رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«القاهرة» تضىء طريق «القارة السمراء»


14-5-2026 | 15:56

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

«التقارب المصري الإفريقي» استراتيجية وطنية تتبناها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، حرصت من خلالها على تعميق الدور المصري داخل القارة السمراء، واستعادة دورها التاريخي بما تمتلكه مصر من قدرات اقتصادية وعلاقات تاريخية مع دول القارة. وقد عبّرت مصر عن ذلك بتفعيل الاتفاقيات المشتركة ورفع معدلات الاستثمار في دول القارة من خلال إقامة المشروعات التي تدفع عجلة التنمية في الدول الشقيقة، وتقديم المساعدات والمشروعات التنموية، وعلى رأسها إقامة السدود في العديد من الدول. وهذا التقارب المصري مع الدول الإفريقية يؤكد عليه دائمًا الرئيس عبد الفتاح السيسي في كل لقاءاته مع زعماء الدول الإفريقية، كما يشدد على أن «مصر لا تدخر جهدًا لتقديم ما بوسعها لدعم الأشقاء في القارة الإفريقية».

هذا الدور المصري في إفريقيا تدعمه المشاركة الرئاسية الدائمة في كافة الفعاليات الإفريقية، والتي تحظى بترحيب كبير من القادة الأفارقة، وهو ما ظهر خلال مشاركة الرئيس السيسي في قمة «إفريقيا فرنسا» المنعقدة في العاصمة الكينية نيروبي، التي انطلقت منتصف الأسبوع الجاري، والتقى على هامشها بعدد من زعماء الدول الإفريقية.

فقد التقى الرئيس السيسي برئيس مدغشقر مايكل راندريانيرينا، حيث تناول اللقاء سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين مصر ومدغشقر في مختلف المجالات ذات الأولوية. وأكد السيسي استعداد مصر لتقديم كافة أوجه الدعم لمدغشقر في جهودها لتحقيق التنمية المستدامة، فضلًا عن بحث فرص التعاون المشترك في مجالات التجارة والاستثمار، وتطوير البنية التحتية، والزراعة، والصحة، والتنمية البشرية.

من جانبه، أعرب رئيس مدغشقر عن تقديره العميق لمسار العلاقات القائمة مع مصر، مثمنًا التعاون المثمر الممتد بين البلدين، ومؤكدًا حرص بلاده على تكثيف التنسيق مع مصر في مختلف المجالات بما يعزز العلاقات الثنائية ويحقق الأهداف التنموية المشتركة. وتطرق اللقاء كذلك إلى عدد من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك. واتفق الرئيسان على أهمية تعزيز التشاور بين البلدين إزاء التحديات التي تواجه القارة الإفريقية، بما يسهم في دعم السلم والأمن والاستقرار والتنمية، وذلك في إطار تحقيق أهداف أجندة التنمية المستدامة لعام 2030 وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063، باعتبارهما تمثلان الرؤية الاستراتيجية لتحقيق التنمية الشاملة في القارة.

كما التقى الرئيس السيسي أنطونيو جوتيريش، سكرتير عام الأمم المتحدة، حيث أعرب الرئيس عن تقدير مصر لجهود جوتيريش وقيادته لمنظومة العمل الأممي خلال السنوات الماضية، في ظل ظروف دولية بالغة التعقيد وأزمات متعددة، مثمنًا التعاون القائم بين مصر والأمم المتحدة، سواء فيما يتعلق بالأزمات والنزاعات الإقليمية، أو في إطار التعاون التنموي المثمر ضمن «إطار الأمم المتحدة للتعاون مع مصر 2023 - 2027»، الذي يدعم جهود الدولة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

فيما أعرب السكرتير العام عن تقديره العميق للتعاون الذي أبدته مصر منذ توليه منصبه، مثمنًا الجهود الدبلوماسية التي يضطلع بها الرئيس السيسي لتعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وإفريقيا، واصفًا الدور المصري بأنه الركيزة الأساسية لهذه الجهود.

وفى سياق قمة «إفريقيا - فرنسا» التقى الرئيس السيسي رودلف سعادة، رئيس مجلس إدارة شركة CMA-CGM الفرنسية، وذلك على هامش القمة.

وأوضح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن الرئيس رحّب بالتعاون الاستثماري القائم بين مصر والشركة، التي تُعد من أكبر الشركات العالمية في مجال نقل الحاويات والشحن البحري، مشيدًا بجهودها في تنفيذ مشروعات متعددة داخل مصر بقطاع الموانئ البحرية والجافة، مؤكدًا الدور البارز للشركة في إنشاء وتشغيل أول محطة حاويات شبه آلية في مصر، وهي محطة «البحر الأحمر للحاويات» بميناء السخنة، ومشددًا على تطلع مصر لتعزيز أعمال واستثمارات الشركة، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، للاستفادة من الحوافز الاستثمارية الجديدة التي وفرتها الدولة، فضلًا عن التطور الكبير الذي شهده قطاع النقل البحري والبنية الأساسية في مصر.

وأضاف «الشناوي» أن رودلف سعادة أعرب عن امتنانه للقاء الرئيس السيسي، مؤكدًا حرص شركة CMA-CGM على تعزيز حضورها في مصر والاستفادة من موقعها الاستراتيجي وما حققته من تطور ملحوظ في إمكانيات النقل والشحن البحري والخدمات اللوجستية المرتبطة به.

وأوضح متحدث رئاسة الجمهورية أن اللقاء تطرق إلى مناقشة تداعيات التوترات الإقليمية الراهنة على مسارات الملاحة البحرية، حيث استعرض الرئيس السيسي الرؤية المصرية التي تدعو إلى ضرورة تكاتف أطراف منظومة الشحن البحري الدولية لمعالجة الاختناقات وتقليل انعكاساتها على حركة التجارة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد، لا سيما في مجالي الطاقة والأمن الغذائي. كذلك تناول اللقاء سبل تكثيف التعاون لتعزيز التكامل الاقتصادي والتبادل التجاري بين مصر والدول الإفريقية، ودعم الربط البحري معها.

كما شارك الرئيس السيسي في أعمال قمة «إفريقيا - فرنسا». وأوضح «الشناوي» أن الرئيس شارك كذلك في جلسة العمل المخصصة لمناقشة إصلاح الهيكل المالي الدولي وتعزيز وصول الدول الإفريقية إلى التمويل المستدام، حيث ألقى كلمة مصر أمام القمة تناول فيها الأولويات المصرية والإفريقية بشأن إصلاح النظام المالي العالمي.

وأكد الرئيس السيسي في كلمته أنه لا توجد تنمية بدون سلام، ولا سلام بدون تنمية، موضحًا أن التوترات الجيوسياسية المتنامية، بما فيها ما يجري في الشرق الأوسط، يترتب عليها آثار تقوض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، وتؤثر سلبًا على أمن الطاقة والغذاء، وبشكل أشد وطأة على دولنا الإفريقية، التي تبذل مساعي مضنية في سبيل تحقيق أهداف التنمية لشعوبها، في الوقت الذي تسعى فيه أيضًا إلى الحفاظ على انضباطها المالي وكبح جماح مستويات الدين بها.

وأضاف أن اضطراب مشهد الاقتصاد العالمي، وتراجع تدفقات المساعدات الإنمائية، وتزايد المشروطيات، فضلًا عن تداعيات تغير المناخ، يجعل من إصلاح النظام المالي الدولي ضرورة حتمية لتحقيق السلام والتنمية، وتبني رؤية شاملة تعالج معضلة تمويل التنمية، من خلال تعزيز فاعلية آليات التمويل، واستحداث آليات جديدة مثل مبادلة الديون بمشروعات تنموية، والتوسع في إصدار السندات الخضراء لتنفيذ مشروعات صديقة للبيئة، مع تطوير سياسات البنوك متعددة الأطراف، وحشد التمويل من المصادر العامة والخاصة.

وأشار الرئيس السيسي إلى أنه رغم تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية، استطاعت مصر أن تواصل برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادي، من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات لضبط السياسات المالية والنقدية، وتطوير البيئة التشريعية، وتقديم حوافز جاذبة للاستثمار، بالتوازي مع تطوير بنيتها التحتية في مجالات الطرق والاتصالات والنقل واللوجستيات، بما يجعل مصر بوابة للقارة الإفريقية، بكل ما تمتلكه هذه القارة الشابة من فرص وإمكانيات واعدة للمستقبل. وأكد تطلع مصر إلى تعزيز التعاون مع فرنسا وكافة الشركاء الدوليين والإقليميين لمواصلة برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر والدول الإفريقية.

وأكد السفير صلاح حليمة، نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الإفريقية»، أن زيارة الرئيس السيسي إلى كينيا تحمل أهمية خاصة، في ظل العلاقات الاقتصادية والتجارية المتميزة بين البلدين، موضحًا أن الحضور المصري في القمة التي تُعقد تحت شعار «إفريقيا إلى الأمام» يؤكد أن القاهرة باتت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل القارة، خاصة في ظل ما تمتلكه من خبرات متراكمة في ملفات التنمية والبنية التحتية والطاقة.

وأضاف «حليمة» أن مصر تمتلك تجربة رائدة في مجالات الاستثمار وتطوير البنية التحتية والطاقة الجديدة والمتجددة، وهو ما يؤهلها للعب دور محوري في دعم المبادرات الإفريقية المشتركة وتعزيز مسارات التكامل الاقتصادي.

وأشار إلى أن اللقاءات الثنائية التي يجريها الرئيس السيسي مع القادة الأفارقة والمسؤولين الدوليين على هامش القمة تسهم في تعزيز التنسيق المشترك حول القضايا الإقليمية والدولية، وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري، خاصة أن مصر استطاعت خلال السنوات الأخيرة تعزيز حضورها الإفريقي من خلال مبادرات تنموية وشراكات استراتيجية جعلتها في موقع القيادة، وليس المشاركة فقط، داخل المحافل الإقليمية والدولية. كما أن الملفات المطروحة على أجندة القمة تمثل أولويات ملحة للدول الإفريقية، وعلى رأسها التحول الرقمي والطاقة وإصلاح النظام المالي الدولي، مؤكدًا أن هذه القضايا ترتبط بشكل مباشر بمستقبل التنمية في القارة.

كما أوضح «حليمة» أن السياسة الخارجية المصرية نجحت في ترسيخ حضور قوي ومؤثر على الساحة الدولية، بما يعكس رؤية الدولة في توسيع دوائر الشراكة مع مختلف القوى العالمية، بما يخدم الأمن القومي ويعزز فرص التنمية، مشيرًا إلى أن التحركات المصرية بقيادة الرئيس السيسي تعكس استراتيجية واضحة لإعادة تموضع مصر داخل القارة الإفريقية، وترسيخ دورها كشريك رئيسي في تحقيق الاستقرار ودفع مسارات التنمية المستدامة.

وأكد طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن مشاركة الرئيس السيسي في قمة «إفريقيا - فرنسا» تتجاوز حدود التمثيل الدبلوماسي المعتاد، لتكون إعلانًا صريحًا عن «حضور مصري ثقيل وفاعل» في مرحلة إعادة تشكيل النظام العالمي، مشيرًا إلى أن مصر لا تشارك كـ»ضيف شرف»، بل كدولة تمتلك وزنًا ورؤية تفرض نفسها على موائد صناعة القرار الدولي.

ولفت «البرديسي» إلى أن القارة الإفريقية لم تعد «القارة المنسية» كما كان يروج البعض، بل أصبحت الآن «قلب السباق الدولي الجديد» ومركزًا للتنافس على الطاقة والموارد والأسواق الواعدة، مشددًا على أن مصر، بقيادة الرئيس السيسي، تدرك جيدًا هذا التحول وتعمل على تعزيز الدور الإفريقي كشريك أصيل في النظام العالمي، وليس مجرد ساحة للنفوذ أو متلقٍ للمساعدات.

وأوضح أن القاهرة تدخل القمة حاملة تجربة نجاح ملهمة في تثبيت أركان الدولة الوطنية وبناء بنية تحتية عملاقة، مما جعلها «بوابة إفريقيا» ومركزًا إقليميًا للطاقة وعقدة ربط لوجستي عالمي، مؤكدًا أن هذه الخبرات هي ما تسعى مصر لنقله إلى الأشقاء الأفارقة، مع الإصرار على أن تكون القارة جزءًا لا يتجزأ من نظام مالي واقتصادي عالمي أكثر عدلًا وإنصافًا. كما أشار إلى وجود كيمياء خاصة تجمع بين الرئيس السيسي والرئيس الفرنسي ماكرون، مؤكدًا أن هذه العلاقة تدعم فكرة التعايش المشترك والتعددية الثقافية.

أما رامي زهدي، خبير الشؤون الإفريقية، فقال إن مشاركة الرئيس السيسي في «قمة إفريقيا - فرنسا» تأتي في توقيت بالغ الخطورة إقليميًا ودوليًا، لتوازيها مع ظروف دولية صعبة ومتشابكة ومعقدة، ومنعكسة بوضوح على دول القارة، مشيرًا إلى أن مشاركة الرئيس السيسي، الذي لم يغب أبدًا عن مثل هذه الأحداث المهمة منذ توليه منصبه في عام 2014، تؤكد إدراك مصر العميق لطبيعة التحولات الجارية داخل القارة الإفريقية، وأيضًا إدراك الرئيس نفسه لأهمية وتأثير وجوده من منطلق دبلوماسية القيادة.

ولفت إلى أن هذا المفهوم مؤثر جدًا في العلاقات الدولية حاليًا، خاصة في القارة الإفريقية، سواء على مستوى التوازنات الدولية أو على مستوى إعادة تشكيل الشراكات الاقتصادية والسياسية والأمنية داخل إفريقيا، فالحضور المصري يظل مؤثرًا جدًا، ومرتبًا ومعدًا له بعناية.

وأوضح «زهدي» أن هذه المشاركة تحمل دلالات استراتيجية مهمة، أولها أن مصر طرف رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص مستقبل القارة، خاصة في ظل ما تمتلكه من ثقل سياسي ودبلوماسي وقدرات اقتصادية وعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإفريقية، مشيرًا إلى أن وجود الرئيس السيسي في هذه القمة يؤكد أن القاهرة تتحرك وفق رؤية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد، مع الحفاظ على أولوية المصالح الإفريقية.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة