رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«ترامب» و«شى» قمة المصالح والصفقات


22-5-2026 | 12:16

.

طباعة
تقرير: أمانى عاطف

فى توقيت حساس يشهد تعقيدات بين الولايات المتحدة والصين وتوترًا متصاعدًا بين واشنطن وطهران، هبطت الطائرة الرئاسية الأمريكية على الأراضى الصينية، قبل أن يترجل منها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى أول زيارة له إلى «بكين» منذ نحو تسع سنوات. وعلى طاولة ثقيلة مليئة بالملفات الكبرى، جلس «ترامب» ونظيره الصينى شى جين بينغ، وتناولت الصحف الأمريكية والعالمية الزيارة باعتبارها اختبارًا مهمًا للعلاقات بين أكبر اقتصادين فى العالم، مع تركيز واضح على ملفات التجارة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعى، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية المرتبطة.

 

حظى «ترامب» باستقبال رسمى وشعبى حاشد فى مطار بكين الدولى، حيث كان نائب الرئيس الصينى هان تشنغ فى مقدمة مستقبليه، وسط مراسم عسكرية مهيبة شملت استعراض حرس الشرف وعزف الأناشيد الوطنية، وتعاملت «بكين» مع الزيارة باعتبارها واحدة من أكثر الزيارات الدبلوماسية حساسية خلال السنوات الأخيرة، ما دفع السلطات الصينية إلى فرض إجراءات أمنية وتنظيمية واسعة النطاق فى محيط المواقع المرتبطة بتحركات الرئيس الأمريكى والوفد المرافق له، ورافق «ترامب» فى زيارته إلى بكين نجله إريك ترامب، إلى جانب عدد من أبرز قادة شركات التكنولوجيا الأمريكية، من بينهم الرئيس التنفيذى لشركة تسلا، إيلون ماسك، ورئيس شركة إنفيديا، جنسن هوانغ.

ورأت معظم الصحف الأمريكية أن زيارة «ترامب» إلى الصين لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل محاولة لإدارة التنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين فى العالم عبر لغة «المصالح والصفقات»، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وركزت الصحف الأمريكية كذلك على أجواء «المديح المتبادل» بين «ترامب» وشى جين بينغ، فقد نقلت تقارير أن ترامب وصف الرئيس الصينى بأنه «قائد عظيم»، وأكد أن العلاقات بين البلدين يمكن أن تصبح «أفضل من أى وقت مضى»، بينما تحدث «شي» عن «علاقة استراتيجية مستقرة وبنّاءة» بين القوتين.

مثلما كانت الحفاوة حاضرة فى لقاء «ترامب» و«شي»، فإن التحذيرات هى الأخرى وجدت لها حيزًا على طاولة المحادثات، فخلال الجلسة الثنائية، استهل الرئيس الصينى اللقاء بتحذير لافت ومثير للجدل تصدر محركات البحث سريعًا، وتناولته العديد من الصحف الأمريكية والعالمية، وهو «فخ ثيوسيديدس _ Thucydides Trap، فهو مصطلح مستوحى من الحروب الإغريقية القديمة، وصاغه الباحث الأمريكى جراهام أليسون، فى إشارة تاريخية إلى احتمالية اندلاع صراع عندما تشعر قوة كبرى بتهديد من قوة صاعدة.

هذا الاستحضار الفلسفى لم يكن مجرد ترف فكرى، بل جاء كتحذير استراتيجى مباشر من تداعيات التنافس المحموم بين القوتين الأكبر فى العالم، ومخاطر الانزلاق نحو صراع مسلح تغذيه هواجس القوة والهيمنة، وتأتى هذه التصريحات فى وقت تشهد فيه العلاقات الصينية الأمريكية تجاذبات حادة فى ملفات التجارة، والتكنولوجيا، والأمن الإقليمى فى بحر الصين الجنوبى، وقد سبق للرئيس الصينى استخدام هذا المصطلح عام 2014، بحسب ما ذكرته وكالة «بلومبيرج».

وتصدرت عناوين الصحف تحذير الرئيس شى، الذى تساءل عما إذا كان بإمكان البلدين تجنب هذا السيناريو وبناء نموذج جديد للعلاقات الدولية. وبالنسبة لترامب، الذى بدا غير متأثر بإشارة شى الكلاسيكية، فقد كان رده مليئًا بالثناء، وأشاد بحفاوة الاستقبال، واصفًا إياه بأنه «شرف لم يشهده إلا القليلون من قبل».

وتحت عنوان «جواسيس، عقوبات، هجمات إلكترونية: صدام بين الصين والولايات المتحدة خلف الكواليس»، أشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أنه بعد أشهر من تجنب المواجهة، اتخذت إدارة ترامب مؤخرًا خطوات لانتقاد الصين بشأن إيران، والذكاء الاصطناعى، والتجسس.

كما أثارت الصحف الأمريكية ملف مبيعات الأسلحة الحساس لتايوان، مشيرة إلى أن بكين تترقب بوضوح موقف ترامب من قضية تايوان، وهو الملف الذى يمثل «الخط الأحمر» للقيادة الصينية، حيث تسعى واشنطن لموازنة دعمها لحلفائها فى المحيط الهادئ مع الحفاظ على علاقة مستقرة مع الصين تضمن عدم الانزلاق نحو مواجهة عسكرية محتملة. وتُعد مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان نقطة توتر بين البلدين، ما أثار ردًا حادًا من بكين، التى اتهمت الولايات المتحدة بانتهاك مبدأ «الصين الواحدة»، وحذرت من أن محاولات «احتواء الصين» عبر «تايبيه» محكوم عليها بالفشل.

وبدورهما، استعرضت صحيفتا «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال» تحذير الزعيم الصينى شى لترامب من أن تايوان «هى القضية الأهم فى العلاقات الصينية الأمريكية»، وأنها قد تخلق «وضعًا خطيرًا للغاية» إذا أُسيء التعامل معها، مؤكدًا أن «استقلال تايوان والسلام عبر مضيق تايوان أمران لا يمكن التوفيق بينهما كالنار والماء»، وسلطتا الضوء على التوترات التى تكتنف قمة بكين، حيث تُلقى الحرب مع إيران وتصاعد التوترات التجارية بضغوط جديدة على واشنطن وبكين لتحقيق استقرار العلاقات.

وأشارت «وول ستريت جورنال» إلى سعى كل من «ترامب» و«شي» إلى استمرار العلاقات الأمريكية الصينية، ولكن الزيارة المنسقة أخفت خلافات كبيرة بين البلدين، ونشرت «نيويورك تايمز» أن «ترامب» و«شي» يشددان على الاستقرار دون الإعلان عن أى اختراقات كبيرة، ومع مغادرة الرئيس ترامب بكين، لم تكن هناك أى مؤشرات على أنه وشى قد توصلا إلى حل لأى من نقاط الخلاف الرئيسية بشأن التجارة أو إيران أو غيرها من القضايا. بينما أشادت وكالة «بلومبيرج» بالقمة بين الرئيسين، ووصفتها بأنها «تاريخية»، وأنها حققت العديد من النتائج.

ووصفت شبكة «فوكس نيوز» مشهد الاستقبال بأنه استعراض للقوة الدبلوماسية، ووضعت عنوانًا: «حظى ترامب باستقبال حافل فى الصين، لكن زيارته السابقة لبكين تُظهر أن المظاهر الاحتفالية لها حدود»، وأشار المقال إلى أن الرئيس رافقه حرس شرف عسكرى وفرقة موسيقية وأطفال يلوحون بالأعلام الأمريكية والصينية، وذلك قبيل محادثات بالغة الأهمية مع الرئيس الصينى شى، كما سلط هذا الاستقبال الضوء على التساؤل الأهم حول عودة ترامب إلى الصين، وهو ما إذا كانت هذه الزيارة ستحقق تقدمًا أكثر استدامة من زيارته عام 2017، التى شهدت إعلانات تجارية مهمة، ولكن أعقبها تدهور حاد فى العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

وبرزت «سى إن إن» الأمريكية بتقرير بعنوان: «الناخبون الأمريكيون الغاضبون العامل الحاسم فى اجتماع ترامب المحفوف بالمخاطر مع شي»، ونشرت تقريرًا بعنوان: «مظاهر الفخامة والاحتفال: بالنسبة للمسئولين الصينيين الذين يستعدون لزيارة ترامب، كل ثانية مهمة»، وأشارت إلى أن «ترامب» لم ينتظر طويلاً للتعبير عن أهدافه، حيث صرح فور وصوله بأن تعزيز وجود الشركات الأمريكية فى الصين يتصدر قائمة مطالبه، وهو ما تقابله بكين بحذر ممتزج بالرغبة فى جذب التكنولوجيا الغربية.

فى هذا السياق، تحدثت رقية سويدان، نائبة رئيس معهد شئون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى واشنطن، أن «بعض أعضاء الكونجرس وقطاعات من الشعب الأمريكى أبدوا شكوكًا، وواصل الجمهوريون المتشددون تجاه الصين التعبير عن مخاوفهم بشأن تايوان، وصادرات الفنتانيل، والمنافسة التكنولوجية، وعمليات النفوذ الصينية، مؤكدين أن بكين لا تزال خصمًا استراتيجيًا طويل الأمد رغم النبرة الأكثر دفئًا التى سادت القمة. أما بين عامة الشعب، فتشير استطلاعات الرأى التى استشهدت بها الإذاعة الوطنية العامة (NPR) ومجلس شيكاغو للشئون العالمية إلى أن الأمريكيين ما زالوا ينظرون إلى الصين، فى الغالب، كمنافس اقتصادى. وفى الوقت نفسه، وفقًا لتلك الاستطلاعات، يعارض 58 فى المائة زيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، بينما يؤيد نحو 70 فى المائة خفض الرسوم الجمركية مقابل زيادة مشتريات الصين من السلع الأمريكية».

وتابعت أن «الرأى العام تأثر بالحرب الإيرانية المستمرة والمخاوف بشأن الاقتصاد العالمى، ويبدو أن تركيز كثير من الأمريكيين منصب على التضخم، وأسعار البنزين، ومخاوف اتساع نطاق الصراع الإقليمى، أكثر من تركيزهم على رمزية قمة الصين نفسها. وأشارت «رويترز» إلى أن الضغوط الاقتصادية الداخلية المرتبطة بالصراع فى الشرق الأوسط قد طغت، إلى حد ما، على الزيارة من الناحية السياسية. وعمومًا، يبدو أن هناك تأييدًا واسعًا لتجنب المواجهة المباشرة مع الصين، ولكن فى الوقت نفسه، ثمة شكوك واسعة النطاق حول ما إذا كان أى من الطرفين قد غيّر مساره بشكل جذرى خلال هذه الزيارة».

وعن كيفية تناول وسائل الإعلام الأمريكية زيارة الرئيس ترامب للصين، أوضحت «رقية» أن «التغطية الإعلامية الأمريكية ركزت بشكل كبير على القمة باعتبارها محاولة لتحقيق الاستقرار فى العلاقات الأمريكية - الصينية بعد أشهر من تصاعد التوترات المتعلقة بالنزاعات التجارية، وتايوان، والصراع الإيرانى، ورأى محللون، استشهدت بهم وسائل إعلام مثل رويترز وواشنطن بوست، أن الاجتماعات لم تكن تهدف إلى تحقيق اختراق تاريخى بقدر ما كانت تهدف إلى منع مزيد من التدهور فى العلاقات بين أكبر اقتصادين فى العالم».

وأضافت أن «وسائل الإعلام المحافظة، بما فيها فوكس نيوز، شددت على الاستقبال الرسمى الفخم الذى حظى به ترامب فى بكين، وعلى دبلوماسيته الشخصية مع شى جين بينغ، وعلى إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية مثل استئناف الحوار التجارى وشراء الصين كميات كبيرة من طائرات بوينج. ولكن، فى المقابل، ركزت التعليقات الليبرالية والوسطية بشكل أكبر على تحذيرات شى بشأن تايوان، وتساءلت عما إذا كانت القمة قد أسفرت عن استعراضات أكثر من إنجازات سياسية جوهرية».

وتابعت: كما ربط العديد من المعلّقين القمة بالتداعيات الجيوسياسية الأوسع نطاقًا لحرب إيران. وكان من بين الحجج المتكررة فى التحليلات الأمريكية أن واشنطن بحاجة حاليًا إلى تعاون بكين فى قضايا مثل إيران، وأسواق الطاقة، واستقرار التجارة العالمية، ما قد يمنح الصين نفوذًا إضافيًا فى المفاوضات. وعلى نطاق واسع من الطيف السياسى، وصف محللو السياسة الخارجية الزيارة بأنها محاولة لخفض التصعيد وليست اختراقًا دبلوماسيًا جذريًا.

وأشارت «رقية» إلى أنه «من نواحٍ عديدة، حقق ترامب ما يريده من الزيارة. وكان من أبرز إنجازات ترامب إعادة فتح قنوات الحوار رفيعة المستوى فى وقت تصاعدت فيه حدة التوتر والانقسام فى العلاقات الأمريكية الصينية. ولاحظ المحللون أن كلتا الحكومتين أبدت اهتمامًا باستعادة التواصل المستقر بين الزعيمين، كما دعا ترامب شى جين بينغ إلى واشنطن فى وقت لاحق من هذا العام، فى إشارة إلى استمرار الجهود الدبلوماسية بدلاً من الانفصال الاقتصادى التام، كما ظهرت مؤشرات على إحراز تقدم فى ملفى التجارة وسلاسل التوريد. وأشارت التقارير إلى أن الجانبين يدرسان تمديد الهدنة المتعلقة بالمعادن الأرضية النادرة وضوابط التصدير، التى كانت تحت ضغط فى الأشهر الأخيرة. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن الصين لا تزال تهيمن على إمدادات المعادن الحيوية الضرورية للصناعات الأمريكية فى مجالات الطيران، والإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، والدفاع».

واختتمت «رقية» حديثها بأن «القمة أسفرت، على ما يبدو، عن تعاون، ولو محدوداً، بشأن أزمة الشرق الأوسط. وصرح ترامب بأن شى جين بينغ تعهد بأن الصين لن ترسل أسلحة إلى إيران، وأعرب عن دعمه لإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا والحد من مخاطر التصعيد. وهذا الأمر بالغ الأهمية لأن واشنطن تسعى جاهدة لمنع اتساع نطاق الصراع الإيرانى ليتحول إلى أزمة إقليمية وطاقية أوسع. وفى الوقت نفسه، لم تسفر الزيارة عن أى اختراقات فى أصعب القضايا الاستراتيجية.

بدوره، أوضح الدكتور إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية فى جامعة مورى ستيت، أن «الزيارة مهمة، وهناك علاقة معقولة بين الصين والولايات المتحدة، وكان هناك مَن يدعو إلى القطيعة (decoupling)، ولكن سياسة أمريكا هى (uncoupling)، أى تقليل الاعتماد على الصين. فالقطيعة مكلفة جدًا وغير واقعية كخيار، وكذلك المواجهة العسكرية المباشرة».

وتابع أن «هناك ملفات عالقة، وليست هناك أسباب قطعية للتشاؤم أو التفاؤل. فهناك علاقة مصالح، وترامب ذهب ليأخذ ويعطى، فهو يعتبر الصين عقلانية ويمكن التفاهم معها مقارنة بمَن يقودون إيران»، مضيفًا أنه «لا جديد بالنسبة لتايوان، فهى ثابتة فى سياسة الصين وفى سياسة أمريكا، حيث يوجد قانون أمريكى يحدد العلاقة مع تايوان. والصين تفتح دائمًا موضوع تايوان لأسباب داخلية تتعلق بشرعية النظام والوطنية الصينية، وموضوع تايوان أساسى يوحد كل الصينيين. الصين تريد أشياء من أمريكا، وأيضًا أمريكا تريد من الصين، وفن الصفقة عند ترامب أن يعطى ويأخذ، والعلاقة التجارية أساسية بينهما».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة