وبعد أكثر من عقد من الزمان، تبدل المشهد بصورة جوهرية فقد تحولت أزمة العجز إلى فائض فى القدرات الإنتاجية، بما عزز أمن الطاقة وأسهم فى ترسيخ موقع مصر كمركز إقليمى لتجارة وتداول الكهرباء، فى تحول استراتيجى حظى بإشادة دولية وصف بأنه نقلة نوعية فى قطاع الطاقة، وجاءت بداية هذا التحول عبر استراتيجية واضحة ترجمت إلى سياسات تنفيذية على أرض الواقع اكتملت ملامحها بحلول عام 2026 مع إضافة قدرات توليدية تقدر بنحو 28,676 ميجاوات من خلال 17 مشروعا لمحطات كهرباء بتقنيات متعددة تشمل البخارية والدورة المركبة والوحدات الغازية ومحطات الديزل، وبذلك ارتفع إجمالى القدرات الكهربائية إلى نحو 59,893 ميجاوات، كما شملت أبرز المشروعات العملاقة محطات سيمنس الثلاث فى العاصمة الجديدة وبنى سويف والبرلس بإجمالى قدرة 14.4 جيجاوات، والتى تعد من أكبر مشروعات الدورة المركبة فى العالم وفق تقارير الشركة عام 2018.
ولم يقتصر التطوير على التوسع فى الإنتاج بل امتد ليشمل تحديث شبكات النقل والتوزيع والضغط العالى والمتوسط والمنخفض، حيث تضاعفت أطوال شبكات النقل من 50 ألف دائرة كيلومترية عام 2013 إلى أكثر من 65 ألف دائرة كيلومترية مستهدفة بحلول 2040، بالتوازى مع إنشاء المركز القومى للتحكم فى الطاقة لضمان استقرار الشبكة، وانعكس هذا التطوير المتكامل على استقرار التغذية الكهربائية؛ إذ ارتفع احتياطى الأمان فى الشبكة خلال صيف 2024 إلى أكثر من 25 فى المائة، متجاوزا المعدلات العالمية الآمنة المقدرة بنحو 15 فى المائة، أما فى مجال الطاقة المتجددة، فقد شهد القطاع طفرة كبيرة مع دخول مجمع بنبان الشمسى الذى يعد من أكبر مجمعات الطاقة الشمسية فى العالم بقدرة 1465 ميجاوات واستثمارات بلغت نحو مليارى دولار، كما تم تنفيذ محطة جبل الزيت لطاقة الرياح بقدرة إجمالية 580 ميجاوات موزعة على ثلاث محطات فرعية، وبذلك ارتفعت القدرات المركبة للطاقة المتجددة (الشمسية والرياح والمائية) بنسبة 110.1 فى المائة لتصل إلى 7,331 ميجاوات فى أكتوبر 2024 مقارنة بـ 3,490 ميجاوات فى عام 2013/2014، مع توجه الدولة لرفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 45 فى المائة بحلول 2028، و60 فى المائة بحلول 2040.
وفى سياق التحول المستقبلي، برز ملف الهيدروجين الأخضر كأحد محاور الطاقة النظيفة، حيث وقعت مصر 7 اتفاقيات لمشروعات فى هذا المجال مع طموح للوصول إلى 8 فى المائة من السوق العالمية للهيدروجين الأخضر بحلول 2040، وتشير تقديرات قطاع الطاقة إلى انخفاض تدريجى فى تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر فى مصر خلال العقود المقبلة بما يعزز الجدوى الاقتصادية لهذا القطاع، كما أشارت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أن توسع مشروعات الطاقة المتجددة فى مصر أسهم فى تجنب انبعاثات ملايين الأطنان من ثانى أكسيد الكربون سنويًا، ما عزز مكانة مصر على خريطة المناخ العالمية، وهو ما تجلى بوضوح فى استضافة قمة المناخ COP27.
وعن هذه الإنجازات قال منصور عبد الغني، المتحدث الإعلامى لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، إن قطاع الكهرباء فى مصر شهد خلال أكثر من عقد من الزمن إنجازات غير مسبوقة فى إطار خدمة ما يزيد على 100 مليون مواطن، حيث انتقل القطاع من مرحلة العجز إلى تحقيق فائض فى القدرات الكهربائية بما فتح آفاقا أوسع للتصدير والربط الكهربائى، إلى جانب التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتقنيات تخزين الطاقة والطاقة النووية، وصولًا إلى دعم مسار التحول نحو الاقتصاد الأخضر، فالمرحلة الأولى من التطوير اعتمدت على ثلاثة محاور رئيسية، تمثلت فى التوسع فى إنشاء محطات توليد كهرباء عملاقة، تلاها تحديث شامل لشبكات النقل والتوزيع، بما أسهم فى رفع كفاءة التشغيل وتقليل الفاقد فى الشبكات، مستهدفًا الوصول بنسبة الفاقد إلى 16.5 فى المائة خلال عامى 2025/2026.
وأشار المتحدث الإعلامى إلى أن القطاع أولى اهتماما خاصا بدعم وتدعيم الشبكة الكهربائية للقضاء على الاختناقات وتحسين عمليات تصريف القدرات، بما يضمن الاستفادة الكاملة من إنتاج محطات التوليد، ومواكبة التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة الجارى تنفيذها، وهذا التطوير انعكس أيضا على دعم المشروعات القومية الكبرى من خلال توفير احتياجاتها من الكهرباء ومن بينها مشروعات توشكى والعوينات والدلتا الجديدة وسيناء، والساحل الشمالى والمونوريل، إلى جانب العمل على تقليل نسب الفقد إلى المستويات العالمية ورفع جاهزية الشبكة لمشروعات الربط الكهربائى مع دول الجوار.
وأوضح أن «المرحلة الحالية من التطوير تعكس فلسفة جديدة لقطاع الكهرباء، حيث لم تعد تقتصر على إعادة بناء البنية التحتية من إنتاج ونقل وتوزيع فقط، بل امتدت لتشمل تحقيق مزيج متوازن من الطاقة والتوسع فى مشروعات القطاع الخاص، فضلًا عن تعزيز تقنيات تخزين الطاقة سواء عبر البطاريات أو محطات الضخ والتخزين، مع ربط قطاع الكهرباء بشكل مباشر بخطط التنمية الاقتصادية، بما يضمن تأمين احتياجات مشروعات التنمية المختلفة من الطاقة، فى إطار إعادة صياغة دور قطاع الكهرباء كقاطرة للتنمية المستدامة، بالإضافة الى التوسع فى الاستثمارات الخاصة بالطاقات الجديدة والمتجددة، والتى نجحت مصر خلالها فى جذب استثمارات خاصة ضخمة عبر اتفاقيات شراء الطاقة PPA، ونموذج البناء والتملك والتشغيل BOO، وتعريفات التغذية Feed- in Tariffs لتشجيع مشروعات الطاقة الشمسية والرياح». وبحسب «منصور» تم تطوير المنصة الرقمية للشبكة القومية للكهرباء، بهدف إقامة مركز قيادة رقمى متكامل Digital PPA Management Center يشمل متابعة ومراقبة موحدة للتشغيل لمحطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة التخزين بالبطاريات BESS، وتقوم بتوفير أدوات متقدمة للتنبؤ بالإنتاج، وفى الوقت ذاته تقوم بتحليل الأداء، ودعم قرارات الاستثمار والتوسع المستقبلى فيه، فى إطار خطط الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الاستباقية المعتمدة على الذكاء الاصطناعى، كما ساهم استقرار التغذية الكهربائية خلال السنوات الأخيرة فى جذب استثمارات صناعية ضخمة فى المناطق الاقتصادية الخاصة، وتوسيع استثمارات مراكز البيانات Data Centers التى تتطلب طاقة مستدامة، ودخول شركات عالمية فى قطاعات التصنيع والسيارات والبتروكيماويات، ونجح قطاع الكهرباء فى تحسين جودة الخدمة المقدمة فتحسن مؤشر جودة الكهرباء المصرى فى مؤشر ممارسة الأعمال Doing Business.
وأكد أن قطاع الكهرباء يعد الركيزة الأساسية التى لا غنى عنها لتحقيق التنمية المتكاملة حيث أسهم فى توفير شريان الطاقة لمشروعات كبرى مثل الدلتا الجديدة، وتنمية سيناء وتوشكى وشرق العوينات، إلى جانب مشروعات بنى سويف والمنيا بما يضمن دعم مستقبل مصر الزراعى وتوفير الطاقة الكهربائية اللازمة لمساحات شاسعة من الأراضى المستصلحة، فى إطار جهود تحقيق الأمن الغذائي، وتنفيذ البنية التحتية الكهربائية لتلك المشروعات لم يكن مهمة سهلة بل مثّل ملحمة عمل متكاملة داخل قطاع الكهرباء شارك فيها كادر بشرى متخصص من مهندسين وفنيين وعمال على مدار الساعة، وبلغ عدد العاملين فى مشروع الدلتا الجديدة نحو 5000 فرد، مقابل نحو 1000 فى مشروعات توشكى وشرق العوينات، فضلا عن أن مئات الشركات الوطنية المتخصصة ساهمت فى تنفيذ الأعمال الإنشائية والكهربائية، حيث شاركت 144 شركة فى مشروع الدلتا الجديدة، و49 شركة فى تنمية سيناء، و57 شركة فى مشروع توشكى، فى إطار تكامل الجهود لإنجاز هذه المشروعات القومية.
وأضاف المتحدث الإعلامى لوزارة الكهرباء، أن التكامل بين قطاع الكهرباء ومشروعات التنمية المستدامة أسهم فى ترسيخ مفهوم “شريان الطاقة” الداعم للتنمية الزراعية، من خلال تعزيز الاعتمادية الكهربائية وتوفير مصادر طاقة موثوقة ومستدامة للمشروعات الاستراتيجية، بما يقلل من مخاطر انقطاع التيار الكهربائى ويرفع كفاءة الشبكة القومية عبر دمج هذه المشروعات ضمن الشبكة الموحدة لضمان استقرار واستدامة التغذية الكهربائية. وعن محطة الضبعة أوضح أنها صرح تنموى عملاق يضمن أمن الطاقة المصرى وقاطرة للتنمية التكنولوجية والصناعية وجسر لنقل المعرفة وبناء الكوادر البشرية المصرية الشابة فى مجال العلوم النووية السلمية، كما أنها شاهد على عمق الشراكة المصرية الروسية.
ومن جانبه أشار الدكتور مهندس مصطفى الشربينى، خبير واستشارى الطاقة والتنمية المستدامة وعضو لجنة البحث العلمى وريادة أعمال الطاقة بمجلس الوحدة الاقتصادى العربى بجامعة الدول العربية، إلى أن ما شهده قطاع الطاقة المصرى لم يكن مجرد إصلاح بل إعادة بناء شاملة تم النجاح فى التخطيط لها وتنفيذها لتُحدث إعادة بناء وتغير لخريطة الطاقة فى مصر، ومع استمرار التوجه نحو الطاقة النظيفة والتكامل الإقليمى ومع استمرار العمل الشاق والجهد فى كافة مسارات الكهرباء من إنتاج ونقل وتوزيع، والتوسع فى الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، واكتمال محطة الضبعة النووية، فجميع هذه المسارات تؤكد على أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو أن تصبح مركزاً عالمياً للطاقة، وليس مجرد لاعب إقليمى.
وكشف «الشربيني» عن تجربة مصر الناجحة فى قطاع الطاقة، موضحا أن مصر نجحت خلال أقل من عقد فى إحداث تحول جذرى فى هذا القطاع، حيث انتقل قطاع الكهرباء من واحدة من أصعب أزماته التاريخية التى اتسمت بنقص القدرات الكهربائية والانقطاعات المتكررة إلى نموذج إقليمى يحتذى به من حيث الاستقرار والكفاءة وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، هذا التحول لم يقتصر على تطوير البنية التحتية فحسب بل امتد ليجعل من قطاع الكهرباء شريكًا رئيسيًا فى عملية التنمية الاقتصادية.
وأوضح أن قطاع الكهرباء مرّ بثلاث مراحل رئيسية بدأت بالانتقال من الأزمة إلى الاستقرار، من خلال إضافة قدرات توليدية ضخمة إلى الشبكة القومية وتنفيذ مشروعات لمحطات عملاقة عالية الكفاءة، إلى جانب تحديث شبكات النقل والتوزيع بما حقق طفرة غير مسبوقة من حيث سرعة التنفيذ وحجمه، وأسفر عن تحقيق فائض فى إنتاج الكهرباء، وتمثلت المرحلة الثانية فى بناء البنية التحتية كقاعدة انطلاق وذلك بعد تحقيق الاستقرار فى التغذية الكهربائية، حيث شملت هذه المرحلة تعزيز شبكات النقل عبر إنشاء خطوط جهد فائق وتطوير مراكز التحكم والتحول نحو الشبكات الذكية، إلى جانب تقليل الفقد الفنى والتجارى وتحسين جودة وكفاءة التغذية الكهربائية، الأمر الذى لم يقتصر على تحسين الخدمة، بل مهّد لجذب الاستثمارات الصناعية وتحقيق التنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن المرحلة الثالثة شهدت تحولا نوعيا فى فلسفة قطاع الكهرباء، حيث أصبح أداة لجذب الاستثمار الصناعى وعنصر دعم للمشروعات القومية ومنصة لتصدير الطاقة، عبر الربط بين قطاع الكهرباء والتنمية الاقتصادية فى دعم المدن الجديدة والمناطق الصناعية، والتوسع فى مشروعات البنية التحتية الذكية، وتعزيز دور القطاع الخاص، كما أن الطاقات المتجددة تمثل أحد أهم أعمدة نجاح التجربة المصرية، من خلال تنفيذ مشروعات كبرى فى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وجذب استثمارات دولية كبيرة، بما أسهم فى تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، وتعزيز الاستدامة البيئية وخفض الانبعاثات الكربونية.