في زمن أصبحت فيه المغامرة الفنية الحقيقية عملة نادرة أحيانا، يأتي العرض الغنائي الاستعراضي «Friday» ليكمل إبداعات المسرح المصري وقدرته المستمرة على تقديم أعمال قادرة على المنافسة بصريًا وموسيقيًا مواكبة للتجارب العالمية.
لا يمكن التعامل مع «Friday» باعتباره مجرد عرض مسرحي جديد، بل باعتباره مشروعًا ثقافيًا وفنيًا طويل النفس، راهن عليه المخرج والمؤلف أحمد البوهي بكل ما يملك من وقت وجهد وإمكانات، واضعًا نفسه أمام مخاطرة حقيقية تتمثل في تقديم نوع من المسرح المتميز والمختلف، وهو المسرح الموسيقي الاستعراضي الضخم القائم على الصورة والصوت والحركة بوصفها لغة سردية متكاملة، لا مجرد عناصر مساعدة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن البوهي لم يفكر بعقلية تقديم عرض جديد فحسب، بل تعامل مع المشروع باعتباره إعادة تأسيس لفكرة المسرح نفسه.
فلكي يخرج هذا العالم البصري إلى النور، لم يكتفِ بإعداد خشبة المسرح التقليدية، بل أعاد بناء أجزاء كاملة من المسرح، مضيفًا حلولًا تقنية ومعمارية جديدة، من بينها إنشاء مستويات حركة إضافية و«كالوس» تحت المسرح إلى جانب كالوس الخشبة الأساسي، بما يسمح بانتقالات أكثر ثراءً وانسيابية، ويمنح المشاهد حالة من الدهشة المستمرة التي لا تتوقف عند حدود الستارة التقليدية أو حدود الرؤية المعتادة للفرجة المسرحية.
هنا لا نشاهد مجرد مشاهد متتابعة، بل نشاهد ماكينة مسرحية ضخمة تتحرك بدقة محسوبة.
وربما تكمن شجاعة التجربة الحقيقية في كونها لم تعتمد على نجم واحد يحمل العمل فوق كتفيه، بل على أكثر من 200 فنان وفنانة يتحركون داخل منظومة جماعية شديدة التعقيد والتناغم، وهو أمر نادر التنفيذ على هذا المستوى.
لكن ما يميز «Friday» حقًا أنه لا يكتفي بفكرة الضخامة العددية، لأن العدد وحده لا يصنع الإبهار، وإنما طريقة توظيف هذا العدد داخل لغة مسرحية دقيقة.
فالمشهد هنا يولد ثم يختفي، ليترك مكانه لمشهد آخر بالمرونة والاحترافية التي اعتدنا رؤيتها في عروض برودواي العالمية؛ فلا وجود للفراغات أو التوقفات التي تقطع إيقاع المتلقي أو تخرجه من الحالة البصرية.
إنها فرجة مستمرة لا تمنح الجمهور فرصة للانفصال عما يحدث أمامه.
والحقيقة أن البطل الأكبر لهذا العرض هو الموسيقى نفسها.
فالموسيقى ليست خلفية للأحداث، وإنما المحرك الأساسي لها، بينما يتحول الصوت إلى أداة سردية قائمة بذاتها، تتشابك مع الحركة والاستعراض والضوء في بناء عالم متكامل.
وقد نجح الملحن إيهاب عبد الواحد في بناء عالم موسيقي متعدد الطبقات، مدعومًا بتوزيعات موسيقية لخالد الكمار ووجدي الفوي، إلى جانب منظومة تدريب صوتي دقيقة أشرف عليها محمد عبد القادر وأميرة رضا، ليبدو الأداء الغنائي جزءًا أصيلًا من النسيج الدرامي وليس إضافة منفصلة عنه.
أما الاستعراضات، فتأتي كواحدة من أكثر نقاط القوة حضورًا داخل العرض، بقيادة «أمير الاستعراضات» عاطف عوض، وبمشاركة سالي أحمد ورجوى حامد، حيث لا نشاهد رقصات منفصلة عن السياق، وإنما بناءً حركيًا يخدم الحالة الشعورية لكل مشهد، ويمنح الطاقة البصرية إيقاعًا متصاعدًا لا يهدأ.
كما يستحق مصمم الديكور حازم شبل تحية خاصة، ليس فقط على جماليات التكوينات، وإنما على قدرته على تحريك الكتل المسرحية بمنطق بصري شديد الذكاء، يخدم رؤية المخرج ويمنح العرض مرونة سينوغرافية كبيرة.
ولم يكن هذا الإبهار ليكتمل دون البصمة الواضحة لمصمم الإضاءة ياسر شعلان، الذي يثبت مرة أخرى أن الإضاءة لم تعد عنصرًا تكميليًا، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في صناعة الدراما، حتى يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من السحر البصري الذي يقدمه العرض وُلد من الضوء نفسه.
كما حضرت أشعار طارق علي كعنصر داعم للحالة الشعورية، لتضيف طبقة جديدة من التعبير الإنساني داخل العمل.
والأهم من كل ذلك أن «Friday» لم يأتِ من فراغ، بل يبدو امتدادًا طبيعيًا لمسار أحمد البوهي الفني، الذي سبق أن قدم المسرحية الغنائية الاستعراضية «شارلي شابلن»، والتي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وأكدت منذ ذلك الوقت أن الرجل ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن المسرح ليس منصة للحوار فقط، بل فضاء متكامل للصورة والصوت والخيال والحركة.
ولعل الرسالة الأهم التي يقدمها هذا العرض أن المسرح المصري لا تنقصه المواهب.
فـ«Friday» ليس مجرد عرض ناجح، بل دعوة واضحة الى أن الجمهور المصري يستحق أن يشاهد أعمالًا عالمية الصنعة، مصرية الروح.