رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بالتنمية والاستثمار.. مصر تستعيد نفوذها الإفريقى


22-5-2026 | 12:20

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

شكَّل التقارب المصرى مع إفريقيا خلال العقد الأخير أحد أبرز ملامح الاستراتيجية الوطنية للدولة خاصة منذ ثورة 30 يونيو؛ إذ اتجهت القاهرة إلى استعادة دورها الإفريقى على أسس جديدة لا تكتفى باستدعاء الروابط التاريخية، بل تعتمد على تحويل الانتماء الإفريقى إلى مسار متكامل للعمل السياسى والاقتصادى والأمنى والتنموي، فلم تعد القارة السمراء مجرد محور ضمن دوائر السياسة الخارجية المصرية، لكنها أصبحت جزءا أصيلا من منظومة الأمن القومى ومجالا حيويا لتوسيع المصالح وبناء الشراكات، فى إطار رؤية تقوم على «التنمية والتكامل الإقليمى»، وبرز هذا التوجه بوضوح منذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى قيادة البلاد عام 2014، حيث بدأت مصر مرحلة جديدة لاستعادة حضورها داخل القارة عبر تعزيز العلاقات الثنائية واستعادة دورها الفاعل داخل الاتحاد الإفريقي، إلى جانب التحرك وفق ثلاثة مسارات رئيسية شملت توسيع مجالات التعاون، وبناء التحالفات ومواجهة التهديدات والتحديات المحتملة من خلال جهود دبلوماسية مكثفة وتحركات حكومية مدعومة بتوجيهات رئاسية.

 
 

هذه التحركات أكدها ارتفاع حجم التبادل التجارى بين مصر والدول الإفريقية الذى بلغ نحو 9.8 مليار دولار، وتميل كفته لصالح الصادرات المصرية التى تقدر بـ7.7 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 2.1 مليار دولار، ما يعكس فرصا كبيرة لزيادة النفاذ إلى الأسواق الإفريقية، فى حين أن الاستثمارات المصرية فى إفريقيا تقدر بنحو 14 مليار دولار، فهذا التوسع ساهم بشكل واضح فى اتساع دائرة النفوذ المصرى داخل القارة السمراء، وعادت مصر لتأثيرها الكبير على أسس تلقى قبولا وترحيبا واضحا من كافة الدول الإفريقية.

بدورها أكدت السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون الإفريقية، أن العلاقات بين مصر ودول إفريقيا ممتدة عبر العقود الماضية، وتميزت بالصعود والهبوط، وفترات مزدهرة وفترات أخرى بها فتور، لكن آخر 10 سنوات تميزت بازدهار شديد كان واضحاً فى اهتمام بالغ بالقارة الإفريقية، والرئيس عبدالفتاح السيسى كان حريصاً على المشاركة فى كافة الفعاليات الإفريقية بنفسه، وكان هناك عدد كبير صعب حصره من الزيارات الثنائية سواء لمصر من خلال زيارات الزعماء الأفارقة أو زيارات الرئيس لهذه الدول، وهناك دول لم يزرها رئيس مصرى قبله، كما أن السياسة الخارجية المصرية أولت اهتماما متزايدا بالدائرة الإفريقية منذ عام 2014، من خلال تكثيف التحركات والزيارات الرئاسية إلى مختلف مناطق القارة، بما يسهم فى تعزيز المصالح المصرية وتوسيع نطاق التفاهم الإفريقى تجاه الموقف المصري، خاصة فى قضية السد الإثيوبى بما يدعم الدور التفاوضى المصرى فى أى مفاوضات مستقبلية مع إثيوبيا.

وأضافت أن القارة الإفريقية تواجه تحديات متشابكة تشمل ارتفاع الديون الخارجية، وتداعيات الحرب فى أوكرانيا على أسعار الطاقة، فضلًا عن تنامى خطر الجماعات الإرهابية فى منطقة الساحل وغرب إفريقيا، ومصر تسعى إلى حشد دعم إفريقى ودولى من أجل تبنى حلول مستدامة تحقق الأمن والتنمية وتوفر فرص العمل لملايين الشباب الإفريقى خلال العقود المقبلة، كما أن زيارة الرئيس الأخيرة إلى أوغندا بعد مشاركته فى قمة فرنسا- إفريقيا التى عقدت بدولة كينيا مؤخرا تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، فالقاهرة ترتبط بشراكات تنموية واسعة مع كمبالا تشمل مشروعات البنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي، إلى جانب التعاون فى بحيرة فيكتوريا ومجالات الرى والتجارة.

وأوضحت أن العلاقات المصرية الأوغندية شهدت طفرة كبيرة خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد إقرار شراكة استراتيجية وتوسيع الاستثمارات المصرية، وأن أوغندا تمثل بوابة مهمة لأسواق شرق ووسط إفريقيا، فضلًا عن التعاون فى مكافحة الإرهاب والتدريب العسكرى والشرطي، والتنسيق السياسى بين القاهرة وكمبالا يشمل ملفات مياه النيل والسودان والصومال وليبيا، ومصر تضع التعاون مع دول حوض النيل فى مقدمة أولويات سياستها الخارجية عبر دعم التنمية والشراكات الاقتصادية داخل القارة الإفريقية.

بينما أشار السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى أن مصر من أكثر الوجوه قبولا فى القارة الإفريقية، وذلك ليس وليد اليوم ولكن على مدار التاريخ، وليست هناك دولة فى العالم لها بعثات مع كل الدول الإفريقية غير مصر وعلى رأسها البعثات الأزهرية التى تعمل على التواجد المصرى الدينى والثقافي، فالتواجد المصرى فى الصومال على سبيل المثال ليس مقصودا به أى رسائل إلى إثيوبيا، ولكن العمل على تعزيز الاستقرار فى أرض الصومال، لأن تحقيق الأمن فى القرن الإفريقى غاية فى الأهمية بالنسبة إلى مصر، وبالتالى منْ يقول إن مصر غائبة عن إفريقيا مخطئ، بل هى مهتمة بكل الدول الإفريقية، فمصر هى أكثر دولة مثلت القارة الإفريقية فى مجلس الأمن، وأكثر من رأست المجموعة الإفريقية بالانتخاب.

وقال إن الأوضاع فى البحر الأحمر تثير قلقا واضحا، وهو ما انعكس على تراجع إيرادات قناة السويس بنحو 40 فى المائة نتيجة التهديدات الحوثية وتأثيرها المباشر على حركة الملاحة، ورغم هذه التحديات فإن مصر لن تنخرط فى أى صراعات أو عداءات مع الدول الإفريقية فى ظل ما تحظى به من احترام وتقدير داخل القارة، ودورها الدائم كطرف داعم للاستقرار والتسوية السياسية فى مختلف الملفات الإقليمية، سواء فى السودان أو ليبيا أو سوريا، فمصر تتبنى نهجا تصالحيا، وتمتلك القدرة على القيام بدور الوسيط والمصلح فى الأزمات.

أما السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الاسبق، فقد أكد أن التواجد المصرى فى القارة الإفريقية قوى ومؤثر، ويشمل مختلف أقاليم القارة بما يتجاوز دول حوض النيل، وهناك شركات مصرية تعمل بعمق فى إفريقيا فى إطار جهود التنمية والتعاون الاقتصادي، ولكن بعض التقديرات الخاطئة ترى أن التواجد المصرى يقتصر على النفوذ السياسى فقط، إلا أن الواقع يوضح أن مصر تستخدم سلاح التنمية كأداة سلمية لتدعيم العلاقات مع الدول الإفريقية، ولدينا أمثلة حديثة على ذلك فى الصومال وتنزانيا؛ حيث تم افتتاح منتجعات سياحية بالتعاون مع هذه الدول، وهو ما يعكس اهتمام مصر بدعم الاستقرار والتنمية.

وأشار إلى أن السياسة المصرية تجاه السد الإثيوبى تعتمد على الصبر والاحتواء الاستراتيجي، فمصر تسعى من خلال هذا النهج إلى تثبيت دعائم السلام فى منطقة القرن الإفريقي، وهو جزء من التوجه الوطنى الذى يهدف إلى حماية المصالح القومية، كما أن مصر تتمتع بالثقة الإفريقية فى دورها لإحلال السلام والتنمية فى دول القارة، ويؤكد التزام مصر بالاستقرار والسلام فى القارة، إضافة إلى دعم القضايا القومية والمصالح المشتركة بين الدول الإفريقية، والتواجد المصرى فى إفريقيا يتخذ أشكالًا متعددة سواء فى المجال الاقتصادى أو التنموى أو السياسى وحتى الأمني، ولكنه يظل دائما فى خدمة القضية القومية المصرية وتعزيز الشراكة الإفريقية.

وأوضح أن الرئيس عبد الفتاح السيسى يواصل تعزيز العلاقات المصرية الإفريقية على مختلف المستويات، فإفريقيا تمثل العمق الاستراتيجى والأمنى والاقتصادى لمصر، والدولة المصرية عززت حضورها داخل القارة خلال السنوات الأخيرة عبر المشروعات التنموية والخبرات المصرية، كما أن كلمة الرئيس السيسى فى قمة فرنسا إفريقيا حملت رسالة واضحة للمجتمع الدولى بضرورة منح إفريقيا مكانة تتناسب مع إمكانياتها، مع دعم القارة فى ملفات التمويل الدولى والديون وتحقيق العدالة المناخية، خاصة أن الدول الإفريقية تعد الأكثر تضررا من التغيرات المناخية؛ رغم أن الدول الصناعية الكبرى هى الأكثر مساهمة فى الانبعاثات، فعبارة الرئيس السيسى «لا تنمية دون سلام ولا سلام دون تنمية»، تعبّر عن خلاصة التجربة المصرية فى إدارة الصراعات وتحقيق الاستقرار، والصراعات المسلحة والهشاشة الأمنية تمثل أبرز التحديات أمام جهود التنمية فى القارة الإفريقية.

وأشار إلى أن مصر تدعو دائما إلى تبنى الحلول السياسية للأزمات بالتوازى مع دعم جهود التنمية وتعزيز الاستقرار، فالرئيس عبد الفتاح السيسى تناول خلال القمة خطورة أزمة الديون السيادية وتأثيرها على استقرار الدول الإفريقية وقدرتها على تنفيذ خطط التنمية، وبدورها مصر تطرح رؤى وحلول واقعية للتعامل مع أزمة الديون، من بينها تحويل أعباء الديون إلى فرص استثمارية، إلى جانب التوسع فى استخدام السندات الخضراء لتمويل مشروعات التنمية المستدامة والطاقة النظيفة، فكل هذه الأدوات يمكن أن تسهم فى تقليل اعتماد الدول الإفريقية على القروض التقليدية، وقد منحت التجربة المصرية فى الإصلاح الاقتصادى وتطوير البنية التحتية للدولة مصداقية كبيرة فى طرح رؤيتها التنموية للقارة، خاصة بعد نجاحها فى تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادى شامل رغم التحديات الدولية والإقليمية المعقدة.

من جانبه، قال الدكتور حسين البحيري، الخبير فى الشئون الإفريقية، إن العلاقات المصرية الإفريقية شهدت منذ عام 2014 تطورا ملحوظا وغير مسبوق، انعكس فى النجاحات التى حققتها مصر على مستوى القارة، وتعزيز حضورها ونفوذها فى العديد من الدول الإفريقية، خاصة فى مناطق حوض النيل والقرن الإفريقى وشرق وغرب إفريقيا، إلى جانب علاقاتها المتنامية مع دول الساحل والصحراء، وهذا التطور أسهم فى تعزيز مكانة مصر ودورها الإقليمى داخل القارة ودفعها نحو توسيع نطاق حضورها وتواجدها الفاعل فى مختلف الدول الإفريقية.

وكشف عن أن مصر تبنت خلال السنوات الأخيرة مقاربة جديدة تقوم على الدبلوماسية الاقتصادية من خلال دعم الدول الإفريقية فى إقامة مشروعات تنموية مثل ما حدث فى جيبوتي، وكذلك بناء سد جوليوس نيريرى فى تنزانيا، فكل هذه المشروعات تعكس حرص مصر على تعزيز العلاقات مع الدول الإفريقية، وتقديم نفسها كشريك استراتيجى يدعو إلى التنمية مقابل التنمية، وليس مقابل النفوذ السياسى على عكس بعض القوى الأخرى، والقاهرة لم تكتفِ بالدور السياسى بل تحولت إلى فاعل اقتصادى وتنموى فى القارة عبر الدفع نحو تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وتوسيع نطاق الاستثمارات والمشروعات المصرية فى أكثر من 40 دولة إفريقية.

وأكد أن التحرك المصرى الحالى فى إفريقيا لم يعد قائما على رد الفعل أو الحضور الرمزي، بل أصبح مشروعا استراتيجًا متكاملا يعيد تموضع مصر كقوة إقليمية فاعلة، كما أن فلسفة هذا التحرك تقوم على مبدأ أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة.

فيما تحدث الدكتور جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية، على جولة الرئيس عبد الفتاح السيسى الإفريقية الأخيرة التى شملت كينيا وأوغندا، معتبرا أنها تعكس الدور القيادى المتوازن لمصر فى القارة الإفريقية، وتؤكد استعادة القاهرة لمكانتها المحورية، فالتحرك المصرى فى إفريقيا يستهدف سد الفراغ الذى استغلته قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها داخل القارة على حساب المصالح المصرية، كما أن السياسة الخارجية الحالية تتسم بالتركيز على المصالح الاستراتيجية المباشرة لمصر.

وأشار إلى أن قضية الأمن المائى تمثل محورا أساسيا فى العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، والتنسيق مع أوغندا باعتبارها إحدى دول المنبع لنهر النيل هو خيار استراتيجى مهم لضمان حصة مصر المائية، خاصة فى ظل التحديات المرتبطة بالمشروعات المائية الأحادية فى دول المنبع، كما أن المشروعات التنموية التى تنفذها مصر داخل أوغندا تسهم بشكل مباشر فى تعزيز التعاون الفنى ودعم المصالح المشتركة، بما ينعكس على استقرار ملف المياه فى المنطقة، أيضا أن القاهرة تلعب دورا مهما فى تدريب وتأهيل عناصر من الجيش الأوغندى داخل الأكاديميات العسكرية المصرية، إلى جانب تبادل الخبرات فى مجالات المناورات واستخدام الأسلحة، فهذا التعاون يعزز من قوة العلاقات الثنائية، ويساهم فى مواجهة التحديات الأمنية المشتركة داخل القارة الإفريقية ويدعم الاستقرار الإقليمي.

أما الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، فقد أكد أن الدولة المصرية تنظر إلى العمق الإفريقى باعتباره امتدادا استراتيجيا ومحورا رئيسيا فى رؤيتها التنموية، وإفريقيا تمثل سوقًا ضخمًا يضم أكثر من 1.5 مليار نسمة أى ما يعادل 18 فى المائة من سكان العالم، ما يجعل التعاون الاقتصادى معها أولوية وطنية، هذا التوسع فى القارة الإفريقية يمثل فرصة استراتيجية كبيرة لمصر خاصة فى ظل ما تمتلكه القارة من سوق استهلاكى ضخم يتجاوز 1.4 مليار نسمة، بالإضافة إلى ثرواتها الطبيعية الهائلة.

ونبه «شعيب» إلى أن التحرك المصرى نحو إفريقيا ليس خيارا بل ضرورة استراتيجية فى ظل التحولات الاقتصادية العالمية، وأن الفترة المقبلة تحمل فرصا واعدة لتعزيز مكانة مصر اقتصاديا على المستوى الإقليمى والدولى؛ خاصة أن إفريقيا تحتاج إلى استثمارات سنوية تتجاوز 100 مليار دولار فى قطاع البنية التحتية، بحسب تقارير صادرة عن بنك التنمية الإفريقي، ما يُعد فرصة ذهبية للشركات المصرية المتخصصة فى المقاولات والإنشاءات، كما أن شركات المقاولات المصرية سواء المملوكة للدولة أو القطاع الخاص تمتلك سمعة جيدة فى القارة نتيجة تنفيذ مشروعات ناجحة فى دول مثل العراق وليبيا والسودان، وهو ما يمكن البناء عليه لتعزيز الوجود المصرى داخل إفريقيا لاسيما فى ظل الحاجة الملحة للمقاولين والبُنى التحتية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة