بينما كانت الرمال تعلن ميلاد مدينة ذكية تقودنا نحو المستقبل، كان ثمة وجه آخر لا يُبنى بالأسمنت والحديد فحسب، بل بالروح والوعى والجمال، إنها «مدينة الفنون والثقافة» بالعاصمة الجديدة، التى لم تعد مجرد صرح معمارى مهيب يزين العاصمة الجديدة، بل أصبحت «أيقونة» الجمهورية الجديدة وذراعها الثقافية الأقوى فى منطقة الشرق الأوسط.
فى هذا الفضاء الإبداعي، تذوب الحدود بين العصور؛ حيث تعانق هيبة المعابد الفرعونية التكنولوجيا الرقمية، وتجاور دار الأوبرا العالمية متاحف المومياوات والفنون التشكيليلة، لتعلن مصر للعالم أنها لا تنسى أبداً ترميم الهوية وبناء الإنسان.
فى حوارنا مع اللواء دكتور أسامة عبد العزيز، مدير المدينة، يحدثنا عن فلسفة الإدارة التى ترفض المنافسة مع المؤسسات العريقة بل تسعى للتكامل معها، وصولاً إلى الحلم الكبير بأن تكون هذه المدينة «مدرسة» مفتوحة لتخريج أجيال من المبدعين، ومنارة تجذب عشاق الجمال من كل بقاع الأرض.
ما الرؤية العامة التى قامت عليها مدينة الفنون والثقافة؟
بداية، نحن سعداء جداً بوجودكم معنا فى مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة، الفكرة التى نشأت من أجلها المدينة، والأهداف التى تسعى لتحقيقها، تنطلق من كونها مشروعاً قومياً يرقى إلى مستوى المشاريع الدولية، حيث تفرّد المدينة فى تجميعها أوجهاً مختلفة من الفنون فى مكان واحد، لتتحول إلى مجمع متكامل، فلدينا دار الأوبرا فى اتجاه الموسيقى، لدينا مكتبة تضاهى المكتبات العالمية، ولدينا متاحف متعددة ومتنوعة؛ متحف الفنون التشكيلية، ومتحف المومياوات، ومتحف للعملات المصرية القديمة، الهدف من تجميع هذه الأنشطة هو توفير منصة للمجتمع المصري، ولا سيما الشباب والنشء الجديد، لأن الفنون ترتقى بالذوق العام، وتنشط العقل، وتشجع على الإبداع والابتكار، وتقدم مخرجات ثقافية وفنية وتوعوية لأجيال واعدة.
لنبدأ بالحدث الأبرز حالياً وهو «سمبوزيوم الفنون».. ما فكرته؟
أبرز الفعاليات الموجودة حالياً هى أننا نُقيم أحد الأحداث المهمة فى مدينة الفنون والثقافة لأول مرة، ويُعد أحد الأهداف التى نشأت من أجلها المدينة، «السمبوزيوم» عبارة عن تطبيق عملى فى مجال الفنون، حيث نجمع مجموعة من الفنانين والمبدعين فى مكان واحد، ونوفر له-م البيئة والمناخ المناسب ليتمكنوا من الإبداع.
هذا الأسبوع ولمدة 25 يوماً نستضيف 15 فناناً من أبرز الفنانين التشكيليين فى مصر، وستشاهدين بنفسك الأجواء والبيئة التى وفرناها لهم لإنتاج أعمال فنية تُثرى العاصمة الجديدة وتضيف إلى هويتها البصرية والثقافية، نحن نحرص على توفير إطار متكامل للفنان من حيث المكان والزمان والهدف، بما يساعده على تقديم أعمال تنسجم مع روح المدينة وطابعها الحديث، ومن المقرر أن يستمر هذا العمل لمدة شهر، على أن تتكرر التجربة مرتين إلى ثلاث مرات سنوياً، بهدف دعم العاصمة بأعمال فنية مصرية فى مرحلتها الأولى، تمهيداً لتحويله مستقبلاً إلى «سمبوزيوم» دولى يضم فنانين من مختلف دول العالم.
نعود إلى الرؤية الاستراتيجية للمدينة.. من المعلوم أنها صُممت لتكون أكبر مدينة للفنون والثقافة فى الشرق الأوسط، ماذا عن الشراكات الدولية مع كبرى المؤسسات الثقافية مثل متحف اللوفر وغيره؟
مدينة الفنون والثقافة لم يتم افتتاحها رسمياً بعد؛ فنحن لا نزال فى المرحلة التجريبية التمهيدية للإعداد والتجهيز، والتأكد من أن كل الأنشطة تعمل بكفاءة وتكامل، من المخطط فى المستقبل المنظور، بعد الافتتاح الرسمي، أن يكون هناك تعاون ليس فقط إقليمياً، بل دولياً مع الجهات الشهيرة حول العالم لتبادل الثقافات والمعرفة والاطلاع على أحدث التطورات فى مجال الفنون.
كيف سيتم التكامل مع الصروح الثقافية القائمة فى القاهرة مثل دار الأوبرا المصرية القديمة ومكتبة الإسكندرية؟ ألن تكون هناك منافسة؟
الحقيقة، نحن لا نعتبر أنفسنا بديلاً لأى نوع من الأنشطة الثقافية الموجودة فى مصر، نحن نستفيد من الخبرات الموجودة لدى دار الأوبرا المصرية، الدار العريقة المنشأة منذ أكثر من قرن من الزمان، نستفيد مما وصلوا إليه، ونستفيد من الفنيين العاملين لديهم لكى نبدأ فى مدينة الفنون والثقافة من حيث انتهى الآخرون، ولدينا مخطط متكامل للتعاون مع مكتبة الإسكندرية، ومع المكتبات والمتاحف الأخرى، كما أن لدينا مندوبين من وزارة الثقافة يعملون داخل المدينة، كإجراء متكامل مع بقية الأنشطة الحضارية والثقافية فى ربوع مصر.
وما أبرز التحديات التى واجهتكم أثناء إنشاء هذه المدينة خصوصاً فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها المنطقة؟
أبرز التحديات كانت مكانية وزمانية، فالمكان فى منتصف الصحراء، حيث نشأت مدينة الفنون والثقافة، كما نشأت العاصمة الجديدة نفسها، سرعة الإنجاز كانت تحدياً كبيراً، كنا نريد أن نخرج بمشروع على مستوى معين من الرقى والتمثيل المشرف لمصر، لم نكن نسمح بحدوث أى خلل فى التنفيذ ولا فى الهدف الذى نرمى إليه، والحقيقة أننا نجحنا فى تحقيق ذلك، لأننا بدأنا حيث انتهى الآخرون، من الناحية التكنولوجية والفنية والإدارية.
حدثنا عن التكنولوجيا التى أقيمت عليها المدينة، ما الواقع المعزز والاستفادة من التكنولوجيات الحديثة؟
ستجدين مثالاً على ذلك فى دار الأوبرا لدينا، الأجهزة المستخدمة فى تكنولوجيا الصوت والإضاءة هى آخر ما توصل إليه الفن فى هذا المجال، وهى نفس الأجهزة المستخدمة فى كبرى دور الأوبرا بكبرى دول العالم، نحن نستعين بهذه الأجهزة، بل ونطوّرها، وكانت مراعاة كبيرة لتكنولوجيا الصوت والإضاءة وجو المكان، لنخرج بأفضل مخرج ممكن.
وماذا عن الكوادر البشرية التى تدير هذا الصرح؟ على أى أساس يتم اختيارهم؟
الحقيقة أننا ما نزال مستمرين فى إعداد الكوادر العاملة، بدأنا بنماذج ممثلة فى كل الاتجاهات والأنشطة، وهى التى يقوم على أكتافها هذا المشروع، نحن بصدد استكمال الأعداد المطلوبة من الإداريين والفنيين فى كل الأنشطة، فالعمل فى المدينة متطور ومستمر، على سبيل المثال، المكتبة تحتاج إلى عدد معين، ونحن لدينا حالياً مجموعة تقوم بأعمال الإنشاء والتجهيز والإعداد، إلى أن نكمل الأعداد المتكاملة لتقوم بدورها.
متى سيكون الافتتاح الرسمى للمدينة؟
المدينة الآن فى المرحلة التجريبية، الافتتاح الرسمى سيكون بعد اكتمال جميع التجهيزات ووصول الكوادر إلى العدد المطلوب، وإن شاء الله يكون ذلك قريباً، ليكون هذا الصرح منارة للثقافة والفنون فى مصر والشرق الأوسط وإفريقيا.
من المعروف أن التصميم المعمارى يعكس الهوية المصرية مع لمسات عصرية، كيف تم توظيف هذا المزج فى مبانى المدينة؟
الحقيقة أن التصميم المعمارى لمدينة الفنون والثقافة استلهم روح الحضارة المصرية العريقة، بدءاً من الفراعنة وصولاً إلى العصر الإسلامى والقبطي، مع إسقاطات معاصرة تواكب العصر، على سبيل المثال، دار الأوبرا صُممت على غرار المعابد المصرية القديمة من حيث التناظر والمداخل المهيبة، لكن بتقنيات حديثة بالكامل، المكتبة مستوحاة من مكتبة الإسكندرية القديمة، لكن بأجنحة رقمية متطورة حتى الممرات والمساحات المفتوحة بين المبانى صُممت لتكون «متاحف مفتوحة» تعرض منحوتات وأعمالاً فنية، بحيث يشعر الزائر أنه يسير فى معرض فنى متكامل.
هذا يأخذنا إلى الدور الاقتصادى للمدينة.. كيف تسهم مدينة الفنون والثقافة فى دعم الاقتصاد الوطني؟ وهل هناك خطط لجذب الاستثمارات الخاصة؟
بالتأكيد، المدينة ليست مجرد صرح ثقافي، بل هى مشروع تنموى اقتصادى بامتياز، أولاً، توفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، من إداريين وفنيين ومرشدين وأمن وخدمات، ثانياً، تجذب السياحة الثقافية، وهى من أكثر أنواع السياحة إنفاقاً واستدامة ونتوقع أن تستقبل المدينة ملايين الزوار سنوياً من داخل مصر وخارجها، ما ينعش قطاعات الإقامة والطعام والنقل والتجارة، ثالثاً، نحن نعمل على جذب استثمارات القطاع الخاص من خلال شراكات فى إدارة المرافق، وتشغيل المقاهى والمطاعم، وتنظيم الفعاليات، هناك مساحات مخصصة للأنشطة التجارية والخدمية المتكاملة مع الرسالة الثقافية، وكل ذلك ضمن إطار يحافظ على هوية المدينة ورسالتها.
ماذا عن البرامج التعليمية والتدريبية؟ هل ستكون المدينة متحفا نابضا بالحياة فقط أم ستكون مؤسسة تعليمية أيضاً؟
صممت المدينة لتكون مؤسسة تعليمية بامتياز، وهذا جزء أساسى من رؤيتها، لدينا خطة لإنشاء أكاديمية للفنون تابعة للمدينة، تقدم دورات متخصصة وورش عمل فى المجالات الفنية المختلفة؛ الموسيقى، الرسم، النحت، الفنون الرقمية، والترميم، نتعاون مع كبرى المؤسسات التعليمية العالمية لتقديم شهادات معتمدة، أيضاً، هناك برامج موجهة للجامعات، لاستقبال طلاب كليات الفنون التطبيقية والجميلة فى رحلات تعليمية تفاعلية، حيث يتعلمون التاريخ والفنون من خلال التجربة المباشرة، النشء الجديد هو محور اهتمامنا، نريد أن نخلق جيلاً متذوقاً للفن، قادراً على الإبداع والابتكار.
وماذا عن ذوى الاحتياجات الخاصة؟ هل تم مراعاة دمجهم فى جميع مرافق المدينة؟
بالتأكيد، هذا واجب وطنى وإنساني، المدينة صُممت وفقاً لأعلى معايير إمكانية الوصول للجميع، هناك ممرات مخصصة، مصاعد ذات لوحات بطريقة برايل، دورات مياه مهيأة، أماكن جلوس خاصة فى قاعات المسرح، وأجهزة مساعدة للسمع داخل قاعات الأوبرا، كما نخطط لبرامج فنية موجهة لذوى الاحتياجات الخاصة، لتنمية مواهبهم ودمجهم فى المجتمع.. ولدينا فريق متخصص لاستقبال وتوجيه هذه الفئة لضمان حصولهم على تجربة ثقافية ممتعة وآمنة.
ختاماً، لو أردت تلخيص رسالة مدينة الفنون والثقافة للعالم فى جملة واحدة.. ماذا ستكون؟
أقول للعالم: مصر لا تبنى فقط المدن والعمارات، بل تبنى وعياً وفكراً وإنساناً، مدينة الفنون والثقافة هى إعلان أن الحضارة المصرية وريثة سبعة آلاف عام من الإبداع، وماضية فى صنع مستقبلها، مرحباً بكم جميعاً، ويجب على المصريين ان يعوا ان هذه مدينتهم، مدينة الفنون والثقافة هى هدية لكل مبدع وفنان ومثقف، تعالوا لتروا بعيونكم كيف تبنى مصر حاضرها ومستقبلها بيد أبنائها، ونحن ننتظركم بعد الافتتاح الرسمى لتكونوا جزءاً من هذا الحلم الذى تحقق.