هل هناك علاقة بين السفر والترحال والفلسفة؟.. قديمًا، زار فيثاغورث وأفلاطون مصر ونقلا الآراء لتصبح بعدها الفلسفة يونانية، جال هذا السؤال بذهنى، وتذكرت كذلك أنيس منصور، خريج الفلسفة، فقد كتب رحلات حول العالم، وكانت كتبه ممتعة حتى وإن اختلفت مع بعض آرائه، والآن أطلع على أحدث كتب أستاذة الفلسفة د. يمنى طريف الخولى فى ربوع المكسيك «تجولات فلسفية حول العالم»، وبينها عنوان فرعى وآفاق ما بعد الاستعمار، فهل انتهى الاستعمار فعليا؟.. هكذا بدأت القراءة للكتاب الصادر مؤخرا عن دار نشر نيو بوك للنشر والتوزيع.
أعرف د. يمنى طريف الخولى كما تؤكد دائما على نطق وكتابة اسمها، منذ أن أعطتنى بتمهيدى الماجستير مادة فلسفة العلم وخاصة النسوية، وأذكر أننى قلت لها: ولماذا لا تنطبق معايير فلسفة العلم النسوية على أن تكون هناك فلسفة تعليم نسوية؟ لأن فلسفة العلم النسوية اختصت بمرحلة ما البحث العلمى أى ما بعد التخرج، لم ترحب كثيرا بمقاربتى أو مشاغبتى، ولكننى أنجزت البحث كما ورد بذهنى فكرته والمقارنة الواجبة بالتعليم كذلك.
لذا قررت أن أخرج عن حرج الدراسة وأن أكتب عن كتابها الأخير لأنه على رؤى لعوالم بعيدة عنا، أو لم يكتب عنها كثيرا وأقدم ما يدور هناك فكريا وفلسفيا، والذى اخترت منه مقاربات فلسفية للمكسيك واليابان تحديدا لقلة معرفة القارئ المصرى بهما وأيضًا لأننى لم أزرهما رغم التجوال فى بلاد الله وبين المفكرين وشخصياتهم ومذاهبهم، ففى السفر سبع فوائد، ونقل المعرفة أحد أهم أركانها.
فى الكلمات الأولى بالافتتاحية والتى تحمل رقم واحد تذكر د. يمنى.. أنه فى ربوع المكسيك كانت مهمتى العلمية من منتصف سبتمبر 2023 إلى منتصف يناير 2024 بدعوة من جامعة خواريز المستقلة فى تاباسكو -تماثل مسمى جامعاتنا الحكومية- لتقديم المشورة فى تطوير برامج الدراسات العليا فى الفلسفة التطبيقية، وإلقاء محاضرات عامة، والجامعة التى تقع فى أكبر مدن المكسيك وعلى مقربة من حدودها مع الولايات المتحدة الأمريكية، صاحب زيارة د. يمنى كذلك لجامعة خواريز المكسيكية، هدفها جمع المادة العلمية لبحثها المقارن بين الفلسفة العربية وفلسفة أمريكا اللاتينية ما بعد الاستعمار، وللحقيقة مصطلح «ما بعد الاستعمار» هو بطاقة الهوية الفلسفية كما تريد الدكتورة يمنى لنفسها فهى بالكتاب تذكر ذلك أن «ما بعد الاستعمارية بطاقة لهويتى الفلسفية، لأنها ترى أن ما بعد الاستعمارية هى ذاتها ما بعد الحداثة وترى أن كليهما وجهان لعملة واحدة، يعنى ما بعد المركزية الأوروبية أو النموذج الغربى الذى لم يعد هو نموذج التقدم، وتستعرض من خلال هذا المفهوم تضمين فكرة التعددية الثقافية ومفهوم الفلسفة النسوية والتى أصدرت عنها كتابًا من جزأين صدرا عن عالم المعرفة بالعقد الماضى وتضمن جزءا عن المكسيك التى تراها أكثر دول أمريكا اللاتينية توهجًا فيما يخص ما بعد الاستعمارية، والمكسيك لم تتعرض للاستعمار الإسبانى 300 سنة -فقط بل الأمريكى كذلك، وتستعرض المؤلفة واقع حركة الأمريكيين ذوى الأصل الإسبانى وبروز تيار النسوية داخل هذه الحركة وبروز لاهوت التحرير مع العلمانية داخل هذه الحركات التى يمكن أن نطلق عليها حركات اجتماعية واحتجاجية ربطت ما بين العلمانية، أى فصل حكم الدين عن الدولة وليس التخلى عن الدين، وهذه الحركات انتشرت فى أمريكا اللاتينية، وارتبطت مع الدين أو الكاثوليك ولكن بشكل علمانى، فالعلمانية إذن ليست مفردة سيئة وتهمة، والحقيقة كنت أتمنى دراسات أكثر من جانب مفكرينا عن لاهوت التحرير وتطبيقاته لا سيّما التجربة بأمريكا اللاتينية وارتباطه بالعلمانية كما وجدنا نشرًا لكثير من أفكارهم بالتعليم، فنجد كتبًا عن أسماء مثل بولو فيرارى البرازيلى فيلسوف النظرية النقدية بالتعليم ولصالح التحرر والفقراء، فمثل هذه الدراسات مهمة للغاية للفكر والفلسفة والتعليم، وعلى ذكر التعليم تحدثت المؤلفة عن الهيمنة الأوروبية بأفكارها وبعنف بيداجوجى أى تربوى لتربية الآخر أو الجنس البشرى للحقاق بمسيرة التقدم وهذا صحيح بالفعل، ولكن أيضا هناك عوامل ذاتية لا يمكن إغفالها لا سيما من بعض النخب لتكريس هذه الأفكار والتعليم النخبوى، وهذا ما ذكرته برسالتى العلمية، فالنخب أسهمت بشكل أو بآخر فى تلك الهيمنة، وربما استمرارها رغم كل التضحيات المقدرة ضد الاستعمار، وهذه الحقيقة أن الاستعمار انتهى إلى حد ما بشكله القديم فيما عدا فى فلسطين الحبيبة، ورغم ذلك فإن حجم التطور الذى حدث ليس كما كان متوقعا. وهذا سؤال أعتقد أنه من الضرورة أن نتحاور حوله فى حقبة ما بعد الاستعمارية.
وتستمر رحلة الكاتبة فى المكسيك وعرضها لموضوعات المحاضرات ومنها محاضرة عن د. حسن حنفى حول التراث والتجديد، وتبقى عدم لقاء إنريكو دوسيل غصة لها، ودوسيل وهو مفكر وفيلسوف من أصل أرجنتينى هاجر إلى المكسيك وتوطن بها حتى أصبح رئيسًا لجامعتها، وأهمية دوسيل (1934- 2023) أننا فى منطقتنا، وحتى فى كلياتنا والأقسام العلمية المتخصصة، لا نعرف الكثير عنه وعن إنتاجه الفكرى وكذلك عن المفكرين والفلاسفة خارج المركزية الغربية، فدوسيل -كما تشير د. يمنى الخولى- كتب كتابًا عن اختراع الأمريكتين وعن فلسفة التحرير وأخلاقياته، وأهم إنجازاته هو مشروع تحرير المعرفة بمعنى الاستقلال المعرفى النسبى للبلدان بعد التحرر من الاستعمار، وأعتقد أن هذه هى التسمية الأدق لمرحلة ما بعد الاستعمار، لأن تسمية ما بعد الدائمة التكرار تطرح فكرة هل انتهى الاستعمار فعليا أم فقط تغيرت أشكاله وأدواته من السيطرة على الأرض إلى السيطرة الاقتصادية والتكنولوجية؟.. ولذلك فتعبير تحرير المعرفة أجده تعبيرًا دقيقًا للغاية عن الواقع، بل وعن المستقبل تحديدا، لأنه يرتبط بتحرير العقل نفسه من أى سطوة كانت بالماضى أو بغيره، وأتمنى أن أحصل على كتبه المترجمة.
من الأجزاء المهمة فى الكتاب التى اخترتها هى الجزء المتعلق باليابان وواقع الفلسفة بها، خاصة فى مدينة كيوتو وجامعاتها وهى العاصمة الثقافية لليابان، وحسنًا أن أوردت المؤلفة تاريخًا عن نهضة اليابان الحديثة، لا سيما أنها تماثل بداية التعليم الحديث والنهضة فى مصر فى القرن 19، وكيف كانت البدايات متشابهة، ونقلت لنا حوارًا مع أحد الطلاب النابهين والذى زار مصر والمنطقة كثيرا، ورده على تحفظ عدم حب أكل السوشي- السمك النيء، وبقوله المصريون يعشقون الفسيخ وهو سمك نيء كذلك، ومقاربات أخرى، لا سيما فى الرد على ممارسات الاستعمار ومنها اليابانى، فكان رده بمثال عن مشروع محمد على التوسعى، فماذا لو كان استمر ألم يكن استعمارا؟، وكلها أسئلة وردود منطقية تبرز أهمية الحوار فى الاختلاف والإقناع.
لعب الفكر والفلسفة الناشئة فى اليابان كما تقول د. يمنى دورا مهما حتى وهم يصفقون للحروب التوسعية فى القرن الماضى، وتذكر أنه وفى 1912 ظهرت مدرسة كيوتو كمدرسة فلسفية يابانية تنطلق من الميراث اليابانى واستيعاب أو تجاوز نقل الفلسفة الغربية الحديثة من تيارات المثالية والفينومينولوجيا -دراسة الظواهر- وتقدم رؤى فلسفية تقوم على التصوف والحدس وتلعب القيم دورًا محوريا بها لا سيما أخلاقيات البوذية على وجه الخصوص، وقامت مدرسة كيوتو للفلسفة على يد المؤسس نيشيدا كيتارو (1870-1945) وبكتاب بحث فى الخير ثم المفكر كاييجى وترأس تحرير مجلة البوذية المشرقية، ما جعل اليابان تتوهج ثقافيا طوال القرن الماضى، وكيف سمحوا بتبادل المعارف واستقطاب الأساتذة من جنسيات مختلفة، وهذه نقطة بالغة الأهمية أذكرها الآن، وكثيرا ما كتبت عنها وطالبت بها وهى تفعيل الأستاذ الزائر فليس هناك علم أو ثقافة أو فلسفة بدون تبادل حوار وإلا سنبقى منغلقين على أنفسنا، وأقترح بمناسبة وبتجربة وجود الجامعات الأهلية يمكن تطبيق هذا المعيار لتوفر الأموال من المصروفات، وبذلك نثرى الأفكار مع أساتذة الداخل بدلا من الانغلاق أو المركزية الشديدة لأفكار وتيارات بعينها، ومن خلال الفلسفة المقارنة نستطيع إنجاز الكثير فى مجال الفكر وتبادل الحوار.
وهكذا كانت رحلتى المنتقاة للقراءة ولصفحات محددة من الكتاب البالغ عددها ما يقرب من 300 صفحة تضمنت رحلات لمختلف بلاد العالم، وجاء الكتاب بغلاف أنيق ومصقول.