رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (4)


22-5-2026 | 12:22

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

إدوارد سعيد فى كتابه التأسيسى «الاستشراق» رؤية عميقة تهدم المشروع الصهيونى من أعماقه، وتهدم رؤية الغرب الاستعمارى الذى ناصر إسرائيل كواحة ديمقراطية فى قلب عالم عربى متخلف وبربرى!.

إيلان بابى واحد من المؤرخين اليهود الجدد الذين رأوا أن المشروع الصهيونى فى أزمة وجودية بسبب رغبته فى التوسع والاستيطان على حساب شعب آخر، مما أفقد المشروع أخلاقيته وجعله فى حالة دفاع وحروب مستمرة.

 

توقفنا فى المقال السابق عند المفكر الفلسطينى البارز د. إدوارد سعيد وكتابه المهم جدا عن (الاستشراق)، وكيف حلل (الدور الوظيفى) للكيان الصهيونى، ونتابع فى مقالنا هذا الأسبوع شرح هذه الرؤية المستقبلية التنبؤية التى توصل إليها المفكر الراحل ببصيرته الاستشرافية، ضمن من حللوا المشروع الصهيونى من خارجه.

إن إدوارد سعيد كان صوتا من أهم الأصوات التى حللت اعتلال المشروع الصهيونى من خارج الدائرة اليهودية، ولكن بعمق فلسفى وأدبى نادر، وهو نفسه الضحية التى أصبحت (ضحية الضحية)، وقد كان التشخيص الأكثر بلاغة وسردا وتأثيرا فى هذا الصراع فى كتابيه (مسألة فلسطين) و(الاستشراق)، ووقف عند استغلال الصهيونية للمظلومية الأوروبية لاستغلال شعب آخر.

وفى كتابه التأسيسى المهم للغاية (الاستشراق) يقدم لنا رؤية تحليلية للدور الوظيفى للمشروع الصهيونى، وكيف أن الغرب الاستعمارى صنع صورة (الشرق) بوصفه (الآخر المتخلف والغريب والحسى والضعيف) لكى يبرر هيمنته عليه، وامتدادا لهذا التحليل يمكننا أن نرى أن الصهيونى الوظيفى غير اليهودى يتبنى نظرة (استعلائية) تجاه محيطه العربى والإسلامى، فدوره الوظيفى هنا صناعة (الآخر المتخلف)، وتمجيد الكيان الصهيونى بوصفه (واحة الديمقراطية)، أو (مركز التكنولوجيا) أو (الدولة الوحيدة المتحضرة)، ليس عن إعجاب حقيقى بالقيم الديمقراطية أو العلمية، بل ليؤكد بالضد (دونية) الإنسان العربى والمسلم، وتخلفه، و(همجيته).

الوظيفة العميقة هنا للمشروع الصهيونى هى تحطيم (الروح المعنوية) للشعوب العربية، وإقناعها بأن النموذج الصهيونى هو الوحيد القابل للحياة، والقادر على البقاء فى المنطقة، وما دونه هو فوضى وتطرف وفشل، إنها وظيفة (ثقافية – نفسية)، تهدف إلى خلق شعور بالدونية واليأس لدى (الآخر العربى والمسلم)!

أما التشخيص الأعمق الذى قدمه إدوارد سعيد للمجتمع الصهيونى ذاته فهو أنه يعيش فى حالة (عمى استراتيجى)، لأنه يحاول بناء هويته عبر محو هوية الفلسطينى، لكنه فى الحقيقة يربط مصيره ومستقبله بوجود هذا الفلسطيني!

هذه العلاقة الجدلية القاتلة، وهذا التلاحم القسرى بين القاتل والضحية، يخلق مجتمعا غير مستقر نفسيا، يعيش فى خوف دائم من (عودة المكبوت)، فالفلسطينى بالنسبة للوعى الصهيونى هو الشاهد الحى على الجريمة الأصلية، وهو العائد المحتمل الذى سيطالب بحقه، وهذا الخوف العميق من (الشبح الفلسطينى) هو ما يفسر الكثير من ردود الفعل العنيفة والمتطرفة للمجتمع الإسرائيلى، وهنا يضيف إدوارد سعيد بعدا نفسيا ووجوديا عميقا لفهم الاعتلال الذى يصيب الكيان الصهيونى.

ننتقل الآن إلى رؤية (إيلان بابى وماكسيم رودنسون) نحو (الاستعمار الاستيطانى) كخطيئة أصلية لا تقبل المحو، فقد وضع الاثنان الإصبع على الجرح النازف فى قلب المشروع الصهيونى، فقد أكدا أن إسرائيل ليست دولة عادية تطورت عبر (عقد اجتماعى) بين سكان أصليين، بل هى (مشروع إحلالى) بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهنا تحديدا يأتى دور (إيلان بابى)، أحد أبرز وجوه (المؤرخين الجدد) الإسرائيليين ليقدم إضافة حاسمة لا يمكن تجاهلها، حيث يرى أن (النكبة) ليست حدثا وقع فى عام 1948م، وانتهى، بل هى عملية تطهير عرقى مستمرة، حتى اللحظة الراهنة، فى كل مستوطنة جديدة، مع كل هدم لمنزل، فى كل مصادرة لأرض، فى كل منع للاجئ من العودة، تتجدد النكبة وتستمر، وهذه الرؤية تحول النكبة من حدث تاريخى إلى بنية مستمرة، إلى عملية ديناميكية لم تتوقف.

وهنا يقدم (إيلان بابى) تشخيصا عميقا للاعتلال البنيوى للمجتمع الصهيونى الذى يعانى من حالة (إنكار جماعى) متجذر، هذا الإنكار ليس مجرد تجاهل لحقائق تاريخية، بل هو آلة دفاع نفسية جماعية تمنع المجتمع من مواجهة الحقيقة المرعبة، وهى أن وجوده قام على خراب شعب آخر، هذا الإنكار يمنع التصالح مع الحقيقة التاريخية، مما يجعل المجتمع فى حالة استنفار أخلاقى دائم لتبرير ما لا يمكن تبريره.

وهذا الاستنفار الأخلاقى المتواصل يؤدى حتما إلى تآكل القيم الإنسانية داخل المجتمع ذاته، فلكى تبرر لنفسك يوميا أنك على حق رغم كل الأدلة على العكس، عليك أن تعيد تشكيل وعيك الأخلاقى بالكامل، وهذا ما يحدث للمجتمع الإسرائيلى فى نظر إيلان بابى، إن هذا المجتمع الصهيونى يعيد تشكيل أخلاقه لتناسب واقع الاحتلال، مما يؤدى لتشوه أخلاقى بنيوى.

ولفهم هذه المعضلة بدقة، علينا أن نعقد مقارنة واضحة بين الاستعمار التقليدى (مثل الاستعمار الفرنسى للجزائر، أو البريطانى للهند)، حيث يرحل المستعمر فى نهاية المطاف، وتبقى الدولة للسكان الأصليين، قد تكون هناك ندوب عميقة، وآثار مدمرة، لكن هناك إمكانية لاستعادة السيادة وبناء دولة وطنية، أما فى الاستعمار الاستيطانى (كما حدث فى أمريكا الشمالية وأستراليا) فقد تمت عملية (محو السكان الأصليين) قبل عصر (حقوق الإنسان) وقبل ظهور القانون الدولى الحديث، والوعى الكونى بحقوق الشعوب الأصلية.

استطاع المستوطنون فى العالم الجديد أن يبنوا دولهم على أنقاض السكان الأصليين فى زمن لم تكن فيه كاميرات توثق المجازر، ولا محاكم دولية تحاكم على جرائم الحرب، ولا رأى عام عالمى يتابع الأحداث أولا بأول!.

ولذلك فالمعضلة الكبرى التى تواجه المشروع الصهيونى اليوم أنه يحاول (محو السكان الأصليين) فى زمن مختلف تماما، زمن الكاميرا، والقانون الدولى، والوعى الكونى بحقوق الإنسان، إنه يحاول تنفيذ مشروع استيطانى استعمارى توسعى فى القرن الحادى والعشرين، بينما العالم كله يشاهد ويوثق، وهذا ما يفسر الاعتلال البنيوى العميق، فالمجتمع الصهيونى يعيش فى حالة (دفاع دعائى دائم)، ضد حقيقة وجود الآخر الذى يرفض التلاشى، فالشعب الفلسطينى بعناده على البقاء يشكل تهديدا وجوديا للمشروع الصهيونى، ليس فقط عسكريا أو أمنيا، بل وجودى بالمعنى العميق، فوجوده ذاته ينفى شرعية (الإحلال)، وتذكره للنكبة يفضح (الخطيئة الأصلية)، وإصراره على العودة يهدد (النقاء الديموغرافى) الذى تسعى إليه إسرائيل!.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة