يشار هنا، إلى أنه تعد الوظيفة الرئيسية للاحتياطى من النقد الأجنبى لدى البنك المركزى، بمكوناته من الذهب والعملات الدولية المختلفة هى توفير السلع الأساسية وسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية، ومواجهة الأزمات الاقتصادية فى الظروف الاستثنائية، والزيادة المستمرة تؤكد قوة الأداء الاقتصادى.
محمد عبدالعال، الخبير المصرفى، أوضح أن «احتياطى النقد الأجنبى لمصر يتكون من سلة من العملات الدولية الرئيسية، تشمل الدولار الأمريكى، اليورو، الجنيه الإسترلينى، الين اليابانى، واليوان الصينى، وتُوزع مكوناته وفقًا لأسعار صرف تلك العملات ومدى استقرارها فى الأسواق العالمية، وبما يتماشى مع سياسة البنك المركزى فى إدارة الاحتياطى النقدى».
الرقم فى حد ذاته مهم، لكن الأهم هو تركيب هذا الرقم، فارتفاع الاحتياطى هذه المرة لم يأت نتيجة ارتفاع أسعار الذهب أو تقييمات محاسبية، بل جاء أساساً من زيادة واضحة فى مكون العملات الأجنبية، وهذا يعكس تحسناً فى تدفقات النقد الأجنبى إلى الاقتصاد المصرى.
مكون العملات الأجنبية ارتفع بنحو 3.934 مليار دولار، بينما انخفضت قيمة الذهب بنحو 1.992 مليار دولار، وانخفضت حقوق السحب الخاصة انخفاضاً طفيفاً، وهذا يعنى أن الزيادة جاءت تقريباً بالكامل من مكون العملات الأجنبية وليس من إعادة تقييم الذهب أو الأصول الأخرى.
للإجابة عن سبب ارتفاع مكون العملات الأجنبية بهذه القوة خلال شهر واحد فيجب التفرقة بين عاملين .. أولاً: «هل هى زيادة كمية (Cash Inflows)؟»، وهذا بالفعل هو العامل الرئيسى وهناك عدة مصادر تدعم ذلك أهمها استمرار الطفرة فى تحويلات المصريين بالخارج، وهى حالياً أصبحت أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي، البنك المركزى أعلن استمرار نمو التحويلات بأكثر من 31,2 فى المائة لتصل إلى حوالى 43,1 مليار دولار خلال أول أحد عشر شهراً من العام المالي، وهو ما يدعم بصورة مباشرة الاحتياطيات والسيولة الدولارية.
«عبدالعال»، أضاف أن «تحويلات المصريين العاملين بالخارج ارتفعت بقوة بفضل حب وانتماء العامل المصرى لبلده بخلاف بعض المواطنين بدول أخرى حينما تتعرض دولهم لأزمات أو حدوث توترات جيوسياسية فى المنطقة، وفى هذه الحالات يتجهون نحو الهجرة من بلادهم وتهريب أموالهم للخارج، لكن بالعكس مع اشتداد الأزمات فى المنطقة ترتفع تحويلات المصريين بالخارج مقارنة بالظروف العادية، وتم ملاحظة ذلك بقوة خلال فترة الحرب الإيرانية الأمريكية.
كما أشار إلى أن هناك عاملاً مهماً خاصاً بتوقيت الربع الثانى من عام 2026، والذى يتزامن مع موسمية إجازات الصيف والتى يزيد فيها حجم التحويلات والحصول على المكافآت، ويجب التأكيد أن هناك عاملا رئيسيا وممتدا منذ فترة وهو مرتبط بالبنية الأساسية الجاذبة لدخول النقد الأجنبى والتى قدمها البنك المركزى سواء من خلال السياسات النقدية أو القوالب التكنولوجية الخاصة بالتحديثات، فمنذ مارس 2024 مع تحرير سعر الصرف وترك الجنيه حرا مع ظروف العرض والطلب انتهت السوق السوداء وأباطرة الدولرة وبدأت العملة الصعبة فى التواجد داخل السوق عبر شرايين القطاع المصرفى، فلم تعد هناك سوق موازية وتزامن مع ذلك وسائل تكنولوجية مميزة ومنها «الديجيتال بانكينج» و«الهوم بانكينج» وتقديم تسهيلات فى كل طرق الدفع اللحظية منها «إنستاباى»، فيقوم العميل فى أى دولة عربية عبر تلك الخدمات بإضافة أمواله فى حسابه داخل أى من البنوك حتى داخل القرى والنجوع، ففى السابق الحوالة كانت تتطلب وقتا كبيرا ومصروفات مرتفعة لكن حاليا هناك سرعة فائقة وانخفاض كبير فى التكلفة، ويضاف إلى ذلك الأوعية الادخارية فائقة التميز والتنوع التى طرحتها البنوك ومنها الحسابات الجارية ذات العائد التراكمى مرورا بالشهادات الثلاثية المتغيرة والثابتة وصولا إلى المبادرات الحكومية للعاملين بالخارج الخاصة باستيراد السيارات وطرح الأراضى وغيرها بما أسهم بقوة فى زيادة حجم التحويلات.
الخبير المصرفى، فى سياق حديثه شدد على أهمية العودة التدريجية للأموال الأجنبية فى أدوات الدين، موضحًا أنه «خلال يونيو حدث تغيير واضح فى معنويات المستثمرين مع تراجع حدة التوترات الجيوسياسية وتحسن الجنيه واستقرار سوق الصرف، وأيضاً مع استمرار أسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة، كل ذلك شجع على عودة جزء من استثمارات المحافظ الأجنبية فى أوراق الدين العام المصرية، ومن المعروف أن تلك الأموال لا تدرج فى الاحتياطى النقدى، لكنها ترفع المعروض من الدولار داخل الجهاز المصرفى وتقلل من الضغوط على ما هو متاح فى الانتربنك».
وأكمل: هناك أيضا تحسن فى إيرادات السياحة حيث بدأت المؤشرات تتحسن مع هدوء الأوضاع الإقليمية، وهذا يعنى زيادة المعروض من العملات الأجنبية ، إلى جانب تحسن إيرادات قناة السويس، رغم أنها لم تعد حتى الآن إلى مستوياتها الطبيعية، لكن هناك تحسنا نسبيا مقارنة بالأشهر السابقة مع انخفاض بعض المخاطر الجيوسياسية، كذلك استمرار تحسن صافى الأصول الأجنبية للجهاز المصرفى كلما ارتفع فائض صافى الأصول الأجنبية، أصبح لدى البنك المركزى مساحة أكبر لزيادة الاحتياطيات دون الضغط على سوق الصرف.
ولفت إلى أنه يمكن أن «يكون السبب أيضا مجرد إعادة تقييم للعملات، فالاحتياطى لا يتكون من الدولار فقط، بل يتكون من سلة من العملات ويتم تقييمها جميعاً بالدولار الأمريكى كل شهر، لذلك إذا ارتفع اليورو أو ارتفع الإسترلينى أمام الدولار، فإن قيمة الاحتياطى بالدولار ترتفع حتى لو لم يدخل دولار واحد جديد».
«عبدالعال»، أشار أيضا إلى أن «الذهب لم ينخفض لأن البنك المركزى باع ذهباً، بل الأغلب أنه نتيجة انخفاض السعر العالمى للذهب خلال نهاية يونيو مقارنة بمستويات الذروة التى سجلها أثناء التوترات الجيوسياسية، ولأن الذهب يُقيّم شهرياً بالسعر العالمى، فقد انخفضت قيمته داخل الاحتياطى بنحو مليارى دولار تقريباً رغم احتمال ثبات الكميات المملوكة، وهذه قراءة تتسق مع طبيعة عرض الاحتياطيات لدى البنوك المركزية».
كما أكد أن «هذه الزيادة تؤكد أن البنك المركزى لم يعد يعتمد على مصدر واحد للنقد الأجنبى، بل أصبحت هناك قنوات متعددة لمصادر النقد الأجنبى، وهذا يعطى الاقتصاد طبقة حماية إضافية ضد أى صدمات خارجية مستقبلية، أما أثر إعادة تقييم العملات داخل سلة الاحتياطى فقد يكون أسهم بجزء محدود، لكنه لا يفسر وحده هذه القفزة».
فى سياق متصل، أوضح الدكتور فخرى الفقى، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن «استمرار صعود قيمة الاحتياطى من النقد الأجنبى والذهب على مدار 3 سنوات يعد دعامة أساسية للسياسة النقدية للبنك المركزى فى محاربة التضخم وتحقيق الاستقرار فى سعر صرف الجنيه مقابل الدولار والعملات الأجنبية، كما يعكس أداء متميزا للقائمين على إدارة سياسات البنك المركزى، والرقم الحالى يغطى واردات نحو 8 أشهر، وهذا الرقم غير مسبوق وكذلك يعد ضمانة لسداد احتياجات مصر لوارداتها من القمح والمواد البترولية بشكل خاص والتحوط من الأزمات، خاصة أن الحدود الدنيا والتى تصل إلى حد الخطر وهو تغطية واردات 3 أشهر فقط.
وتابع: يتضمن الاحتياطى نحو 130 طن ذهب بخلاف العملات المختلفة ورغم انخفاض قيمة الذهب بنحو مليارى دولار خلال شهر يونيو، إلا أن زيادة قيمة النقد الأجنبى من موارده المختلفة بنحو 4 مليارات دولار أدى لتعويض خسائر الذهب وتحقيق زيادة حقيقية مليارى دولار داخل الاحتياطى بشكل عام، وهنا نؤكد أن إدارة البنك المركزى لملف الاحتياطى من النقد الأجنبى يدعو للاطمئنان.
«د.الفقى»، أكد أن «هناك 5 مصبات للنقد الأجنبى وجميعها فى تحسن سواء تحويلات العاملين بالخارج أو السياحة وكذلك دخل قناة السويس وأيضا الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأغلبها لإخواننا بالدول العربية الشقيقة وهناك صفقتان مميزتان مؤخرا ومنهما «علم الروم» مع دفع 3.2 مليار دولار ومشروع الطاقة المتجددة بـ«جبل الزيت» عبر حق الانتفاع مع دفع 420 مليون دولار».
كذلك، لفت «د.فخرى»، إلى أن «تلك الأموال تؤكد ثبات مصر وعدم تخلفها عن سداد أقساط ديونها مع وجود قدرة للبنك المركزى فى ضبط إيقاع سوق الصرف دون اهتزازات كبيرة رغم التحديات العالمية».