رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إسكندرية.. فى كل ركن حكاية


18-7-2026 | 13:26

.

طباعة
تقرير: دعاء رفعت

«أيووه يا جدع.. دى إسكندرية»، نسمة هواء باردة يغتسل بها عام مليء بالمتاعب، وروائح ممزوجة بضحكات الأطفال وهم يحملون أطواقًا ملونة، وكأنهم يحملون أحلامهم، فحين تجلس على كورنيش عروس البحر المتوسط وتشاهد «حناطير بحري» تتمخطر على الطريق، ستشعر وكأن الزمن قرر أن يهدأ على شواطئ الإسكندرية. هنا فى كل ركن حكاية: «الجيلاتي» فى بحرى مذاقه أبرد من البحر وأحلى من الذكريات، وقلعة قايتباى تقف أمامك وكأنها تحرس المدينة التى تخرج أنفاسها فى شكل أمواج تمتزج بعبق التاريخ.

فى الإسكندرية، الفلافل بطعم المالح فى محطة الرمل، وكبدة الفلاح تفترش الشارع على موائد حارة، والسمك الطازج فى أبو قير حكاية من حكايات الزمن الجميل، ولن تبخل عليك الجميلة حين تغادرها بطبق من «الهريسة» من أيقونة الحلويات الشرقية أحمد حسنين.

بدأ موسم الصيف، وتستعد مدينة الإسكندرية لاستقبال المصطافين ومحبيها من جميع أنحاء المحروسة، بل ومن جميع دول العالم، فالإسكندرية مقصد للعديد من الأشقاء العرب والأجانب المحبين لبحر وأجواء عروس البحر المتوسط، خاصة أنها تمتلك روح العواصم والمدن الساحلية معًا. ففى الإسكندرية يمتزج صخب الحياة الروتينية مع أجواء المصيف فى الصباح، وفى المساء يجتمع أهالى الإسكندرية بضيوفهم على الكورنيش وفى الأماكن العامة والمقاهي، وإذا كنت من الضيوف فستحمل العديد من الذكريات وأنت تغادر المدينة الجميلة.

يعشق المصريون الإسكندرية بشكل خاص، فهناك سوف تستيقظ على رائحة الفلافل الإسكندرانى والفول الممزوج بالفلفل الأخضر والطماطم، وعلى الغداء يمكنك زيارة أشهر محلات الطعام فى مصر «كبدة الفلاح» فى شارع ضيق ممتلئ بالموائد الحارة والليمون والمشروبات وسندويتشات الكبدة «المشطشطة»، وفى المساء ستمشى على الكورنيش فى أجواء ساحرة وسط مدينة لا تنام.

أشهر فتاة بالإسكندرية

من أكثر حكايات الإسكندرية إثارة للفخر حكاية أشهر «جيلاتي» فى المدينة، والشهير باسم «جيلاتى عزة». والحقيقة أن هذا سؤال يمكن أن يشغل بالك بينما تستمتع بطعم الفاكهة المثلجة على شواطئ الإسكندرية، وهى حكاية لا يعرفها الكثيرون؛ فليست حكاية امرأة تُدعى «عزة» كما يظن البعض، بل هى قصة كفاح شاب طموح تعود إلى عام 1928، قرر أن يُمصر الصنعة التركية للجيلاتي، وهو يختلف عن الآيس كريم كونه مصنوعًا بنسبة مائة بالمائة من الفاكهة الطبيعية عن طريق طحن الفاكهة بمضارب يدوية وتثليجها.

وفى شوارع بحرى بدأت قصة الشاب الذى خرج بعربة خشبية صغيرة للجيلاتي، ولم يكن على علم بأنه سيصبح أيقونة للإسكندرية، إذ ذاع صيته فى نواحى المنطقة، وحينها قرر أن يطلق على العربة اسم ابنته الكبرى «عزة»، وفقًا لروايات العاملين فى سلسلة محلات «عزة»، وذلك قبل أن يفتتح الفرع الأول بالقرب من قلعة قايتباي، لتصبح «عزة» أشهر فتاة إسكندرانية بفضل أبيها وعربة خشبية عمرها 98 عامًا.

ومن الجيلاتى إلى مذاق السمك الطازج فى أبو قير ورائحة البحر، لا تقتصر القصص على الطعام، فهناك فى منطقة بحرى تقف واحدة من معالم التاريخ، «قلعة قايتباي»، حارسة البحر الأبيض المتوسط، التى بُنيت على أنقاض فنار الإسكندرية القديم، أحد عجائب الدنيا السبع القديمة، بأمر من السلطان المملوكى قايتباى عام 1477م–1479م، وحتى الآن هى مقصد للعديد من السائحين حول العالم.

فى محطة الرمل حكاية أخرى؛ إذ بدأت المنطقة فى الأصل أرضًا رملية مفتوحة على أطراف الإسكندرية، قبل أن تتحول مع توسعات المدينة فى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إلى مركز حضرى مهم، وجاء اسم «محطة الرمل» من محطة ترام كانت تقف فى منطقة يغلب عليها الطابع الرملى وقتها، ومع مرور خطوط الترام أصبحت المنطقة نقطة التقاء رئيسية للحركة داخل المدينة. وتدريجيًا، ومع مطلع القرن العشرين، بدأت الملامح الأوروبية تظهر فى المبانى المحيطة بالميدان، من العمارة الإيطالية والفرنسية إلى جانب السينمات القديمة والمقاهى والفنادق، فصار المكان قلبًا تجاريًا وثقافيًا نابضًا للإسكندرية.

ومع الوقت لم تعد محطة الرمل مجرد محطة انتقال، بل أصبحت رمزًا لروح المدينة الحديثة وبيئة مثالية لولادة نمط جديد من الحياة اليومية قائم على السرعة والحركة والاختلاط المستمر بين الناس. فظهرت حولها ثقافة «الأكل السريع» المرتبطة بالشوارع والزحام والوقت القصير، وهو ما مهّد لانتشار عربات ومطاعم الأكل الشعبى التى تخدم المارة والموظفين والركاب، وعلى رأسها «كبدة الفلاح» التى أصبحت أيقونة للمدينة، التى ستودعك بطعم آخر، وهو «الهريسة»، وهى حكاية وداع الإسكندرية لأحبابها بدأت عام 1965 على يد صاحبها الحاج أحمد حسنين.

الإسكندرية تتهيأ لمحبيها

فى شوارع الإسكندرية بدأت عربات المياه المنوط بها تنظيف الشوارع العامة النزول إلى الكورنيش، وشاهدنا عمال النظافة وهم يؤدون عملهم على أكمل وجه لتستقبل العروس ضيوفها مع بداية موسم الصيف. وفى أبو قير تحدثنا إلى عم خالد، المسؤول عن سلامة الأطفال على الشاطئ، والذى أخبرنا بأنه يواجه ما يقرب من ثلاث أو أربع حالات لأطفال تائهين على مدار اليوم فى موسم الصيف، ويُبقى الطفل معه حتى يعثر على أهله. يقول الحاج خالد: «لم أواجه موقف طفل تائه ولم نعثر على أهله، فأنا أمشط الشاطئ بالكامل يوميًا أكثر من مرة حتى نعثر على الأهالى ونسلم لهم أطفالهم».

وحول سلامة الأطفال على شواطئ أبو قير، تحدث إلينا الغطاس عبد الله، المسؤول عن عمليات الإنقاذ للمصطافين، والذى أخبرنا بأنه يعمل بالمشاركة مع زميل آخر على مدار الموسم للحفاظ على سلامة المصطافين داخل البحر، قائلًا: «أنا عينى على البحر طوال اليوم، وبمجرد ما ألاقى حد بيبحر فى الغريق بروح وأطلب منه العودة إلى المناطق الآمنة، وفى حالة الغرق أُخرج الحالة فى أقل من ثانية، وهذا العمل أقوم به على الشاطئ الخاص بمنطقة أبو قير طوال موسم الصيف».

وأخبرنا «عبد الله» عن عدد حالات الغرق التى قد تحدث على مدار اليوم، وعن أصعب المواقف التى واجهها خلال عمله، قائلًا: «أقصى عدد ممكن نشوفه فى حالات الغرق على مدار اليوم خمس حالات، ومن أصعب المواقف اللى واجهتنى كانت حالة غرق لعيلة كاملة دخلوا كلهم لمنطقة عميقة من البحر، ولكن قمنا بإنقاذهم وإخراجهم من البحر».

سحر لا يغيب

مسؤولو الشاطئ فى منطقة أبو قير تحدثوا عن سحر مدينة الإسكندرية وصمودها أمام جميع المدن الساحلية الجديدة والمناطق الأخرى، قائلين: «الناس بتسيب العلمين وتيجى تقولنا إحنا بنتبسط هنا فى إسكندرية، معشوقة الجيل القديم اللى ليهم ذكريات بيجددوها فى إسكندرية، وفى ناس خلاص اتعودت على الجو هنا ومش بتتبسط بالبحر غير هنا».

على الشواطئ يكثر بائعو الفريسكة الذين يرون أن هذا الموسم يُبشر بنشاط أكثر من العام الماضي، وعلى ما يبدو أن الإسكندرية ستحظى بموسم ضخم هذا العام، إذ كان الموسم الماضى ضعيفًا وليس على القدر المعتاد لاستقبال المصطافين. وهنا فى الإسكندرية يمكنك أن ترى العمال والبائعين الذين يسعون إلى عملهم من جميع أنحاء المحروسة. فقد تحدثنا إلى بائعين من صعيد مصر يأتون إلى الإسكندرية للعمل فى بيع المنتجات على الشواطئ خلال موسم الصيف، كما شاهدنا العديد من العرب والأجانب.

مدينة التاريخ والفن

رغم أن الإسكندرية تُعرف فى أذهان الملايين بمدينة البحر والمصايف، فإن سحرها الحقيقى يتجاوز الشواطئ والموج ليصل إلى أعماق التاريخ نفسه. فبين شوارعها تقف شواهد حضارات تعاقبت على المدينة لأكثر من ألفى عام، فالتاريخ الخاص بالإسكندرية يجعلها مختلفة عن أى مدينة ساحلية أخرى. فعلى أرضها يقف عمود السواري، آخر أثر رومانى عظيم، وهو جزء من معبد «السرابيوم»، يبلغ ارتفاعه نحو 27 مترًا، وشُيد فى نهاية القرن الثالث الميلادى تكريمًا للإمبراطور الرومانى دقلديانوس، ليبقى حتى اليوم واحدًا من أعظم الآثار الرومانية الباقية فى مصر، وشاهدًا على مدينة كانت يومًا عاصمة للعلم والتجارة فى العالم القديم.

وعلى بعد خطوات من هذا الشاهد الحجرى تمتد أسرار كوم الشقافة، تلك المقابر الأثرية التى تعود إلى القرنين الأول والثانى الميلاديين، والتى اكتُشفت مصادفة عام 1900 بعدما سقط حمار فى إحدى فتحاتها. وتُعد كوم الشقافة نموذجًا فريدًا لاختلاط الحضارات، حيث تجتمع الرموز المصرية القديمة مع الفنون اليونانية والرومانية فى مدينة كاملة محفورة تحت الأرض.

وفى قلب المدينة القديمة أيضًا يروى المسرح الرومانى قصة أخرى من قصص الإسكندرية؛ إذ يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي، واكتُشف بالصدفة فى ستينيات القرن العشرين أثناء أعمال تنقيب عن آثار أخرى. ويتكون من مدرجات رخامية كانت تستضيف العروض والاحتفالات العامة، ليقدم صورة حية عن الحياة الثقافية والفنية التى عرفتها المدينة فى العصر الروماني.

أما ذاكرة الإسكندرية الكبرى فتتمثل فى مكتبتها التى ارتبط اسمها بالمعرفة منذ القرن الثالث قبل الميلاد، عندما أسس البطالمة مكتبة الإسكندرية القديمة التى ضمت مئات الآلاف من المخطوطات، وأصبحت أعظم مركز علمى فى العالم القديم قبل أن تندثر عبر القرون. وفى عام 2002 استعادت المدينة جزءًا من هذا المجد بافتتاح مكتبة الإسكندرية الجديدة على شاطئ المتوسط، لتعود منارة للعلم والبحث ومركزًا للحوار الثقافى بين الحضارات.

وهكذا تبدو الإسكندرية أكثر من مجرد مدينة مصيف؛ فهى متحف مفتوح يروى فصولًا متعاقبة من التاريخ الإنساني، حيث يقف عمود السوارى شاهدًا على العصر الروماني، وتحفظ كوم الشقافة أسرار الموتى تحت الأرض، ويستعيد المسرح الرومانى أصوات الفن والحياة، بينما تواصل المكتبة حمل شعلة المعرفة التى أضاءت العالم قبل أكثر من ألفى عام.

وبين زرقة البحر وعراقة التاريخ تظل الإسكندرية مدينة يعشقها الباحثون عن الجمال كما يعشقها الباحثون عن المعرفة، لتبقى واحدة من أندر المدن التى تجمع فى مكان واحد متعة المصيف وهيبة الحضارة.

أخبار الساعة