أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، اليوم الخميس، أن الاقتصاد البريطاني سجل نموا بنسبة 0.1% في مايو، رغم الضغوط الناجمة عن تداعيات الحرب الإيرانية وتأثيرها على الأسواق العالمية.
ويأتي هذا النمو بعد انكماش الاقتصاد بنسبة 0.1% في أبريل، ما يعكس استمرار حالة الضعف في النشاط الاقتصادي، في ظل تحديات تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة، وعدم اليقين العالمي، وضغوط التضخم على الإنفاق والاستثمار.
وذكرت صحيفة الجارديان، وسط أجواء جيوسياسية ملتهبة تعصف بأسواق الطاقة العالمية جراء النزاع الدائر مع إيران، يجد الاقتصاد البريطاني نفسه في اختبار حقيقي لمفهوم "المرونة".
وتضيف، لا تقتصر التحديات هنا على الضغوط الخارجية المتمثلة في اضطراب سلاسل الإمداد ومخاوف قفزات أسعار النفط، بل تتزامن مع مخاض سياسي داخلي حاسم؛ حيث تستعد المستشارة المالية ريتشيل ريفز لمغادرة منصبها بالتزامن مع التشكيل الوزاري المرتقب ل آندي بيرنهام.
وتابعت جاء هذا النمو متماشيا مع توقعات الاقتصاديين، عقب انكماشٍ سجله الاقتصاد بنسبة 0.1% في شهر إبريل السابق له.
ورغم التراجع الذي شهده إبريل، يبدو أن الاقتصاد البريطاني أبدى مرونة أكبر مما توقعه بعض المحللين في مواجهة تصاعد تكاليف الطاقة المرتبطة بالنزاع الدائر في الشرق الأوسط، على نحو من شأنه أن يمنح رحيل المستشارة الحالية، ريتشيل ريفز، المتوقع يوم الاثنين المقبل حال اختيار رئيس الوزراء المرتقب، آندي بيرنهام، تشكيلته الوزارية الجديدة، دفعة معنوية إضافية، إذ قد تعده ريفز دليلا جديدا على نجاعة خطتها الاقتصادية قبيل مغادرتها المنصب.
ورصدت الجارديان تباينا لافتا في البيانات بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، إذ ارتفع ناتج قطاع الخدمات بنسبة 0.3% خلال الشهر، في حين جاء هذا الأداء الإيجابي ليقابله تراجع في الإنتاج الصناعي، الذي يشمل التصنيع، بنسبة 0.5%، وانكماش أكثر حدةً في قطاع الإنشاءات بلغت نسبته 0.8%.
وقد تصدر قطاع البحث والتطوير العلمي قائمة القطاعات الأكثر إسهامًا في النمو الشهري، محققًا قفزةً وصلت إلى 5.1%، وفق ما نقلته الجارديان.
أما على مستوى الأشهر الثلاثة المنتهية في مايو، وهي فترة تعد عادة أكثر استقرارا من حيث دلالة بياناتها، فقد سجل النمو الاقتصادي نسبة 0.7%، في تباطؤٍ طفيفٍ عن نسبة 0.8% المسجلة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل.
وفي هذا السياق، أوضحت ليز ماك كيون، مديرة الإحصاءات الاقتصادية في المكتب الوطني للإحصاء، أن الاقتصاد حقق نموا قويا خلال هذه الفترة، وإن كانت وتيرته قد تباطأت نسبيا في ضوء الأداء الأضعف الذي شهده في الشهرين الأخيرين.
في المقابل، لفت محللون إلى أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني لا يزال يتجه نحو الركود خلال الربع الثاني الكامل من العام. وحذر سورين ثيرو، كبير الاقتصاديين في معهد المحاسبين القانونيين لإنجلترا وويلز (ICAEW)، من أن هذا الانتعاش الباهت يصعب أن يبدد المخاوف المتصاعدة بشأن الوضع الاقتصادي البريطاني، مشيرًا إلى أن النزاع مع إيران أسهم في كبح النشاط في قطاعاتٍ رئيسيةٍ كالإنشاءات والصناعة، رغم أن الطقس الدافئ منح قطاع التجزئة دفعةً طفيفةً.
من جهتها، أكدت غرفة التجارة البريطانية أن هذه البيانات تكشف حاجة ملحة إلى دعم الشركات في مواجهة الأعباء المتصاعدة. وقال ستيوارت موريسون، مدير الأبحاث في الغرفة، إن النزاع الإيراني بات يفرز تداعيات ملموسة على الشركات البريطانية، مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة الشحن، بما يزيد الأعباء ويعمّق حالة عدم اليقين في الاقتصاد.
جاءت هذه البيانات في أعقاب خطاب حازمٍ ألقته ريفز في مانشن هاوس هذا الأسبوع، دافعت خلاله عن سجلها، مؤكدة أنها وضعت الاقتصاد البريطاني على أرضيةٍ أكثر استقرارا.
وكان صندوق النقد الدولي قد رفع مؤخرا توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني هذا العام إلى 1%، بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية عن توقعاته الصادرة في إبريل.
بيد أن المشهد الاقتصادي البريطاني لا يزال يكتنفه غموض بالغ، إذ عاودت أسعار النفط ارتفاعها الحاد منذ تجدد الأعمال العدائية في الشرق الأوسط هذا الأسبوع، وهو ما يلقي بظلاله على التحديات التي ستواجه بيرنهام فور توليه منصبه.
ويرى مركز أبحاث "ريزوليوشن فاونديشن" أن أكثر من نصف هامش المناورة المالي البالغ 23.6 مليار جنيه إسترليني، الذي تركته ريفز لنفسها في بيان الربيع وفق قواعدها المالية، سيتبدد جراء تداعيات الحرب.
وفي تعليقها على البيانات، أكدت متحدثة باسم وزارة الخزانة البريطانية أن خطة الحكومة الاقتصادية وضعت المملكة المتحدة في موقعٍ أقوى بكثير مما كانت عليه قبل عامين، مشيرةً إلى تحقيق أسرع معدل نموٍ بين دول مجموعة السبع خلال الربع الأول، مع توقعاتٍ باستمرار تصدر بريطانيا لدول المجموعة الأوروبية من حيث النمو هذا العام والعام المقبل، واستقرار معدلات التضخم.