رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ورطة «الإرهابية» فى واشنطن


14-5-2026 | 15:58

.

طباعة
بقلـم: طارق أبو السعد

أعلن البيت الأبيض قبل أيام استراتيجيته الجديدة لمواجهة الإرهاب العالمي، وقد حملت هذه الاستراتيجية مفاجأة غير سارة لتنظيم جماعة الإخوان الإرهابية. فبعد سنوات من عمل الإخوان لصالح الإدارات الأمريكية المختلفة، وفى ظل انتظار المكافأة على خدماتهم، ها هى أمريكا تعلن بكل وضوح أن آخر خدمة «الغز علقة»، وأن مصير الخائن لوطنه وأهله وناسه مكب النفايات، ففى الاستراتيجية الجديدة رفعت أمريكا حمايتها جزئيًا عن الجماعة الإرهابية، وأعلنت بوضوح أن الإخوان هم أصل الإرهاب فى العالم. وهذا الإعلان لم يأتِ زلة لسان، ولا فى مقال لشخصية كبيرة، بل عبر وثيقة رسمية صادرة من البيت الأبيض وممهورة بتوقيع الرئيس الأميركي، مما يعنى أن ثمة تغييرات جوهرية ستتبعها أمريكا وحلفاؤها فى مواجهة الجماعات المتطرفة والإرهابية.

الجديد هذه المرة هو ضم تنظيم الإخوان الإرهابى، بأفرعه فى العديد من الدول، ليس هذا فحسب بل أيضًا الجماعة الأم والتنظيم العالمي، باعتبارهم أصحاب الأفكار الرئيسية التى يتم تجنيد الإرهابيين على أساسها، فلماذا الآن؟ ولماذا الأفكار؟ وما مستقبل الإخوان بعد تلك الخطوة؟

30 يونيو 2013 التى غيرت الموازين

ظل العالم لسنوات طويلة يعانى من هجمات تنظيم القاعدة على البلاد العربية والإسلامية، وظل التنظيم يفرخ لسنوات جماعات جهادية مسلحة مثل «داعش» و«بوكو حرام» و«حراس الدين» و«أنصار الإسلام» و«أنصار بيت المقدس» وغيرها الكثير من التنظيمات المسلحة.

واكتوى بنار هذه الجماعات آلاف الأبرياء، ليس فى العالم العربى والإسلامى فحسب، بل فى العديد من بلدان العالم. وظل المفكرون العرب يقولون إن على الإدارة الأمريكية والعالم المتحضر أن يكفأ عن مساندة الجماعة الأم، لكن لم يستمع أحد.

وجاءت ثورة 30 يونيو 2013 وغيرت الموازين، وأظهرت الحقائق، قاومت الإدارات الأمريكية فى البداية ولم تعترف بالحقيقة، إلا أنها أمام الواقع المر لم يكن أمامها مفر من تغيير استراتيجيتها، فبدلًا من المواجهة العسكرية والأمنية فقط، أصبح عليها مواجهة الأفكار المتطرفة التى ترفض التعايش بين الشعوب.

الإخوان هى أم الإرهاب

اليوم، وقد أصبحنا أمام واقع جديد لمكافحة الإرهاب، فلم تعد واشنطن ترى الجماعة الإرهابية مجرد تيار سياسى معارض يحمل جذورًا أصولية إسلامية، بل أيقنت أن التنظيمات الإسلاموية الإرهابية المسلحة هى النتاج النهائى لأفكار الإخوان وأدبياتهم المختلفة.

أيقنت متأخرًا أن الإخوان هى الخطر الحقيقى الذى يجب أن يتحد العالم لمواجهته، فالجماعة تبث أفكارها الإرهابية وتعمل على إبقائها طازجة لتوهم متابعيها أنها صالحة للاقتناع، ويتم تجنيد الإرهابيين على أساسها.

فالتجربة التاريخية تشير إلى أن داعش وبوكو حرام خرجتا من رحم القاعدة، وأن القاعدة خرجت من رحم الإخوان، والجميع يؤمن بذات الأفكار.

هذا التحول يقول إن على الجماعات التى كانت تقدم فروض الطاعة لأمريكا لتصل إلى الحكم فى سيناريو مشابه لسوريا أن تتوقف، فلا فرصة لهم، وها هى أمريكا التى كانوا يعولون عليها تعلن أمام العالم أن أفكار الإخوان هى الخطر، وأن الجماعة هى أم الإرهاب فى العالم.

تجفيف منابع الفكر الإرهابى ضرورة حتمية

لكن مكافحة الإرهاب وفق الاستراتيجية الجديدة لا يمكن أن تقتصر على الملاحقة الأمنية أو تفكيك الخلايا المسلحة فقط، بل يجب أن تبدأ من تجفيف المنابع الفكرية التى تسمح بإعادة إنتاج التطرف جيلًا بعد جيل.

فالمواجهة الحقيقية ليست فقط مع التنظيم، وإنما مع البيئة العقائدية التى تمنحه القدرة على الاستمرار والتجدد، ومن هنا تبرز أهمية بناء منظومة بحثية وفكرية متماسكة، لا يقتصر دورها على الرصد والتوصيف، ولا تعتمد فقط على الرد على سرديات الإخوان حول المظلومية، بل من الضرورى جدًا، وعلى المستوى العربى أولًا، خلق تيار شعبى رافض لأفكار الإخوان، وعلى رأسها السرية.

كما يجب على الدولة خلق تيار ومشروع فكرى شامل يحتوى على نقد لهذه الأفكار فى مسلسلات وأفلام وحلقات إذاعية، بصورة غير مباشرة، تعمل على إزاحة أفكار الإخوان السامة حول الوطنية والدولة ومؤسسات الدولة وقيم الديمقراطية.

ولا بد من إنتاج خطاب معرفى مضاد قادر على إحداث إزاحة فكرية لخطاب الإخوان والجماعات الإسلاموية المتطرفة داخل المجتمعات، على أن يحافظ على الثوابت الدينية والمجتمعية والعرف العام، مع ترسيخ روح التنوير وقراءة المستقبل.

كل هذه المفردات مجتمعة يمكنها طرد العملة الرديئة التى روج لها الإخوان داخل أوساط المجتمع، وما سبق يدفعنا إلى الخطوة التالية، وهى ضرورة تجفيف مصادر التمويل، فهى أحد أهم أركان الجماعة الإرهابية، لأنه ببساطة، فى ظل استمرار التدفقات المالية، فهذا يعنى استمرار القدرة على إعادة إنتاج التنظيم الإرهابي، والإنفاق على المنصات التى تروج للفكر الإرهابي.

ما الذى ينقص الاستراتيجية الأمريكية؟

ومع ذلك، تبقى فاعلية الاستراتيجية الأمركية الجديدة مرتبطة بقدرتها على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ. فمجرد التصنيف أو إطلاق الرغبة الأمركية فى مواجهة الجماعة الإرهابية لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه برامج فعلية وخطة زمنية لتحويل الأهداف إلى واقع ملموس.

وهنا السؤال: هل هناك رغبة حقيقية لتطبيق ما سبق؟ وهل على العالم أن يتفاءل بأن ثمة تغيرات حقيقية فى المواجهة الأمريكية لخطر الإخوان؟

الواقع يقول إننا كثيرًا ما نرى تراجع الإدارة الأمريكية فى تعريف أعدائها حسب المصلحة، فالجولانى كان على رأس المتهمين، ورصدت الخزانة الأميركية 10 ملايين دولار لمن يدل عليه، فى الوقت الذى كانت تتفاوض معه ليحكم سوريا.

والتاريخ أيضًا يخبرنا أن بن لادن والمجاهدين فى أفغانستان كانوا رفقاء وحلفاء للإدارة الأمريكية، ثم أصبحوا فى مرمى نيرانها واستهدافها. والأمثلة كثيرة، لذا يجب ألا نعتمد على الإدارة الأمريكية فى مواجهة الإخوان، لكن يمكننا الطرق على الحديد وهو ساخن، وتحذير الدول الراعية للإخوان، والتى وفرت لهم ملاذات آمنة، من أنهم بهذا يحمون جماعة ستفترس أبناءهم يومًا ما.

هل ستنتهى الجماعة قريبًا؟

إن أى حديث عن انتهاء الجماعة هو رغبة عاطفية صادقة، لكن الواقع يقول كلمته. فلا تزال الجماعة قائمة، وإن خف خطرها قليلًا، لكنها قادرة، بمعاونة مخابرات دول أخرى، على العودة مرة أخرى مرتدية عباءة جديدة ومختفية وراء قناع جديد.

وإذا استمرت الأفكار دون مواجهة، فسيعتمدون عليها للعودة والنفوذ إلى المجتمعات العربية والإسلامية، بل والغربية أيضًا. لذا أرى أن أى مواجهة حقيقية ضد الجماعة الإرهابية تعتمد على ثلاثة عناصر: التعاون الدولي، وتجفيف التمويل، والقدرة على التفريق بين النشاط السياسى والدعم الإرهابى.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة