل الصيف، تبدأ رحلة هروب جماعى ممتعة للمصريين نحو الشواطئ، وإعداد خطة محكمة اقتصاديًا للهروب واقتناص أيام قليلة فى إحدى الوجهات المصيفية بمصر. ويقع اختيار كل فرد وفقًا لما يفضله، سواء برفقة أسرته أو بمفرده، ويظل العامل الأهم فى تحديد الوجهة هو قدرته المالية على اختيار مكان المصيف.
والموسم الحالى ليس مجرد أشهر للإجازات، بل هو «المحرك الأكبر» لحركة السياحة الداخلية، وتمتزج فيه لكنات السياح الأجانب والعرب بصخب العائلات المصرية الباحثة عن الونس والراحة، وتتحول مدن الإسكندرية ومرسى مطروح ومدن البحر الأحمر والساحل الشمالى إلى خلايا نحل لا تنام، لترسم لوحة فريدة من المتعة والبهجة.
وفيما يخص تأثير موسم الصيف على الحركة السياحية فى مصر، وأبرز الأماكن التى تشهد إقبالًا من المصريين، يوضح الخبير السياحى عمارى عبد العظيم، رئيس شعبة السياحة والطيران السابق، أن خريطة المصايف المصرية تشهد سنويًا إقبالًا كثيفًا على عدد محدود من الوجهات الرئيسية، فى مقدمتها الساحل الشمالى والإسكندرية ومرسى مطروح والغردقة وشرم الشيخ، وأن هذه المناطق تستحوذ على النصيب الأكبر من حركة السياحة الداخلية خلال أشهر الصيف.
الوجهة الشعبية الأولى للمصريين
يؤكد رئيس شعبة السياحة والطيران السابق أن الإسكندرية ما زالت الوجهة الشعبية الأولى للمصريين، حيث سجلت الفنادق مع بداية موسم الصيف الجارى نسب إشغال تراوحت بين 70 و80 فى المائة، مع توقعات بوصولها إلى الإشغال الكامل خلال ذروة الموسم فى شهرى يوليو وأغسطس، وهو ما يعكس استمرار جاذبية المدينة لملايين المصطافين سنويًا.
ويكشف أن شواطئ الإسكندرية استقبلت قرابة 3.2 مليون زائر خلال صيف 2025، وهو رقم يكشف حجم الإقبال الكبير على المدينة مقارنة بباقى المصايف المصرية.
ويشير إلى أن الساحل الشمالى أصبح خلال السنوات الأخيرة الوجهة الأسرع نموًا، خاصة بعد تطوير مدينة العلمين الجديدة وتوسع المشروعات السياحية والترفيهية، لافتًا إلى أن العديد من القرى السياحية تسجل حجوزات كاملة خلال شهرى يوليو وأغسطس، فيما أسهم مهرجان العلمين فى زيادة معدلات الإشغال والحركة السياحية بالمنطقة.
ويوضح «عبد العظيم» أن مدن البحر الأحمر، وعلى رأسها الغردقة، تشهد هى الأخرى معدلات إشغال مرتفعة للغاية خلال الصيف، حيث تجاوزت نسب الإشغال فى عدد من الفنادق والمنتجعات 90 فى المائة، ووصلت فى بعض المناطق إلى أكثر من 95 فى المائة، مدفوعة بإقبال المصريين إلى جانب السائحين الأجانب، وهو ما يجعل الغردقة واحدة من أكثر المدن جذبًا للمصطافين طوال العام.
ويؤكد أن تغير سلوك الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة نتج عنه تنوع المقاصد السياحية، حيث تتجه الأسر متوسطة الدخل إلى الإسكندرية ومرسى مطروح، بينما يفضل قطاع من الشباب مدن البحر الأحمر مثل الغردقة ودهب، فى حين يجذب الساحل الشمالى الشرائح الأعلى إنفاقًا، ما يجعل كل منطقة تمتلك جمهورها الخاص داخل السوق السياحية المحلية.
ويلفت «عبد العظيم» إلى أن استمرار ارتفاع نسب الإشغال فى المدن الساحلية، رغم زيادة تكاليف السفر والإقامة، يعكس أهمية المصيف بالنسبة للأسرة المصرية، التى لا تزال تعتبر الإجازة الصيفية أولوية سنوية حتى مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
خريطة المصايف المفضلة
من جانبه، توقع عمرو أبو زيد، عضو مجلس إدارة اتحاد الغرف السياحية ورئيس لجنة التواصل، أن يشهد موسم الصيف فى مصر طفرة غير مسبوقة فى معدلات الحركة الوافدة، مرجحًا أن تتجاوز الأرقام المنتظرة كل ما تحقق خلال المواسم السابقة.
ويشير إلى أن خريطة المصايف المفضلة لدى المصريين خلال فصل الصيف تشهد تنوعًا كبيرًا وفقًا للقدرة الشرائية وطبيعة الإجازة التى تبحث عنها كل أسرة، إلا أن الساحل الشمالى يظل الوجهة الأكثر جذبًا للمصطافين خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد التوسع فى إنشاء القرى السياحية والمدن الجديدة وتطوير شبكة الطرق، ما جعل الوصول إليه أسهل من السابق.
ويضيف «أبو زيد» أن الإسكندرية لا تزال تحتفظ بمكانتها التاريخية، حيث تستقبل أعدادًا ضخمة من الزوار القادمين من محافظات الوجه البحرى والقاهرة الكبرى، بفضل تنوع الشواطئ وتوافر خيارات إقامة تناسب مختلف الفئات.
ويبين أن مرسى مطروح تشهد أيضًا إقبالًا كثيفًا من الأسر المصرية، خاصة الباحثة عن الشواطئ الهادئة والمياه الصافية، موضحًا أن المدينة أصبحت من أهم المقاصد الصيفية للعائلات التى تفضل الإقامة لفترات طويلة نسبيًا مقارنة بالمصايف الأخرى.
ويرى عضو مجلس إدارة اتحاد الغرف السياحية أن العين السخنة تعد الوجهة الأسرع نموًا بين المصطافين المصريين، خصوصًا لسكان القاهرة والجيزة، حيث تسمح بقضاء عطلات قصيرة أو رحلات نهاية الأسبوع دون الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة، وهو ما زاد من شعبيتها خلال السنوات الأخيرة.
السياحة العربية والأجنبية
يؤكد «أبو زيد» أن مدن البحر الأحمر، وعلى رأسها الغردقة وشرم الشيخ، لم تعد مقتصرة على السياحة الأجنبية فقط، بل أصبحت تستقبل أعدادًا متزايدة من المصريين بفضل العروض السياحية وبرامج التقسيط التى تقدمها الفنادق وشركات السياحة، فضلًا عن تنوع الأنشطة الترفيهية والبحرية.
ويتوقع أن تشهد السياحة العربية، وخاصة القادمة من دول الخليج، هذا الصيف إقبالًا كثيفًا وغير مسبوق على المقاصد السياحية المصرية، وفى مقدمتها مدينة العلمين الجديدة ومنطقة الساحل الشمالي، اللتان أصبحتا خلال السنوات الأخيرة من أبرز الوجهات الصيفية الجاذبة للعائلات الخليجية.
ويوضح «أبو زيد» أن العديد من الفنادق والمنتجعات السياحية فى العلمين أعلنت بالفعل اكتمال نسب الإشغال وإغلاق باب الحجوزات المبكرة، بعدما تجاوزت نسب الإشغال فى بعض المنشآت الفندقية حاجز 85 فى المائة، وهو ما يعكس حجم الطلب الكبير المتوقع خلال الأسابيع المقبلة.
ويشدد على أن نجاح الموسم الصيفى الحالى لا يقاس فقط بأعداد السائحين، وإنما بقدرة المنشآت السياحية والفندقية على تقديم تجربة متكاملة وآمنة وراقية، تضمن عودة السائح مرة أخرى وتجعله سفيرًا للمقصد السياحى المصرى فى بلاده.
ويدعو «أبو زيد» جميع العاملين بالقطاع السياحى والفندقى إلى ضرورة حسن التعامل مع هذه الذروة السياحية المرتقبة، والعمل على استثمارها بالشكل الأمثل، بما يحقق أعلى معدلات الرضا لدى الزائرين، ويضمن مرور الموسم دون أية أزمات أو حوادث قد تؤثر على سمعة وأمن وسلامة المقصد السياحى المصري.
ويطالب بضرورة الاهتمام بجودة الخدمات المقدمة للسائحين بمختلف جنسياتهم وفئاتهم، سواء داخل الفنادق أو القرى السياحية أو المطاعم والمنشآت الترفيهية، مؤكدًا أن جودة الخدمة أصبحت العامل الأهم فى المنافسة بين المقاصد السياحية العالمية.
الإشغالات الفندقية
وفى سياق متصل، يقول رامى رزق الله، الخبير الفندقى ورئيس لجنة التسويق السياحى بشرم الشيخ، إن الإشغالات الفندقية فى فنادق شرم الشيخ من المتوقع أن تسجل خلال إجازات الصيف وفترات الذروة فى شهرى يوليو وأغسطس نسبة 100 فى المائة.
ويضيف أن شركات السياحة والفنادق تكثف أساليب الدعاية لجذب المزيد من السياحة الداخلية لقضاء إجازات الصيف، لافتًا إلى أن العديد من الفنادق، ولا سيما فئة الأربع نجوم، قدمت عروضًا سعرية مميزة لجذب المصريين خلال تلك الفترة.
ويلفت رئيس لجنة التسويق السياحى بشرم الشيخ إلى أن حجوزات المصريين لشرم الشيخ والغردقة خلال إجازات الصيف «مهمة جدًا»، لا سيما أن هذه الفترة تشهد تراجعًا نسبيًا فى أعداد السياح الأجانب، قبل أن تعود للارتفاع مجددًا مع حلول شهر أكتوبر، كونه بداية موسم الذروة للسياحة الأجنبية والأوروبية القاصدة للمناطق الساحلية المصرية.
بدوره، يقول عصام علي، الخبير السياحى ونائب رئيس غرفة المنشآت السياحية بالبحر الأحمر، إن موسم الصيف يمثل ذروة الحركة السياحية الداخلية فى مصر، حيث تتجه النسبة الأكبر من الأسر المصرية إلى المدن الساحلية، وعلى رأسها الإسكندرية والساحل الشمالى ومرسى مطروح والغردقة ورأس البر، بحثًا عن الشواطئ والطقس المعتدل والأنشطة الترفيهية.
ويوضح أن الساحل الشمالى شهد خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة جعلته وجهة رئيسية لشريحة واسعة من المصريين، بعدما كان مقتصرًا على فئات محددة، مشيرًا إلى أن انتشار القرى السياحية وتأجير الوحدات لفترات قصيرة أسهما فى زيادة الإقبال عليه خلال شهور الصيف.
مدن البحر الأحمر
يشير الخبير السياحى إلى أن مدن البحر الأحمر، خاصة الغردقة ومرسى علم، تجذب أعدادًا متزايدة من الأسر المصرية بفضل العروض الفندقية التى تقدم خدمات متكاملة تشمل الإقامة والوجبات والأنشطة الترفيهية، ما يمنح الأسر قدرة أكبر على التحكم فى نفقات الإجازة.
ويوضح أن العامل الاقتصادى أصبح الأكثر تأثيرًا فى اختيار المصيف، فالكثير من الأسر باتت تقارن بين تكلفة الإقامة والمواصلات والطعام قبل اتخاذ قرار السفر، وهو ما يدفع بعض العائلات إلى تقليص مدة الإجازة أو اختيار وجهات أقرب جغرافيًا لتقليل المصروفات.
ويتابع «على» أن مصايف مثل رأس البر وجمصة ما زالت تحافظ على جاذبيتها بين أبناء محافظات الدلتا، بسبب انخفاض تكلفة الإقامة مقارنة ببعض الوجهات الساحلية الأخرى، فضلًا عن طبيعتها الأسرية الهادئة.
ويختتم حديثه قائلًا إن السياحة الداخلية أصبحت تمثل ركيزة مهمة لدعم القطاع السياحى المصرى خلال فصل الصيف، خاصة فى ظل تزايد اعتماد المنشآت السياحية على السائح المصرى لتعويض تقلبات الأسواق الخارجية وضمان استمرار نسب الإشغال المرتفعة طوال الموسم.