وعند النظر إلى التكلفة الاجتماعية والنفسية، نجد أن هذا الجانب يمس جوهر حياة المواطن اليومية، حيث يتولد شعور عام بالقلق وعدم الأمان، خاصة لدى الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأطفال وكبار السن، مما يحد من حريتهم فى الحركة والتنزه فى العديد من الأحياء، ويؤثر بالتالى على جودة الحياة العامة والسلم المجتمعى، إن خطر انتشار الأمراض المشتركة وعلى رأسها مرض «السعار» القاتل يظل تهديداً قائماً، بالإضافة إلى الطفيليات التى قد تنتقل للإنسان، وهو ما يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعى والانقسام بين تيارين؛ تيار جمعيات الرفق بالحيوان الذى يتمسك بالمنظور الأخلاقى وحق الحيوان فى الحياة، وتيار المتضررين والمواطنين الذين يطالبون بحلول جذرية وسريعة لتأمين حياتهم وأبنائهم.
هذا الانقسام يتطلب تدخلاً حكومياً ذكياً يتبنى استراتيجيات مواجهة توازن الكفة، حيث تبرز هنا عدة خيارات منها التخلص الجسدى الذى قد يبدو رخيصاً فى المدى القصير لكنه فاشل علمياً بسبب ظاهرة «الفراغ البيولوجى» التى تؤدى لظهور أجيال أكثر شراسة، وبين استراتيجية التعقيم والتطعيم (TNVR) التى تعد مكلفة جداً فى مراحلها الأولى لكنها توفر المليارات مستقبلاً، وبين خيار الملاجئ الذى يظل حلاً مثالياً من الناحية الإنسانية لكنه يواجه عوائق لوجستية ومالية هائلة عند محاولة تطبيقه على ملايين الكلاب.
وفى السياق المصرى تحديداً، تكشف الأرقام الرسمية الصادرة حتى عام 2025 عن واقع مثير للقلق، حيث سجلت وزارة الصحة والسكان حوالى 1.4 مليون حالة عقر، وهو رقم يمثل طفرة مرعبة مقارنة بالأعوام السابقة التى كانت تسجل فيها الحالات نحو 400 إلى 600 ألف حالة فقط، هذا التصاعد المستمر يضع ضغطاً هائلاً على الموارد الصحية، إذ إن كل حالة عقر تطلق بروتوكولاً علاجياً مكثفاً يتكون حالياً من 4 جرعات أساسية توزع على توقيتات زمنية محددة لضمان عدم تطور الفيروس، وقد بلغت تكلفة توفير هذه الأمصال واللقاحات البشرية وحدها حوالى 1.7 مليار جنيه مصرى فى عام واحد، وهو مبلغ كان يمكن توجيهه لتطوير البنية التحتية الصحية فى مجالات أخرى لولا تفاقم هذه الأزمة، وتعمل الدولة من خلال أكثر من 320 مركزاً متخصصاً على مستوى الجمهورية لاستقبال المصابين وتقديم الخدمة المجانية لهم، مما يجعل الدولة تتحمل العبء الأكبر فى هذه المواجهة، بينما يظل الجانب الوقائى المتمثل فى تطعيم الكلاب نفسها يواجه فجوة كبيرة، حيث إن الأعداد المقدرة للكلاب الضالة فى شوارع مصر تتراوح بين 11 إلى 15 مليون كلب، فى حين أن ما يتم تطعيمه فعلياً لا يتجاوز مائة وعشرين ألف كلب سنوياً، مما يترك الملايين دون تحصين ويزيد من احتمالية انتشار العدوى.
إن الفجوة الرقمية بين عدد الكلاب الضالة وبين قدرات التطعيم والتعقيم الحالية تشير إلى ضرورة البحث عن حلول غير تقليدية، فالملاحظة الأهم هى أن الكلاب مسئولة عن نحو 90فى المائة من حالات الإصابة بمرض السعار فى مصر، وأن الوفيات التى تسجل سنوياً وتصل لنحو 50 حالة غالباً ما تنتج عن الجهل بخطورة الموقف أو التأخر فى تلقى المصل. ومن هنا، لا يمكن فصل الحل المستدام عن ضرورة وجود استراتيجية وطنية شاملة تبدأ من تقنين ملكية الحيوانات الأليفة فى المنازل ومنع التخلى عنها، إذ إن جزءاً كبيراً من مجتمع الكلاب الضالة ينشأ من كلاب منزلية تم طردها أو هربت وتكاثرت فى الشوارع. كما أن إدارة النفايات الصلبة تلعب دوراً محورياً؛ فالكلاب الضالة لا تستوطن إلا الأماكن التى تجد فيها مصدراً مستمراً للغذاء، وبالتالى فإن تنظيف الشوارع وإحكام غلق صناديق القمامة سيؤدى بشكل طبيعى إلى هجرة هذه الحيوانات بعيداً عن الكتل السكنية أو انخفاض معدلات تكاثرها نتيجة نقص الموارد الغذائية، وهذا يتطلب تكاتفاً بين وزارة الصحة، ووزارة البيئة، والتنمية المحلية، والجمعيات الأهلية، لخلق بيئة طاردة للظاهرة بدلاً من الحلول التى تكتفى بمعالجة العرض دون المرض.
وبالانتقال إلى التجارب الدولية، نجد نماذج ملهمة استطاعت تجاوز هذه الأزمة بكفاءة، وعلى رأسها النموذج الهولندى الذى جعل هولندا أول دولة فى العالم خالية تماماً من كلاب الشوارع دون اللجوء لعمليات القتل الممنهج، اعتمدت هولندا على استراتيجية (CNVR) التى تعنى الجمع والتعقيم والتطعيم ثم الإعادة، ولكن السر لم يكن فى هذه العملية فقط، بل فى حزمة من التشريعات الصارمة التى شملت فرض ضرائب تصاعدية ومرتفعة جداً على شراء الكلاب ذات السلالات النقية من المتاجر، وفى المقابل جعلت تبنى الكلاب من الملاجئ مجانياً أو بتكلفة زهيدة جداً، مما غير ثقافة المجتمع نحو التبنى، كما فعلت هولندا قوانين تجرم التخلى عن الحيوانات فى الشوارع بعقوبات تصل للحبس لسنوات وغرامات مالية باهظة، مما جعل امتلاك حيوان أليف مسئولية قانونية كبرى لا يستهان بها، وهذا النموذج يوضح أن الحل يبدأ من”المنبع” ومن سلوك الإنسان نفسه قبل أن نلوم الحيوان الذى وجد نفسه فى الشارع بدافع الغريزة والحاجة للبقاء.
أما فى قارة آسيا، فقد قدمت مملكة بوتان تجربة فريدة أعلنت نجاحها الكامل فى عام 2023، حيث تمكنت من تعقيم وتطعيم 100فى المائة من كلاب الشوارع لديها، والبالغ عددها نحو 150 ألف كلب. اعتمدت «بوتان» على الشراكة الدولية مع منظمات عالمية متخصصة لتدريب الكوادر البيطرية المحلية، واستخدمت التكنولوجيا الرقمية عبر تركيب «ميكروتشيب» لكل كلب يتم التعامل معه لضمان وجود قاعدة بيانات دقيقة تمنع تداخل العمليات أو إهمال أى منطقة جغرافية، هذا الالتزام السياسى القوى والمستند إلى قيم دينية وثقافية تحترم الحياة، أثبت أن الإرادة والإدارة العلمية يمكنهما القضاء على الأزمة حتى فى الدول ذات الإمكانيات المحدودة. وفى المقابل، نجد التجربة التركية التى تمر حالياً بمرحلة تحول جذرى ومثير للجدل؛ فبعد سنوات من سياسة «عقم وأطلق» التى جعلت الكلاب جزءاً من الثقافة البصرية لمدن مثل إسطنبول، اضطرت الحكومة فى عام 2024 و2025 لإقرار قوانين أكثر صرامة تسمح بجمع الكلاب فى ملاجئ كبرى، مع خيارات صعبة مثل القتل الرحيم للحالات العدوانية أو المريضة، وذلك تحت ضغط زيادة حوادث العقر ووصول أعداد الكلاب إلى نحو 4 ملايين كلب، مما يوضح أن التأخر فى الحسم يؤدى بالضرورة إلى اتخاذ قرارات مؤلمة لاحقاً.
وفى ألمانيا، تبرز ثقافة «صفر ملاجئ قتل»، حيث تعتمد الدولة على نظام ضريبى ورقابى محكم يجعل من الصعب جداً رؤية كلب ضال فى الشارع، «رخصة الكلب» هى وثيقة أساسية يلتزم بها كل صاحب حيوان، والضرائب المحصلة منها تذهب مباشرة لتمويل الملاجئ وتطوير الخدمات البيطرية، فالملاجئ فى ألمانيا ليست مجرد أماكن احتجاز، بل هى مراكز تأهيل سلوكى تهدف لإعداد الكلب للعيش فى أسرة جديدة، وهى تدار بتمويل مشترك بين الدولة والتبرعات الشعبية الضخمة. هذا النموذج يعزز فكرة المسئولية المشتركة بين الفرد والدولة، ويحول ملف الكلاب من عبء مالى إلى منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تخلق فرص عمل وتدعم قطاع البيطرة والصناعات المرتبطة بمستلزمات الحيوانات، وهو ما يثبت أن التعامل الراقى مع الملف يمكن أن يعود بالنفع الاقتصادى أيضاً إذا ما أُدير بعقلية استثمارية وتنظيمية صحيحة.
وبالعودة إلى الواقع المصري، نجد أن الدروس المستفادة من هذه التجارب تؤكد أن التعقيم وحده، رغم أهميته، لن يكون كافياً ما لم يصاحبه إطار تشريعى وقانونى يضبط العلاقة بين المواطن وحيوانه الأليف. إن انتشار ظاهرة «مزارع الكلاب» غير المرخصة وتجارة السلالات الشرسة فى غياب الرقابة يغذى الشوارع باستمرار بدماء جديدة من الكلاب التى قد تتحول إلى ضالة عند أول بادرة عجز من صاحبها عن إطعامها أو السيطرة عليها. لذا، فإن فرض رسوم ترخيص وتوفير قواعد بيانات تعتمد على الشريحة الذكية هو خطوة لا غنى عنها للسيطرة على الأعداد. كما أن الإعلام عليه دور محورى فى توعية المواطنين بكيفية التعامل مع الكلاب الضالة لتجنب إثارة غريزة الهجوم لديها، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التى تؤدى أحياناً لتعذيب هذه الحيوانات مما يزيد من عدوانيتها تجاه البشر، فالوعى المجتمعى هو خط الدفاع الأول الذى يقلل من فاتورة العلاج الباهظة.
علاوة على ذلك، يجب النظر إلى ملف الكلاب الضالة كفرصة لتطوير البحث العلمى والإنتاج المحلى للأمصال واللقاحات، إن الاعتماد على الاستيراد لتوفير 1.4 مليون جرعة سنوياً يمثل استنزافاً للعملة الصعبة، بينما يمكن توطين هذه الصناعة محلياً، مما يوفر التكلفة ويخلق قاعدة صناعية طبية قوية. كما يمكن تحويل الملاجئ إلى مراكز تدريبية لطلاب الطب البيطري، واستغلال المساحات الصحراوية البعيدة عن العمران لإنشاء محميات طبيعية تخضع للإشراف البيطرى الكامل، حيث يتم عزل الكلاب الشرسة أو تلك التى لا تصلح للعيش وسط الأحياء السكنية، مع ضمان حياة كريمة لها بعيداً عن الاحتكاك المباشر بالمواطنين، وهذا الحل يجمع بين البعد الإنسانى والأمنى ويقلل من احتمالية وقوع حوادث العقر فى المناطق المزدحمة.
ختاماً، إن مكافحة الكلاب الضالة هى معركة وعى وإدارة قبل أن تكون معركة إمكانيات مادية. إن التكلفة الأكبر ليست فى المليارات التى تُنفق على الأمصال، بل هى فى إهمال الملف الذى يؤدى لتآكل الثقة فى أمن الشوارع وسلامة الأطفال.
إننا أمام فرصة لصياغة نموذج مصرى خاص يستفيد من تجارب هولندا فى التشريع، ومن «بوتان» فى الحسم والرقمنة، ومن ألمانيا فى المسئولية المجتمعية، ليتحول هذا الملف من أزمة تؤرق المجتمع وتستنزف الاقتصاد إلى منظومة حضارية تعكس رقى الدولة وقدرتها على إدارة مواردها وحماية مواطنيها مع الحفاظ على قيم الرحمة والإنسانية. إن الهدف النهائى هو الوصول إلى شوارع آمنة وخالية من السعار، وهو هدف يتطلب نفساً طويلاً وتعاوناً وثيقاً بين كافة أجهزة الدولة والمجتمع المدنى، لأن البديل هو استمرار النزيف المادى والبشرى الذى لا يمكن لأى مجتمع طامح للتنمية أن يتحمله لفترات طويلة.