رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مناعة الاقتصاد العالمى تتضاءل


14-5-2026 | 15:59

.

طباعة
بقلـم: د.وفاء على

لا شك أن حالة التوتر المنظم الذى يعيشه العالم بسبب الصراع الدائر فى هرمز، والذى جعل العالم والأسواق وأسعار الطاقة تعيش يوما بيوم على توقيت هرمز، بينما يضع الرئيس الأمريكى ترامب بجانبه ساعة رملية لا ترى، ولا تشعر أن قواعد المناعة الاقتصادية للعالم تضعف بشدة، وأصبح هناك مسار إجبارى للاقتصاد العالمى يقوده نحو السيناريو الأسوأ، كما قالت رئيسة صندوق النقد الدولى كريستينا جورجيفا.

 
 

لقد أصبح العالم لا يخشى صوت المسيرات أو البارود، وإنما يخشى الانهيار الاقتصادي، فأسعار الطاقة تغذى كل مؤشرات التضخم، حتى ولو هبطت تحت ثلاثة أرقام، فهناك حالة من المعاناة العالمية بفعل نقص المعروض بفجوة تقدر بـ14.5 مليون برميل يوميا، كما قال فاتح بيرول مدير وكالة الطاقة الدولية، بالإضافة إلى 450 مليونا من المشتقات يوميا، والخوف كل الخوف من تآكل الطلب على الطاقة، مما يؤدى إلى تراجع الإنتاج الصناعى والنمو الاقتصادي، ويدخل العالم بقوة إلى نفق الركود التضخمى، فالمشكلة لم تصبح فى السعر، وإنما فى ندرة المعروض؛ حتى أمريكا لم تستطع تحصين نفسها من التضخم الذى فاق 3.3 فى المائة، وبدأت شركات الطيران تقلل رحلاتها بحوالى 20 ألف رحلة فى الشهر الماضي، وأعلنت شركات طيران أمريكية إفلاسها.

العالم لا يعيش أزمة عابرة بل تحول جذرى أصبحت فيه قواعد اللعبة مختلفة، وأدوات الهيمنة مختلفة، فلم يعد منْ يمتلك نفطا وحاملة طائرات هو المحصن اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، فالأمر أثبت على أرض الواقع أن هناك أدوات أخرى تُضاهى السياسات النقدية، فالتضخم لم يعد ناتجا عن طلب مفرط بل اختناقات مادية فى سلاسل الإمداد، تفقد معها الدول مناعتها الاقتصادية، وقد لا تملك البنوك المركزية أدوات للإصلاح، فالفيدرالى الأمريكى مثلا لن يستطيع فتح هرمز أو خفض تكاليف التأمين.

العالم أمام حالة تسمى التضخم الجغرافى، لا التضخم السوقى، مما يجعل كل الأدوات التقليدية عاجزة أمام هذا الواقع الجديد، والخطأ الأكبر هو اعتبار هذه صدمات مؤقتة، بينما الحقيقة هى إعادة هندسة دائمة لكسر المناعة الاقتصادية للعالم، حيث تحولت المضائق من مخاطر محتملة إلى ضرائب يومية، فلم يعد هذا النموذج مجرد حالة من الاضطراب أو صراع قائم بين أمريكا وإيران، بل نموذج معيارى فى تسعير تكاليف سلاسل الإمداد وفق احتمالات الحرب لا تكلفة الوقود فقط، وتحولت الحالة فى البحث عن الأمان وإعادة تشكيل وترتيب أولويات المستهلكين حتى فى قلب الولايات المتحدة الأمريكية، فالكل يدفع ضريبة فقد المناعة الاقتصادية التى تحولت إلى هيكلية دائمة فى نظام أصبح فيه البقاء هو الهدف بسبب سرعة الاقتصاد الرقمى العالمى والذكاء الاصطناعى الذى يصعد بشدة على جسد المناعة الاقتصادية للعالم.

العولمة تتفكك إلى أنظمة هجينة قاتمة وقائمة على الولاء الجيوسياسي، فبدلاً من تحسين كفاءة الاقتصاد والطاقة على مستوى العالم، يعيد العالم ترتيب أوراقه من جديد لإعادة تعريف القدرة على تأمين السلع، ومعركة هرمز لا تنفصل عن معركة ديون العالم الذى بلغت 353 تريليون دولار طبقا لتقرير نادى التمويل الدولى، ولا تنفصل عن معركة البترو دولار، فأمريكا ديونها وصلت إلى 40 تريليون دولار، وبعد حرب روسيا وأوكرانيا واشنطن جمدت 200 مليار دولار وأكثر من الأصول الروسية، مما جعل العالم يتساءل عن شرعية ومصداقية النظام المالى الأمريكى لأنه قام بتسليح الدولار. وبهذه الآلية يمكن تسليحه ضد أى شخص، لذلك شهدت السندات الأمريكية نزوحا من قبل الصين التى تنشئ ممرا كاملا، وتحاول مجموعة بريكس خلق بدائل للبترودولار.

الدولار بالنسبة لأمريكا هو أساس الإمبراطورية، لذلك تخوض معركتها بضراوة لحماية الدولار، وتستخدم تفوقها البحرى وسيطرتها على النقاط الاستراتيجية (المضايق) للتحكم فى الوصول إلى التجارة وإجبار الدول فى الاعتماد على الموارد الأمريكية. لذلك هناك معركة أخرى بين روسيا وأوكرانيا، وأصبحت أوروبا لا تجد ملجأ أن تحصل على الغاز الطبيعى والمسال إلا من سواحل تكساس الأمريكية التى فى أبهى عصورها، وهنا تبرز إستراتيجية ممنهجة لحماية البترودولار.

صندوق النقد الدولى يحذر وسط كل هذا الضجيج العالمى مما قد يحدث إذا استمرت الحرب حتى عام 2027، فبوادر السيناريو الأسوأ بدأت تلوح فى الأفق، وهناك سيناريوهات كارثية لوجود واقع مرير وهو الركود التضخمى، أما ملف الأمن الغذائى فهناك 54 مليون شخص تتم إضافتهم إلى ملف انعدام الأمن الغذائى، ومن الوقود إلى الغذاء، ومن الملابس إلى قضاء العطلات على مستوى العالم، وصولا إلى فواتير الطاقة وتكاليف الاقتراض؛ لتمتد شرارة الصراع لتشمل كل تفاصيل الحياة اليومية للمستهلكين حول العالم.

المناعة الاقتصادية للعالم تضعف بشدة، وأصبح هناك مسار إجبارى متراجع لسلاسل الإمداد العالمية تجاوز حدود الطاقة والوقود وتعطيل الأمن الغذائى مع زيادة تكاليف الشحن وانخفاض تدفق الأسمدة وسط تحذيرات من تفاقم ارتفاع أسعار الغذاء.

الاقتصاد العالمى كتلة واحدة، وهو أمام ضغط استراتيجى عميق للخيارات الاقتصادية، وقد دفعت المناعة الاقتصادية للعالم لتتضاءل بقوة..

وإلى حديث آخر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة