رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (6)


5-6-2026 | 14:01

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

انتهينا فى المقال السابق من الحديث حول تدهور السردية الصهيونية الأخلاقية، وسقوطها تمامًا، وانكشاف قصة المظلومية التاريخية لليهودى المسكين الذى تعرض للهولوكوست، فقد أصبح اليهودى قاتلاً للأطفال والنساء فى غزة ولبنان واليمن والعراق وسوريا، وأصبح قادة جيشه ونتنياهو يفاخرون بقتل الأطفال والنساء، ويصفون غيرهم بالحيوانات، ومن هنا تعرت إسرائيل كليا، وظهرت صورتها الحقيقية أمام العالم كله، وأصبح قادتها يُلاحقون قضائيا من المحكمة الجنائية الدولية، ونواصل فى هذا المقال تحليل واقع الكيان الصهيونى.

 

نتوقف اليوم مع رابع التحولات الكبرى بشأن الكيان الصهيونى، ألا وهو التآكل الوظيفى لدولة الكيان عبر رؤية البراجماتيين الباردة، وما ذكرناه سابقا حول (مرض اللوردات) و(الديموغرافيا) ليس مجرد تفاصيل بيروقراطية، بل هو الواقع الذى يخشاه (العقل البارد)، داخل إسرائيل، أى ذلك العقل الذى ينظر إلى الأمور من زاوية الكفاءة والقدرة على البقاء على المدى الطويل، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية.

فإسرائيل تتحول تدريجيا من دولة تكنولوجية متطورة، إلى دولة ثيوقراطية ريعية، يعيش فيها قطاع واسع ومتنام من (الحريديم) عالة على القطاع المنتج، فالحريديم الذين يشكلون نسبة متنامية من السكان بفعل معدلات الإنجاب المرتفعة، يرفضون الانخراط فى (واجبات) الدولة الأساسية، فهم لا يخدمون فى الجيش بأعداد كافية، ولا يشاركون بشكل واسع فى سوق العمل الحديث، ويكرسون وقتهم فى الدراسة الدينية التى تمولها الدولة، وهذا يعنى أن دولة بكاملها تعتمد على قطاع منتج يتقلص نسبيا باستمرار لتمويل قطاع غير منتج يتوسع باستمرار.

هذا التناقض البنيوى يجعل الدولة تسير نحو ما يمكن تسميته (الانتحار الديمقراطى)، حيث ستؤدى الديمقراطية (صندوق الاقتراع) بالضرورة إلى إنهاء (الدولة العلمانية الحديثة)، لصالح (مملكة يهودية متطرفة)، فمع الزيادة المطردة فى نسبة الحريديم والمستوطنين المتدينين من إجمالى السكان، سيصبحون قريبًا الأغلبية الانتخابية، وعندها ستصوت تلك الأغلبية الانتخابية لصالح أجندة ثيوقراطية، تنهى الطابع العلمانى للكيان، مما سيؤدى إلى عزلة دولية متزايدة ونزيف فى العقول والكفاءات العلمانية التى تشكل العمود الفقرى للاقتصاد والجيش.

إنه باختصار، مجتمع يسير بخطى ثابتة نحو تدمير الأسس التى قام عليها، وهى القوة العسكرية القائمة على التكنولوجيا المتطورة، والاقتصاد القائم على الابتكار والعلم، والدعم الغربى القائم على صورة (الدولة الديمقراطية العلمانية الوحيدة) فى الشرق الأوسط، كل تلك الأسس تتهاوى، الواحدة تلو الأخرى، بفعل الديناميكيات الديمغرافية والسياسية الداخلية.

وننتقل الآن إلى الفصل الثالث فى تحليلنا الشامل، وعنوانه: الزاوية القانونية، من الفلسفة إلى محكمة التاريخ، حيث لم يعد الاعتلال البنيوى الذى حلله كل من (آندت، وإدواراد سعيد، وليبوفيتش، وبابى)، وغيرهم مجرد حدس فلسفى أو قاعدة نقدية، ففى السنوات الأخيرة تحول هذا التشخيص إلى (توصيف قانونى) صارم، تبنته كبرى المؤسسات الحقوقية الدولية، مما يمنح النقد الفلسفى سندا واقعيا لا يقبل الجدل.

إن انتقال الخطاب من نقد السياسات إلى توصيف (النظام) يمثل نقلة نوعية فى فهم طبيعة المشروع الصهيونى، فنحن لم نعد أمام دولة ديمقراطية تمارس سياسات عنصرية، يمكن إصلاحها ببعض التعديلات، بل أمام نظام (فصل عنصرى) أو (أبارتهايد) ينطوى على عنصرية بنيوية متأصلة فى صميم مؤسساته وقوانينه!.

وعندما تجمع منظمات مثل (هيومن رايتس ووتش) فى تقريرها التاريخى الصادر سنة 2021م بعنوان (تجاوزا العتبة: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصرى والاضطهاد)، و(منظمة العفو الدولية) فى تقريرها الصادر عام 2022م بعنوان (نظام الفصل العنصرى الإسرائيلى ضد الفلسطينيين: نظام قاس من الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية)، وكذلك منظمة (بتسليم) الإسرائيلية ذاتها فى تقريرها بعنوان (نظام تفوق يهودى من النهر إلى البحر: هذه هى الأبارتهايد)، وتؤكد أن هذا الكيان الصهيونى يدير نظامًا يمنح امتيازات قانونية وسياسية واقتصادية لجماعة إثنية دينية واحدة على حساب سحق جماعة أخرى، فنحن أمام (انهيار أخلاقى مقنن)، فلم يعد الأمر مجرد رأى سياسى أو موقف أيديولوجى بل أصبح توصيفًا قانونيًا يستند إلى أدلة موثقة ومعايير القانون الدولى لحقوق الإنسان.

وهذا التوصيف القانونى يؤدى وظيفة مزدوجة فى تحليلنا لعدة أسباب وعوامل، وهى: أولاً: إنه يفكك الخطاب التجميلى الذى يوجه له (الصهيونى الوظيفى)، من النوع الثقافى والسياسى، فعندما يصر هؤلاء على وصف إسرائيل بالديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط، فإن تقارير (الأبارتهايد) تكشف زيف هذه المقولة وتفضحها، فالديمقراطية التى تمارس الفصل العنصرى، والتى تمنح حقوقًا كاملة لجماعة إثنية على حساب حرمان جماعة أخرى من أبسط حقوقها الإنسانية، ليست ديمقراطية بالمعنى الفلسفى أو القانونى للكلمة، بل هى ديمقراطية معتلة بنيويًا، ديمقراطية مصابة بالشلل الأخلاقى منذ لحظة ميلادها، إنها تكسر مبدأ (كانط) الأساسى الذى تحدثنا عنه سابقًا، وهو: وحدة الإنسان أمام القانون، وضرورة أن يكون القانون كونيًا يسرى على الجميع بالتساوى.

ثانيًا: إن هذا التوصيف القانونى يحول (الاعتلال البنيوى) من مفهوم فلسفى مجرد إلى جريمة ضد الإنسانية، موثقة ومثبتة، فهو يضع المشروع الصهيونى فى مصاف الأنظمة التى أدانها التاريخ، مثل: نظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا، والنظام الهتلرى النازى فى ألمانيا، وغيرهما من الأنظمة التى قامت على مبدأ التفوق العرقى أو الإثنى، وهذا التحول فى التوصيف له نتائج عملية هائلة، فهو يفتح الباب أمام المساءلة القانونية الدولية، وأمام مقاطعة أكاديمية واقتصادية وثقافية، وأمام عزلة دولية متزايدة، إنه يحول (الاعتلال البنيوى) من موضوع للنقاش الفكرى إلى قضية أمام محكمة التاريخ والضمير العالمى!.

(يتبع)

أخبار الساعة

الاكثر قراءة