التجاوب الشديد والسريع الذى أبداه المصريون مع موكب رجال الصاعقة نهاية الأسبوع الماضى يستحق التوقف والتأمل.. ما حدث كان تدريبا.. اختراق ضاحية.. لرجال الصاعقة، مر فى صباح باكر بشوارع مدينة العبور، المدينة الهادئة وهى على أطراف القاهرة.. واحدة من مدن عديدة أنشأتها مصر بعد انتصار أكتوبر العظيم سنة 1973 وحملت هذه المدينة أو الضاحية اسم العبور.
تدريب اختراق الضاحية هو تدريب معتاد فى القوات المسلحة، يعرفه معظمنا، ذلك أن كل من جند فى القوات المسلحة لابد أن يكون قد مر بهذا التدريب ويعرفه، فى العادة يجرى فى الأماكن الصحراوية وعلى أطراف المدن، حتى لا يتعطل السير ولا المرور، وعادة يكون فى الصباح الباكر أو مع أول ضوء.. موكب أو تدريب رجال الصاعقة بأناشيدهم وعباراتهم الحماسية، هزت مدينة العبور، وتأمل الناس المشهد من الشرفات والمنافذ بفخر واعتزاز، ثم قاموا بتصوير المشهد وتقديمه عبر وسائل التواصل، فكان هذا التجاوب الهائل.. التلقائى والصادق.
كشف التجاوب حالة من الفخر والاعتزاز بالجيش ورجاله، والحق أن هذا الاعتزاز كان موجوداً طوال الوقت، لم يتزعزع لدى المصريين، الذين راهنوا فى المواقف الصعبة وفى الأزمات على جيشهم، وكانوا صادقين ومحقين أيضاً، فقد أثبت هذا الجيش أنه دائماً، جيش الوطن والوطنية المصرية، أو كما قال الرئيس السادات فى خطابه يوم 16 أكتوبر سنة 1973 «درع وسيف» للمصريين.
والحق أن هناك من حاول اختراق وعى المصريين وتسميم ذلك الوعى تجاه الجيش، بمقولة إن الجيش لديه مصنع مكرونة، وهكذا كلمات ساذجة ومغرضة قيلت كثيراً، وكان الهدف تجريد المصريين من «الدرع والسيف» ليسهل السيطرة عليهم والمرور إلى حيث ابتغى هؤلاء كانت تلك هى السنوات التى حاولوا فيها تزييف الوعى، وكانوا يرون أن الجيش عقبة أمامهم، لكن الوجدان المصرى نبذ تلك الدعاوى ورفض من قالوا بها، فاضطر كبيرهم إلى مغادرة مصر، ومن مفاجآت التاريخ، أو مكر التاريخ كما يرى الفيلسوف الألمانى هيجل، أن معظم الذين كانوا يتبنون تلك الآراء الفجة، غادروا مصر.. لفظتهم الأرض الطيبة المباركة.
كنا بإزاء مجموعتين، الأولى.. أولئك الذين كانوا يرددون دعاوى العولمة وأن الجيوش يجب أن يخف وجودها ويخفت صوتها، رغم أن الدولة الأولى عالمياً، يتباهى رؤساؤها دائماً أن لديهم أقوى جيش فى العالم، تجاوزت ميزانيته تريليون دولار، أى ألف مليار دولار، ولدى ذلك الجيش مؤسسات إنتاجية، تقدم للمدنيين السيارات والملابس وغيرها، وهكذا أرادوا أن يحرموا على مصر والمصريين ما تبيحه العولمة لدولها.. وهنا يكون التساؤل الكبير.. لماذا.؟!
الثانية.. مجموعات الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، التى انطلقت من جماعة إخوان البنا، هؤلاء كان ومازال شعارهم «نحكمكم أو نحرقكم»، وإذا كان الشعب المصرى رفض بالإجماع مقولة «نحكمكم» فإن الجيش هو الذى تصدى ومازال يتصدى لفكرة أو شعار «نحرقكم».
دعاوى ومزاعم الفريقين ضد فكرة الجيش ودوره، تصدى لها المصريون، أسقط المصريون تلك المزاعم ومن قال بها، وضعوا ثقتهم فى الجيش، الذى قام بواجبه الوطنى المعهود.
غير أن السنوات الأخيرة، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن وجود الجيش وقوته، ضرورة وجودية للدولة وللشعب، إنها مسألة حياة أو موت.. تتابع الأحداث منذ السابع من أكتوبر 23 وحتى يومنا هذا، أكدت للجميع تلك الحقيقة، سواء على مستوى مصر وبلاد المنطقة أو حتى على مستوى العالم. الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية لم تعول كثيراً على جيوشها واعتمدت على حلف الناتو، ثم جاءت الحرب الروسية – الأوكرانية، ليكتشفوا معها أنهم بحاجة إلى إعادة الاهتمام بالجيوش، تكويناً وتدريباً وتسليحاً، ثم جاء الصدام مع الرئيس دونالد ترامب ليتأكد لديهم أنه لا بديل عن وجود جيش وطنى قوى ومحترف لدى كل دولة، ضاعفوا الميزانيات واهتموا بالصناعات العسكرية وكل مستلزمات الجيوش.
كان البعض يردد حكايات عن ألمانيا وعن اليابان، التى استغنت كل منهما عن الجيش وتفرغت للتنمية، وتناسى هؤلاء أن اليابان – وألمانيا كانتا مهزومتين فى الحرب العالمية الثانية وأن عدم الاهتمام بالجيش، كان أحد شروط الدول المنتصرة عليها بعد انتهاء الحرب، لكن حالياً كل دولة منهما تعيد النظر فى هذه المسألة – ألمانيا تحديداً، رغم أن ألمانيا لم تهمل تماماً الصناعات العسكرية، لديها أقوى وأحدت غواصات.
فى منطقتنا الأمر أشد وضوحاً، دول الخليج العربى، لديها مشاريع تنموية وسياسية، وكانت منخرطة كلياً فى هذا الجانب، لكنها لم تهمل الجانب الدفاعى، وكان البعض يتساءل لماذا كل هذا الاهتمام بالتسليح وصفقات السلاح؟، تصور البعض أنها عملية تبذير، لكن فى لحظة تعرضت هذه الدول لهجمات غاشمة من إيران، ولولا أن لدى تلك الدول أنظمة دفاع جوى قوية وحديثة، لكان الخطر مضاعفاً.
ومالنا نذهب بعيداً، لبنان الشقيق، حالة ماثلة أمامنا، حين ضعف الاهتمام بالجيش اللبنانى.. ولم يتم تسليحه بالشكل الكافى ولا زيادة أعداده، صار لبنان هدفاً للغارات الإسرائيلية، الأمر الذى أدى إلى ظهور الجناح العسكرى لحزب الله، الذى أخذ البلاد إلى معارك وصراعات لا تخصهم ولا ترتبط بهم فى المقام الأول.
تأمل كل دول المنطقة من السودان جنوباً وحتى ليبيا غرباً وصولاً إلى المحيط الأطلنطى.
آخر ما ظهر لنا فى الأسابيع الأخيرة، أن إسرائيل أقامت سراً قاعدة حربية فى صحراء النجف بالعراق الشقيق، اكتشف الأمر أحد رعاة الأغنام، الراعى لاحظ وجود منشأة حربية وأفرادها ليسوا من أبناء بلده ولا جيش الوطن، فأبلغ الجهات الرسمية – لماذا حدث ذلك ومتى وكيف حدث -؟! المعنى الوحيد أن تلك نتيجة ضرب الجيش العراقى وإضعافه وتغيير بنيته منذ سنة 2003، ونتذكر كيف كان الجيش العراقى قبلها وكيف كان العراق حصيناً ومؤمناً لا يسهل اختراقه.
هذه الشواهد كلها تؤكد على معنى واحد، هو أن الشعب المصرى كان محقا ومازال فى تمسكه واعتزازه بالجيش.. جيش الشعب والوطن.
وحين اتجه الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى تنويع مصادر السلاح لدى الجيش فى السنوات الأخيرة، والاهتمام بالتدريب والتطوير، فإن ذلك الاتجاه وجد مساندة قوية من الشعب، دعنا الآن من دعاة العولمة واللا وطنية ولنهمل مزاعم الميليشيات وعصابة نحكمكم أو نحرقكم، هؤلاء لن يسعدهم وجود جيش وطنى بالأساس.. ثبت لنا أن القائد الأعلى للقوات المسلحة، كانت لديه رؤية استباقية ويدرك جيداً المخاطر المحيطة بنا، وأن الجيش القوى والحديث لا غنى عنه، اليوم صحت توقعات الرئيس السيسى وصحت مخاوفه التى كان يحذر ويتحسب منها، فى لحظة انفجرت المنطقة برمتها، وبلا جيش وطنى قوى، أنت معرض لميليشيات الإرهاب ومسيرات الأعداء وغارات الألداء.
الاعتزاز بالجيش المصرى تؤكده الشواهد الحاضرة والموقف فى المنطقة وفى العالم، لكنها ليست السبب المباشر له، الأسباب هنا، وطنية ومحلية مصرية بامتياز.
منذ أن تأسس الجيش فى مصر الحديثة، أيام محمد علي، سنة 1811 وحتى الآن كان الجيش طوال الوقت ركنا ركينا فى بناء الدولة والمجتمع، وقد لا يعرف كثيرون أن العديد من المؤسسات الحديثة نشأت ونمت فى أحضان الجيش، بدءاً من مدرسة الألسن، وهى منشأة ثقافية وتعليمية، وحتى الإجراءات والمنشآت الطبية والصحية، بل إن مفهوم المواطنة بالمعنى الحديث، تكون من خلال الجيش، حينما أصر الوالى العظيم محمد سعيد – المظلوم تاريخياً – على تجنيد أبناء المصريين جميعاً، فالتقى المسلم والمسيحى واليهودى المصرى فى مؤسسة واحدة للمرة الأولى، وهكذا خرج المسيحى واليهودى من «مرحلة الذمية» بكل مفاهيمها وما تنطوى عليه إلى مرحلة الوطنية والمواطنة الرحبة.. التقى كذلك أبناء الوجه البحرى مع أبناء القبلى، ومع أبناء العاصمة وإذا رجعنا إلى قائمة بأسماء القادة الأوائل بالجيش وخلفية كل منهم، سوف تجد فيهم ذلك التكوين الوطنى الواسع الرحب.
ولما هزم الجيش فى معركة «التل الكبير» سنة 1882 ودخلت القوات البريطانية العاصمة تعامل الضمير المصرى بتقدير وتعاطف مع الجيش وقادته مثل أحمد عرابى ومحمود سامى البارودى وعلى فهمى ومحمد عبيد، وغيرهم، صحيح أن هناك أخطاء وقعت من بعضهم، لكن ذلك لم يغير فى الأمر شيئا.. ظلوا رموزاً وطنية فى الضمير المصرى الجمعى وحتى يومنا هذا، مقولة «الولس هزم عرابى» تكفى.
ولما وقعت هزيمة يونيه 1967، تألم الكثيرون وسخط البعض، لكن ثقة المصريين بجيشهم ظلت كما هى وبقى الرهان الوطنى عليه، ذلك أن الجيش لم يدخل معركة حقيقية ولم يقاتل، بل كان ضحية ظروف سياسية خاصة، وبالطبع مؤامرة دولية.. إيمان المصريين بهذا الجيش هو الذى مكنه من خوض حرب الاستنزاف ببسالة، بما مهد لعملية العبور العظيم يوم السادس من أكتوبر سنة 1973.
فى حرب الاستنزاف وكذلك معركة أكتوبر، كانت هناك بطولات خارقة لأبناء ورجال القوات المسلحة، كل فى مجاله، الحديث عنها يقتضى مجلدات ومجلدات، المجند الذى دمر وحدة (16) دبابة للعدو، الأبطال الذين رفعوا العلم المصرى على الضفة الشرقية أحدهم رحل عن عالمنا قبل أسبوعين، وهكذا.. وسط هؤلاء يبرز رجال الصاعقة، الذين اقتحموا سيناء قبل عملية العبور بليلتين فى عمليات إنزال جسورة وقاموا بعمليات واسعة وجريئة فى صفوف العدو، تمهيداً لزملائهم القادمين فور إنجاز العبور، مازالت تلك العمليات محفورة فى الوجدان، رغم تباعد السنوات وتعاقب الأجيال.
هؤلاء الأسود الذين قاموا باختراق الضاحية هم أبناء وأحفاد أولئك الأبطال، على الدرب جميعاً سائرون، بالوطن متمسكون وعنه مدافعون.. وفى الشارع أيضاً وقف يتابع الأبطال بفخر وإكبار أحفاد أولئك الذين ساندوا جيشهم لحظة الهزيمة سنة 1967.
أكرر أن اختراق الضاحية إجراء تدريبى معتاد لرجال وأفراد القوات المسلحة.. ولكن هذه المرة وفى هذه اللحظة التاريخية، يريد المصرى أن يؤكد اعتزازه وفخره بالجيش المصرى والوطن، وقد كشفت أحداث الحرب الأخيرة أن العالم العربى كله يعتز بهذا الجيش وينظر إليه بإكبار وتقدير كبيرين.. هذا التقدير ليس من فراغ، بل عن خبرة وعن تجربة تاريخية طويلة وعميقة.
وقد يسعفنا الفن والفكر والثقافة هنا.. فى سنوات الستينيات وفى باريس أصدر المفكر الراحل د. أنور عبدالملك، كتابه المتميز «المصريون والجيش.. مجتمع يبنيه العسكريون، كان الكتاب جزءاً من رسالته العلمية بجامعة السوربون» ثم ترجم إلى العربية ونشر أول مرة فى بيروت، ثم أعيدت طباعته فى مصر بعد ذلك.
النقاش الفكرى والثقافى حول كتاب أنور عبدالملك بين المثقفين العرب كشف مدى التقدير والاعتزاز لدى العرب بالجيش المصرى – الوطنى. وبعد معركة العبور العظيم، كتب الشاعر «أحمد فؤاد نجم» قصيدة تغنت بها الفنانة سعاد حسنى، جاء فيها «دولا مين دولا مين – دولا ولاد المصريين».
لم يكن أحمد فؤاد نجم رجل النظام ولا صديقاً له، بل يمكن القول إنه كان خصماً سياسياً عنيداً، لكنه كان وطنياً بامتياز، وهكذا جاءت قصيدته عن الجيش المصرى.. جيش العبور، الذى يتكون من أبناء المصريين جميعاً.
فى إسبرطة القديمة، كان رجال الجيش يشكلون طبقة خاصة، منعزلة عن الناس فى كل شيء، لذا لم يستمر طويلاً.. وفى بعض البلدان كان الجيش يعبر عن طائفة معينة من السكان أو طبقة بذاتها، وأحياناً كان الجيش يمثل النظام والنخبة الحاكمة فقط، فإذا تراجعت أو اختفت النخبة! اختفى معها وتبدد.. النماذج عديدة فى التاريخ القديم والحديث أيضاً، بل حتى فى زماننا.. لكن الجيش المصرى هو جيش المصريين جميعاً، جيش الشعب والوطن بالمعنى الحرفى والدقيق، ومن هنا الارتباط الوثيق بين الجيش والشعب واعتزازنا جميعاً وفخرنا به، لذا لا مبرر للاندهاش من هذا الاعتزاز وتلك السعادة بأبنائنا من رجال الجيش فى اختراق الضاحية.
حمى الله مصر جيشاً وشعباً.. أرضاً وبحراً وسماءً