رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من الأدوية إلى الأجهزة والهواتف.. «الصناعة».. سلاح يواجه فوضى الأسواق العالمية


7-6-2026 | 13:22

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم - نور عبدالقادر

عادت فاتورة الواردات لتفرض نفسها بقوة على المشهد الاقتصادى المصرى، باعتبارها أحد أبرز مصادر الضغط على العملة الأجنبية وميزان المدفوعات، فمع الارتفاع المتواصل فى تكاليف الاستيراد لم يعد خفض الواردات مجرد هدف مالى، بل تحول إلى قضية ترتبط بالأمن الاقتصادى وقدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الاستراتيجية.

وتكشف خريطة الواردات المصرية عن تركز واضح فى سلع استراتيجية، يأتى فى مقدمتها القمح والزيوت والمواد البترولية والأدوية ومدخلات الإنتاج الصناعية، ما يضع ملف توطين الصناعة فى صدارة النقاش الاقتصادى.

 

أكد الدكتور على عوف، رئيس شعبة الأدوية، أن فاتورة استيراد الأدوية فى مصر باتت تحت السيطرة مقارنة بحجم السوق، وأن سوق الدواء المصرى فى عام 2025 يصل إلى نحو 290 مليار جنيه فى القطاع الخاص، بينما لا تتجاوز قيمة الأدوية المستوردة 50 مليار جنيه، بما يعادل نحو 2.2 مليار دولار، وهو ما يعكس أن مصر تصنّع محليًا نحو 85 فى المائة من احتياجاتها الدوائية، وتستورد فقط 15 فى المائة، وهى من أفضل النسب عالميًا.

وأوضح «عوف» أن من أبرز الإنجازات فى هذا الإطار توطين صناعة أدوية الأورام، حيث تم فى عام 2024 الإعلان عن شراكة استراتيجية بين مدينة الدواء «جيبتو فارما» وإحدى كبرى الشركات العالمية لإنتاج 9 أدوية أورام حيوية ومرتفعة التكلفة داخل مصر، إلى جانب قيام شركة إيبيكو بإنشاء خطوط إنتاج متخصصة لأدوية الأورام بالشراكة مع شركات أجنبية، مبينا أن ملف مشتقات الدم يمثل إحدى قصص النجاح الكبرى؛ إذ كانت مصر تستورد هذه المنتجات بقيمة تقارب 50 مليون دولار سنويًا، بينما نجحت حاليًا فى تحقيق الاكتفاء الذاتى الكامل مع الاستعداد للمرحلة المقبلة التى تستهدف التصدير، وهو إنجاز لم يتحقق منذ أكثر من 60 عامًا.

وفيما يخص المواد الخام الدوائية، كشف أن مصر تستورد حاليا نحو 90 فى المائة من احتياجاتها من الخامات، نتيجة التطور السريع لصناعة الدواء عالميًا وتحول الهند والصين إلى مركز عالمى لإنتاج المواد الخام، بدعم من أوروبا والولايات المتحدة لأسباب بيئية، ما أدى إلى تراجع دور شركة النصر للكيماويات رغم كونها من أوائل الشركات التى بدأت هذا المجال.

كما أشار رئيس شعبة الأدوية إلى إطلاق مشروع غير مسبوق لتوطين صناعة المواد الخام، تم الإعلان عنه الفترة الماضية ووضع حجر الأساس له فى منطقة العين السخنة، باستثمارات تتجاوز 4 مليارات جنيه وتكلفة مبدئية تبلغ 160 مليون دولار على أن يبدأ الإنتاج فى يناير 2028، ويوفر نحو 200 مليون دولار سنويًا من فاتورة الاستيراد، وأن المشروع سينتج نوعين من المواد الخام، أحدهما مشتق من الذرة لتصنيع المضادات الحيوية من الصفر داخل مصر مع تصديرها لاحقًا إلى الهند، والآخر بالشراكة مع شركة هندية لتجهيز المادة الخام محليًا كمرحلة أولى.

بينما أوضح مجدى عرابى، عضو شعبة الأجهزة الكهربائية بالغرفة التجارية، أن توطين الصناعة فى مصر يمثل أولوية حقيقية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، فقطاع الأجهزة الكهربائية يُعد من القطاعات التى حققت تقدمًا ملحوظًا، ويتم تصنيع ما يتراوح بين 70 و80 فى المائة من مكوناته محليًا مقابل نسبة محدودة يتم استيرادها من الخارج، وخفض استيراد الأجهزة الكهربائية أصبح ضرورة، خاصة مع توافر بدائل محلية قادرة على تلبية احتياجات السوق، لأن المستهلك المصرى يفضل المنتج المحلى لما يتمتع به من ضمان وصيانة.

وكشف «عرابى» عن أن التحدى الحقيقى أمام تعميق توطين الصناعة لا يرتبط بالإنتاج بقدر ما يرتبط بتخفيف الأعباء عن المصنعين، وعلى رأسها تعقيدات التراخيص والحصول على الأراضى الصناعية، وأصبح تسهيل إجراءات الترخيص وتوفير أراضٍ بنظام التقسيط، إلى جانب دعم الدولة والبنوك بآليات تمويل طويلة الأجل، أمرًا ضروريًا لتقليل المخاطر وتشجيع المستثمرين على التوسع فى التصنيع المحلى، مشيرا إلى أن نسب استيراد الأجهزة ليست مرتفعة باستثناء بعض المنتجات مثل الهواتف المحمولة التى لا يزال جزء منها يُستورد من الخارج، فى حين يتم تصنيع الجزء الأكبر من الأجهزة الكهربائية محليًا.

وبخطوات دقيقة ومدروسة، نجحت مصر فى اقتحام صناعة الإلكترونيات، وهو إنجاز لم يأتِ مصادفة بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز إقليمى لتصنيع وتصدير الهواتف الذكية لأكبر الشركات العالمية. وبدأت الرحلة بوعى القيادة السياسية بأهمية تعزيز التصنيع المحلى مع التركيز على القطاعات المستقبلية الحيوية، لتتحول الفكرة إلى مبادرة رئاسية لإنتاج الإلكترونيات أُطلقت قبل نحو عشر سنوات، تحديدًا فى عام 2016، لتضع مصر على خارطة صناعة التكنولوجيا العالمية. اعتمدت المبادرة الرئاسية لصناعة الإلكترونيات على برامج وحوافز حكومية هدفت إلى جذب أكبر العلامات التجارية وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلى، ونجحت المبادرة فى استقطاب 15 علامة تجارية بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 20 مليون وحدة سنويا، وباستثمارات تقارب 200 مليون دولار.

كما نجحت مصر فى جذب 9 شركات كبرى للعمل فى تصنيع الهواتف الذكية، ما جعلها محورا إقليميا للصناعة التكنولوجية، ومن أبرز هذه الشركات: سامسونج Samsung التى أسست أول مصنع لها فى الشرق الأوسط وإفريقيا باستثمارات تصل إلى نحو 700 مليون دولار، وفيفو Vivo التى أنشأت أول مصنع لها فى القارة الإفريقية باستثمارات بدأت بـ20 مليون دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 30 مليون دولار خلال عام، وإنفينيكس Infinix الصينية، التى تنتج 6 علامات تجارية شهيرة باستثمارات تقدَّر بـ 10 ملايين دولار شهريا.

لذا فإن التحول إلى مركز إقليمى لتصنيع وتصدير الهواتف الذكية لم يكن مجرد إعلان أو هدف، بل استراتيجية فعلية دعمتها الدولة بضخ استثمارات عالمية وتقديم حوافز متكاملة تشمل إعفاءات جمركية وضريبية مشروطة بنسبة القيمة المضافة المحلية ونسبة التصدير تصل إلى 40 فى المائة، لتصبح مصر منصة حقيقية للشركات العالمية فى صناعة الإلكترونيات.

وقال إيهاب سعيد، عضو مجلس إدارة غرفة القاهرة التجارية ورئيس الشعبة العامة للاتصالات: إن الدولة المصرية جادة فى التوسع بصناعة الإلكترونيات، فلم تقتصر جهودها على تقديم الحوافز والتسهيلات لجذب رؤوس الأموال فحسب، بل أخذت خطوات استراتيجية ملموسة لتعزيز هذا القطاع الحيوى، ففى هذا الإطار أطلق الرئيس عبدالفتاح السيسى مبادرته الرئاسية «مصر تصنع إلكترونيات» – EME، التى تهدف إلى التوسع فى صناعة الإلكترونيات وجعلها إحدى الدعائم الرئيسية لنمو الاقتصاد المصرى، بما يعكس رؤية واضحة لتحويل مصر إلى مركز إقليمى للتصنيع والتصدير.

وأضاف أن صناعة الإلكترونيات فى مصر تمثل تحديا كبيرا لتحقيق هدف أكبر وهو تحويل مصر إلى مركز إقليمى لصناعة وتصدير الهواتف الذكية لكبرى الشركات العالمية، وبدأت الخطوة الأولى بجذب أبرز الشركات العالمية فى مجال تصنيع الهواتف مثل «سامسونج ونوكيا وريلمى وأوبو وإنفينيكس وفيفو»، فيما تمثلت الخطوة الثانية فى التوسع التدريجى فى معدلات الإنتاج والتصدير، ومع زيادة المعروض وانخفاض الأسعار بدأ المواطنون يشعرون بفارق الأسعار مقارنة بالمنتجات المستوردة، قبل أن يتم تعزيز التصدير وتقليل الاعتماد على الاستيراد بشكل مباشر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة