هذه الفلسفة التنموية لم تظل حبيسة الخطط النظرية، بل ترجمت إلى واقع ملموس من خلال حزمة من الاستراتيجيات والسياسات والمشروعات القومية التى نفذتها وزارة الثقافة، فقد أخذت الدولة على عاتقها معركة بناء الوعى ونشر الثقافة المصرية فى الداخل والخارج؛ إيمانًا بأن المواطن المسلح بالفكر والتنوير هو الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
عن هذه الطفرة، يقول السيناريست عبدالرحيم كمال، إن الثقافة شهدت فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى نهضة واضحة، معتبرًا أن الثقافة تمثل أمنًا قوميًا ووطنيًا، فالدولة تخوض حاليًا معركتها الأساسية فى حرب الوعى، والثقافة لا تنطلق من المؤسسات الثقافية فقط بل تبدأ من التعليم والمدارس، وهو ما تدركه الحكومة والإدارة المصرية، والدليل على ذلك زيادة مخصصات التعليم والصحة، فهذا مؤشر ثقافى يعكس حرص الدولة على بناء الإنسان منذ المراحل المبكرة بدءًا من سن الخامسة، والدولة المصرية أولت خلال السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا باكتشاف ورعاية الموهوبين فى مختلف المجالات الأدبية والفنية، انطلاقًا من قناعة بأن الاستثمار الحقيقى يكمن فى تنمية الإنسان، والمبادرات والجوائز الوطنية التى أُطلقت وأسهمت فى الكشف عن مئات المواهب الواعدة، التى أثبتت أن مصر ما زالت تمتلك طاقات إبداعية قادرة على المنافسة والتميز.
وقال إنه رغم ما تحقق من إنجازات فى هذا المجال فإن الواقع يؤكد أن مصر بما تمتلكه من ثراء ثقافى وتنوع جغرافى وكثافة سكانية، لاتزال تزخر بآلاف المواهب التى تحتاج إلى مَن يكتشفها ويمنحها الفرصة المناسبة للظهور، فكل محافظة بل وكل قرية ومدينة تضم أطفالًا وشبابًا يمتلكون قدرات استثنائية يمكن أن تتحول إلى إنجازات كبيرة حال توفر الرعاية والدعم اللازمين، ومن هنا تبرز أهمية استمرار جهود الدولة فى توسيع دائرة اكتشاف المبدعين والوصول إلى مختلف المحافظات، وترسيخ ثقافة الإبداع بوصفها إحدى أهم أدوات بناء الإنسان وصناعة المستقبل، بما يضمن أن تتحول المواهب الكامنة إلى قصص نجاح تضاف إلى سجل الإبداع المصرى الممتد عبر التاريخ.
ولفت «عبدالرحيم» إلى أن الدولة المصرية تسعى على مدار السنوات العشر الماضية إلى التحول من نموذج المواطن المتلقى إلى المواطن المشارك والفاعل، بما يعزز شعوره بالانتماء والملكية تجاه الدولة، ويجعله أكثر قدرة على إنتاج الأفكار والمساهمة فى تشكيل الوعى العام، مشيرًا إلى وجود جهود مكثفة تقودها الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، حيث يشهد القطاع الثقافى حراكًا مستمرًا لتجديد قصور الثقافة والمسرح القومى والسينما والدراما، إلى جانب مختلف مجالات العمل الثقافى، فالدكتورة جيهان تتعامل بوعى مع هذا الملف وتسعى إلى ترسيخ مفهوم أن الثقافة تمثل أمنًا قوميًّا وضرورة ملحة فى معركة الوعى.
فيما أكدت الكاتبة والناقدة فريدة الشوباشى، أن ثورة 30 يونيو أعادت مصر إلى مكانتها ودورها، كما جاءت لإزالة آثار النكبة التى شهدتها البلاد خلال فترات سابقة فى السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات والتى رأت أنها اتسمت بمحاولات لتحريم الفن وتجريم الثقافة والحضارة، فتلك المرحلة شهدت تصريحات وأفكارًا مناهضة للتراث الثقافى المصرى من بينها الدعوة إلى هدم الأهرامات باعتبارها أصنامًا، وهو ما قوبل حينها بانتقادات واسعة، ورددت على ذلك فى حينها وقالت لهم: هل رأيتم أننا نذهب لنركع أمام الأهرامات؟.
وأضافت أن ما بعد ثورة 30 يونيو شهد إعادة اعتبار لكل ما تم تشويهه فى فترات سابقة، فالدولة استعادت مسارها الصحيح، حيث كان يتم الترويج سابقًا لأفكار تقلل من دور المرأة، بينما تشهد المرحلة الحالية تمكينًا واسعًا لها فى مختلف المجالات، ودعمًا واضحًا من الدولة لمشاركتها الفاعلة فى المجتمع، كما أن الفن يمثل القوة الناعمة لمصر عبر التاريخ، وكان ولايزال إحدى أهم أدوات تأثيرها ومكانتها الدولية، معربة عن سعادتها بما وصفته بالدعم الذى أولته ثورة 30 يونيو للفن والثقافة، خاصة من خلال إتاحة الفرصة أمام المبدعين الحقيقيين لإبراز مواهبهم.
وأكدت «الشوباشى»، أن الثقافة تمثل أحد أهم عناصر بناء الإنسان، ولذلك فإن الاهتمام بالمبدعين الحقيقيين يعد ضرورة وطنية وليس مجرد اهتمام بالفنون والآداب، فإتاحة الفرصة لأصحاب المواهب على أساس الكفاءة والإبداع بعيدًا عن المجاملات أو المصالح الشخصية يسهم فى إنتاج أعمال ثقافية وفنية راقية تعبر عن هوية المجتمع المصرى، وترتقى بالذوق العام، وتعزز قيم الانتماء والوعى لدى الأجيال الجديدة، وما تنفذه الدولة من إنشاء مدن ومؤسسات ومشروعات ثقافية يمثل خطوة مهمة فى دعم الحركة الثقافية، إلا أن نجاح هذه المشروعات يرتبط بقدرتها على احتضان المبدعين الحقيقيين وتوفير البيئة المناسبة لهم للإنتاج والإبداع.
وشددت على أنه كلما حصل أصحاب المواهب على الدعم والرعاية استعادت مصر مكانتها الثقافية الرائدة، وأصبحت أكثر قدرة على التأثير فى محيطها العربى والدولى من خلال إنتاج فكرى وفنى يعكس حضارتها وتاريخها العريق، مشيرة إلى أن أبرز قطاعات وزارة الثقافة التى شهدت تطورًا كبيرًا هى الهيئة العامة لقصور الثقافة، فقد كانت البنية التحتية للعديد من قصور وبيوت الثقافة تعانى من الإهمال والتعثر، حيث كان عدد كبير من المنشآت مغلقًا لسنوات طويلة دون صيانة، وكان هناك نحو 300 إلى 330 موقعًا وقصرًا ثقافيًا تعانى أغلبها من نقص التمويل والتجهيزات، أما الآن فقد تجاوز عدد قصور وبيوت الثقافة والمكتبات التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة 500 موقع ومنشأة ثقافية منتشرة فى كافة المحافظات والقرى.
وفى هذا الإطار، قال الكاتب محمد ناصف، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة الأسبق، إنه مع بداية عهد الجمهورية الجديدة تمت زيادة ميزانية الهيئة فى الباب السادس الخاص بالمشروعات من 60 مليون جنيه إلى نحو 181 مليون جنيه، والدولة وضعت خطة للتوسع فى إنشاء مزيد من قصور الثقافة خاصة فى صعيد مصر والمناطق الحدودية، وقد تم الانتهاء من تنفيذ عدد منها فى مواقع حدودية وجنوبية من بينها حلايب
وأبو رماد ورأس حدربة وأبرق وأبوسمبل، إلى جانب مواقع أخرى فى أسوان والأقصر والمنوفية وشبين الكوم والقناطر الخيرية.
وأشار إلى أن وزيرة الثقافة أعلنت أنه من المقرر الانتهاء خلال شهر من قصر ثقافة أبوقرقاص وقصر ثقافة المنيا مع خطط لإحلال وتجديد قصر ثقافة المحلة الكبرى إلى جانب مواقع فى الفيوم ودمياط، فضلاً عن مشروعات أخرى مستقبلية، من بينها قصر ثقافة سوهاج، ويأتى هذا بالتوازى مع مشروعات العاصمة الجديدة بمكوناتها الثقافية المختلفة، حيث تعد مدينة الفنون والثقافة فى العاصمة الجديدة حجر الزاوية للثقافة المصرية وإضافة تاريخية تضاهى العواصم المصرية الكبرى عبر العصور.
وفيما يتعلق بالمركز القومى لثقافة الطفل، أوضح ناصف أنه تم تطوير الحديقة الثقافية للأطفال بعد فترة من ضعف الإقبال ضمن جهود الدولة للاهتمام بثقافة النشء، كما تم تجديد الحديقة التابعة للمركز منذ عام 2019، وهو ما أسهم فى زيادة الإقبال عليها بشكل ملحوظ خلال العطلات، فهذا التطوير يعكس حرص الدولة على توفير بيئة ثقافية وترفيهية متكاملة تساعد الأطفال على التعلم واكتشاف مواهبهم فى آن واحد، كما أن استمرار الأنشطة الثقافية فى مصر رغم التحديات العالمية مثل جائحة كورونا وغيرها يؤكد قوة الإرادة فى دعم الثقافة، حيث لم تتوقف فعاليات مثل معرض القاهرة الدولى للكتاب إلى جانب مسابقات “مثل مصر تقرأ” و”مصر ترسم”، مع التطلع إلى مشروعات مستقبلية مثل “الثقافة حياتي” تتأكد الرؤية الهادفة إلى جعل الثقافة أسلوب حياة يعزز الوعى والإبداع لدى الأجيال القادمة”.
بينما أوضحت الكاتبة سماح أبوبكر، أن الدولة المصرية منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى المسؤولية، تؤمن بأن الأطفال الموهوبين هم صناع المستقبل، ولذلك تولى اهتمامًا خاصًا باكتشاف مواهبهم وتنميتها فى مختلف المجالات، وتوفر لهم فرصًا للمشاركة فى المسابقات والأنشطة الثقافية والفنية التى تسهم فى تطوير قدراتهم، فهذا التوجه يهدف إلى إعداد جيل مبدع قادر على خدمة وطنه ودفع مسيرة التقدم، كما أن هذا الاهتمام توج بإطلاق جائزة الدولة للمبدع الصغير برعاية السيدة انتصار السيسى، باعتبارها إحدى مكتسبات ثورة 30 يونيو، وتهدف إلى اكتشاف ورعاية مواهب الأطفال فى مجالات متعددة تشمل القصة والشعر والرسم والموسيقى والغناء وحتى التطبيقات الإلكترونية.
وأوضحت أن الجائزة تسعى إلى تنمية القدرات الفكرية والفنية والعلمية لدى النشء وتشجيعهم على الإبداع والابتكار، بما يسهم فى إعداد جيل قادر على المشاركة الفاعلة فى بناء المجتمع، إلى جانب ترسيخ قيم التميز وتوفير بيئة حاضنة للمواهب الواعدة فى مختلف المجالات، بما يعزز دور الثقافة فى بناء الوعى والشخصية المصرية، والجائزة تكشف سنويًا عن عدد من المبدعين الجدد، وبعد انتهاء المسابقة يتم رعاية المواهب الفائزة سواء فى مجالات القصة أو الرسم، حيث تطبع الأعمال الفائزة ويتم تنظيم حفل توقيع لها ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب، والفائزون فى مجالات الغناء والموسيقى تحرص دار الأوبرا المصرية على رعايتهم من خلال تقديمهم فى حفلات فنية بما يتيح لكل فئة من الموهوبين فرصًا عملية لتطوير مواهبهم وصقلها من خلال أنشطة داعمة.