رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بيروت.. مخاطر تجاهل أطواق النجاة


12-6-2026 | 00:27

.

طباعة
بقلم: محمد الشافعى

لبنان دولة عربية.. تحمل الكثير من عناصر الخصوصية والتميز.. وقد سبقت غالبية الدول العربية فى الحصول على استقلالها من الاحتلال الفرنسى.. حيث حصلت على الاستقلال فى نوفمبر عام 1943.. ورغم هذا الاستقلال.. حرص الاستعمار الفرنسى على وجود العديد من الأسباب التى يمكن أن تفجر كيان هذه الدولة.. فالدولة اللبنانية كيان (فسيفسائى).. يقوم على الطائفية (18 طائفة موجودة بشكل شرعى).

 
 

تتوزع تلك الطوائف بين الشيعة والسنة والمسيحيين.. كما حرص الاستعمار الفرنسي.. على أن يخضع لبنان لنظام حكم يجسد ويرسخ تلك الطائفية.. فرئيس الدولة مسيحى.. ورئيس البرلمان شيعى.. ورئيس الوزراء سنى.. وقائد الجيش مسيحى.. وتم فرض هذا النظام.. بغض النظر عن التعداد السكانى لكل طائفة من الطوائف.. وهذا نظام حكم مخالف للغالبية العظمى من نظم الحكم فى العالم.. والتى تأتى بالانتخاب المباشر من الشعب.. وقد استطاع اللبنانيون التكيف مع هذا النظام.. لسنوات طويلة.. إلى أن وقعت أحداث الحرب الأهلية.. التى امتدت حوالى خمسة عشر عاما (1975- 1990)، واستغل العدو الصهيونى هذا الوضع البائس واجتاح لبنان.. حتى وصل إلى بيروت فى عام 1982.. ورغم أن الدولة اللبنانية قد حصلت على استقلالها قبل صدور قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود.. بأربع سنوات كاملة (صدر قرار التقسيم فى نوفمبر 1947).. إلا أن الاستعمار الغربى بشكل عام.. والاستعمار الفرنسى بشكل خاص.. أصر على نزع كل عناصر القوة من الجيش اللبناني.. فالجيش اللبنانى منذ الاستقلال وحتى الآن.. لا يمتلك أى أسلحة للدفاع الجوى.. كما أن قواته الجوية شديدة البساطة والضعف.. مما يجعل سماء لبنان ساحة مستباحة من طيران العدوان الصهيونى.. وفى ظل ضعف الجيش الرسمي.. وعدم قدرته على التصدى لاعتداءات الكيان المحتل.. التى بلغت ذروتها فى اجتياح 1982.. كان لابد من وجود كيان عسكرى مناوئ.. يعمل على مقاومة هذا العدوان المتكرر.. فخرج (حزب الله) من رحم (حركة أمل) فى عام 1982.. واستطاع الحزب أن يتحول إلى رقم صعب على الساحة اللبنانية.. وفى مواجهة الكيان المحتل.. خاصة بعد أن استطاع إجبار قوات الاحتلال على الخروج من جنوب لبنان فى عام 2006.. ولم تتوقف المناوشات بين الحزب وقوات الاحتلال.. فى ظل إصرار الكيان المحتل على عدم الانسحاب من مزارع شبعا اللبنانية.. والادعاء أنها أراض سورية.. لا دخل للدولة اللبنانية بها.

ويعيش لبنان فى ظل ضغوطات كثيرة داخلية وخارجية.. تأتى الطائفية كأهم الضغوطات الداخلية.. ويمثل العدو الصهيونى أهم الضغوطات الخارجية.. كما تمثل الجغرافيا واحدة من الضغوطات الصعبة.. حيث يعيش اللبنانيون على مساحة صغيرة 10452 كيلو مترا مربعا.. بما يعنى أن محاولات الكيان المحتل لقضم أى مساحة من الأراضى اللبنانية يمثل خطراً كبيرا أمنيا وسياسياً وديموجرافيا.

وقد تصاعدت الأحداث بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الماضية.. حيث قرر حزب الله إسناد المقاومة الفلسطينية.. ضد العدوان البربرى الغاشم على غزة والذى استمر لمدة عامين كاملين.. (أكتوبر 2023- أكتوبر 2025)، ولم يكتفِ الكيان المحتل بالعدوان البربرى على غزة.. ولكنه امتد بعدوانه إلى العاصمة اللبنانية بيروت.. وارتكب العديد من جرائم الاغتيال ضد قيادات المقاومة الفلسطينية واللبنانية راح ضحيتها الكثير من الرموز.. فى مقدمتهم حسن نصر الله أمين عام حزب الله.. ويحيى السنوار قائد حركة حماس الفلسطينية.. وتصور الكيان المحتل أنه قد قضى تماما على حزب الله وكل قياداته.. إلى أن حدث العدوان الصهيو أمريكى على إيران فى 28 فبراير الماضى.. وقرر حزب الله أن يواجه هذا العدوان.. وظهر بقدرات كبيرة لم تصل إلى خيال مخابرات العدو.. ورغم التدمير الوحشى لكثير من البنية التحتية الإيرانية.. إلا أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.. لم يستطع تحقيق أوهامه بالانتصار على إيران.. فقرر اللجوء إلى وقف إطلاق النار.. والدخول فى مفاوضات صعبة مع القيادة الإيرانية.. وجاءت شروط إيران لتؤكد حتمية وقف إطلاق النار على كل الجبهات.. بما يعنى ضرورة وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية.. ولكن الكيان المحتل واصل عدوانه.. وفوجئ بتلك المسيرات الانقضاضية التى يمتلكها حزب الله.. والتى لم يستطع حتى الآن التصدى لمخاطرها.. وفى ظل هذا العدوان المستمر.. والتوسع فى احتلال أراضى الجنوب اللبناني.. قررت الحكومة اللبنانية الدخول فى مفاوضات مباشرة مع الكيان المحتل برعاية أمريكية.. وبعد أكثر من جولة.. صدر فجر الخميس الماضى (4 يونيه) بيان وزارة الخارجية الأمريكية.. والذى يدعى وقف إطلاق النار.. بشرط انسحاب حزب الله إلى جنوب نهر الليطاني.. ووقف عملياته تماماً ضد قوات العدو.. ولم يشر البيان إلى أى جداول زمنية لانسحاب قوات الاحتلال من الجنوب اللبناني.. أى أن التفاوض المباشر أدى إلى نتائج أقل كثيراً مما حدث فى اتفاق 2024.. والذى تضمن جداول زمنية للانسحاب من الجنوب اللبناني.. كما أن الاتفاق الجديد.. يفرض على حزب الله اللبنانى الانسحاب من الأراضى اللبنانية.. ولم يطلب من قوات الاحتلال الانسحاب من الأراضى اللبنانية التى تحتلها.. كما أكد هذا البيان الغريب على اختيار بعض المناطق (التجريبية).. التى يلتزم الجيش اللبنانى بحفظ الأمن فيها.. وهى المناطق التى لم يستطع جيش الاحتلال الوصول إليها.. بما يعنى أن هذا الاتفاق يضع حزب الله اللبنانى فى مواجهة الجيش اللبناني.. بما يعنى وجود مخاطر كبيرة لتجدد الحرب الأهلية فى لبنان.

ومن الواضح أن الأمريكان والكيان المحتل والحكومة اللبنانية.. يتعمدون التعامى عن (طوق النجاة) الوحيد.. القادر ليس فقط على حفظ أمن وأمان لبنان.. ولكنه قادر أيضاً على توفير الأمن للكيان المحتل.. ويتمثل هذا الطوق فى الانسحاب الكامل لكل قوات الاحتلال.. من أراضى الجنوب اللبناني.. وفى مقدمتها مزارع شبعا.. وفى المقابل يعلن حزب الله تفكيك جناحه العسكرى وانضمام هذا الجناح القوى إلى الجيش اللبنانى النظامي.. على أن يبقى حزب الله كقوة سياسية ينافس بقية الأحزاب اللبنانية فى الساحة السياسية.. وحتى لا يعود حزب الله.. أو غيره من القوى اللبنانية إلى ممارسة العمل العسكرى ضد أى عدوان خارجي.. وخاصة من الكيان المحتل.. يجب أن يتضمن (طوق النجاة).. آلية تعمل على دعم وتقوية الجيش اللبناني.. ليكون مثل كل الجيوش فى العالم.. قادراً على حفظ حدود الوطن.. من خلال امتلاك أبجديات القوة العسكرية.. دفاع جوى – مدرعات – طيران – مدفعية.. إلخ.. أما إذا أصر الحلف الصهيو أمريكي.. على أن يبقى لبنان مجرد كيان فسيفسائى هش.. منزوع القوة.. ومعرض طوال الوقت لمخاطر العدوان والاحتلال.. فإن مثل هذا الوضع الشاذ والغريب.. من الحتمى أن يعطى الشرعية لأى كيان.. يسعى إلى الحفاظ على الكرامة الوطنية اللبنانية.. وإلى حفظ أمن وأمان الدولة اللبنانية.. وإلى صيانة حدودها.. ولن يتوقف الأمر عند حزب الله.. بل إن هذا الوضع المريب يعطى لكل القوى اللبنانية الشرعية.. فى تكوين كيانات عسكرية للحفاظ على كرامة دولتهم.. ومن المؤكد أن الأطراف الثلاثة المشاركة فى البيان الأخير (أمريكا – الكيان المحتل – الحكومة اللبنانية).. على علم بأن كل البيوت اللبنانية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب تمتلك السلاح.. بل إن بعض العائلات تمتلك المدفعية الثقيلة.. بما يعنى أن السعى إلى نزع سلاح حزب الله.. من دون إنهاء كل آثار الاحتلال.. لن يجدى نفعاً.. بل قد يكون مبرراً لميلاد كيانات عسكرية أكثر قوة وشراسة.. فعلى كل المهتمين بالشأن اللبنانى التعلق بطوق النجاة الوحيد.. إنهاء الاحتلال تماماً.. وانضمام الجناح العسكرى لحزب الله إلى الجيش اللبناني.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة