رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ممر الأنبياء ومهد الديانات


25-4-2026 | 12:43

.

طباعة
تقرير: أميرة صلاح

فى عمق التاريخ الدينى والإنسانى، تظل سيناء واحدة من أبرز البقاع التى ارتبطت بالرسالات السماوية وشهدت عبر العصور محطات روحية شكلت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الإيمانية للإنسانية، بما تحمله من دلالات تجمع بين قداسة المكان وامتداد المعنى التاريخى، كما يبرز مسار العائلة المقدسة فى مصر كأحد أهم المسارات الروحية فى العالم، لما يعكسه من قيم إنسانية تتجاوز الحدود العقائدية، ويؤكد مكانة مصر كأرض للتلاقى الدينى والثقافى، حيث تتعدد محطاته داخل البلاد حاملةً إرثًا روحيًا ممتدًا عبر الزمن. وخلال السطور التالية، نتناول أبعاد هذا الإرث الدينى والتاريخى، وما يرتبط به من دلالات روحية وإنسانية وسياحية داخل مصر.

 
 
 

فى البداية، أكد الشيخ سعودى عبدالشافى جاد، مدير شئون القرآن الكريم بمنطقة شمال سيناء الأزهرية، أن سيناء ظلّت عبر التاريخ تحظى بمكانة دينية استثنائية، والأزهر الشريف ينظر إليها باعتبارها أرضًا مباركة ومهدًا للرسالات السماوية ومسرحًا لأحداث الأنبياء، فضلًا عن كونها مساحة روحية مشتركة بين أتباع الديانات، إلى جانب بعدها الحضارى والوطنى، بما يستدعى الحفاظ على قدسيتها، فارتباط سيناء بقصة نبى الله موسى عليه السلام منحها حضورًا خاصًا فى الوعى الإسلامى؛ إذ شهدت لحظات الوحى والتكليم وتحولت إلى رمز للتحرر من الظلم، كما قدمت نموذجًا إيمانيًا وتربويًا يعكس معانى الطاعة وسنن التغيير ويؤكد وحدة الرسالات السماوية.

وأشار إلى أن مفهوم “التجلي” على أرض سيناء حمل دلالات عميقة أبرزها إظهار عظمة الله وجلاله، وبيان حدود الإدراك البشرى إلى جانب تكريم سيدنا موسى عليه السلام بالتعليم المباشر، وهو ما أضفى على المكان قدسية خاصة، ورسّخ قيم الأدب مع الله دون تشبيه، فسيناء قدّمت نموذجًا حيًا للتعايش بين الأديان مستندة إلى جذور دينية مشتركة واحتضانها رموزًا متعددة، فضلًا عن تاريخ طويل من التسامح، وهو ما جعلها رمزًا للحوار لا للصراع، وفيما يتعلق بدور الأزهر، فإنه واصل جهوده فى تعزيز الوعى الدينى لدى أهالى سيناء، من خلال نشر التعليم الوسطى، وإيفاد القوافل الدعوية وتأهيل الأئمة والدعاة والتصدى للفكر المتطرف، إلى جانب دعم القيم الأخلاقية وتعزيز التواصل المباشر مع المواطنين.

وأوضح أن القوافل الدعوية لعبت دورًا مهمًا فى ترسيخ مفاهيم الوسطية والسلام، عبر تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز الاعتدال والتواصل مع الأهالى، وتحصين الشباب فكريًا، بما أسهم فى دعم الاستقرار المجتمعى وبناء الثقة، كما أن مشروع “التجلى الأعظم” جاء معبرًا عن أهمية تحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على قدسية المكان، من خلال الالتزام بالضوابط والقيم الروحية بما يعكس البعد الرسالى لسيناء، وتتزايد الجهود الرامية للتوعية بأهمية المواقع الدينية، من بينها دير سانت كاترين، من خلال تكامل أدوار المؤسسات الدينية والإعلامية، إلى جانب المشروعات التنموية المرتبطة برفع الوعى.

واختتم حديثه مبينا أن سيناء حملت رسالة إنسانية للعالم، تتمثل فى الدعوة إلى التوحيد وترسيخ قيم التعايش والاعتدال، وتعزيز الانتماء، وهنا يجب استثمار هذه المكانة فى وعى الشباب وربطهم بتاريخهم، وتحفيزهم على حماية تراثهم وصون مقدساتهم.

أما الدكتور صلاح عاشور، أستاذ التاريخ الإسلامى وعميد كلية اللغة العربية السابق، قال إن شبه جزيرة سيناء تتمتع بمكانة دينية وأثرية فريدة؛ إذ شكلت عبر التاريخ جسرًا للتواصل بين القارات والحضارات، وكانت مسرحًا لعدد من الأحداث الدينية الكبرى وفى مقدمتها تجلى الذات الإلهية، ما منحها خصوصية لا تضاهيها بقعة أخرى على وجه الأرض، فسيناء لعبت أدوارًا تاريخية متعددة، فكانت معبرًا لجيوش الفراعنة، وطريقًا للتجارة العالمية عبر طريق الحرير، فضلًا عن كونها مسارًا لرحلة العائلة المقدسة، وممرًا للحجيج من المسلمين والمسيحيين على السواء، وهو ما يعكس طبيعتها الجامعة بين الأديان والثقافات.

وأشار أستاذ التاريخ الإسلامى، إلى أن انعكاس الرسالات السماوية فى سيناء لا يقتصر على الروايات الدينية، بل يتجسد فى شواهد أثرية حية مثل عيون موسى المرتبطة بقصة خروج بنى إسرائيل، وآثار طريق العائلة المقدسة، إلى جانب وجود محاريب ومساجد تاريخية داخل الأديرة أو على قمم الجبال، بما يعكس روح التسامح والتعايش التى صبغت هذه الأرض عبر العصور.

وأكد أن دير سانت كاترين يُعد أيقونة عالمية فريدة، كونه أقدم دير مأهول لم تنقطع فيه الحياة الرهبانية منذ القرن السادس الميلادى، مشيرًا إلى أن الإمبراطور جستنيان شيده لحماية الرهبان، ويضم بين جنباته شجرة العليقة الملتهبة، كما أنه مسجل ضمن قائمة التراث العالمى لليونسكو، لما يجمعه من طرز معمارية بيزنطية وقيم روحية وتاريخية استثنائية، فالدير يحتضن كنوزًا نادرة من المخطوطات والأيقونات، حيث يضم ثانى أهم مكتبة مخطوطات فى العالم بعد الفاتيكان، تحتوى على نصوص بلغات متعددة مثل اليونانية والسريانية والعربية والقبطية، ومن أبرزها “العهد النبوي”.

ولفت إلى أن منطقة جبل موسى وشجرة العليقة المقدسة تمثلان أبرز الشواهد المرتبطة بقصة التجلى، كما أن هذا الحدث يحمل بُعدًا إيمانيًا وروحيًا، إلا أن استمرار وجود هذه المعالم عبر العصور يعكس تقديس الإنسان لهذا المكان ويمنحه قيمة أثرية وإنسانية كبيرة، فجبل موسى يعد من أهم المقاصد الدينية عالميًا حيث يقصده الحجيج من مختلف الديانات، والتعامل الأثرى مع الجبل يتم باعتباره “مشهدًا ثقافيًا مقدسًا” يتم الحفاظ فيه على الممرات التاريخية مثل درجات التوبة، مع تجنب أى تدخلات إنشائية قد تمس طبيعته الأصلية.

وفيما يتعلق بمشروع «التجلى الأعظم»، أكد أنه يمثل خطوة مهمة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، من خلال إبراز القيمة الروحية للمنطقة وتطوير البنية التحتية بما يحمى المواقع الأثرية، مع الالتزام بالمعايير البيئية واستخدام خامات من البيئة السيناوية، وعمليات التنمية الحالية تمثل فرصة كبيرة إذا أُحسن استغلالها، حيث يمكن أن تضع سانت كاترين على خريطة السياحة الروحية العالمية، وتوفر خدمات مناسبة للزوار خاصة كبار السن والباحثين، محذرًا فى الوقت نفسه من مخاطر الإخلال بطبيعة المكان، والحفاظ على “صمت المكان” وعزل المناطق الأثرية عن الصخب الحديث يمثلان عنصرًا حاسمًا فى نجاح التطوير.

ونوه بأن هناك تحديات تواجه آثار سيناء، ومنها العوامل الطبيعية كالسيول وتأثير المناخ الجبلى، إلى جانب الضغوط السياحية والتوسع العمرانى، وهنا يجب وضع ضوابط صارمة لحماية الحرم الأثرى، فبين قدسية المكان ومتطلبات التنمية يتطلب تبنى استراتيجية للسياحة المستدامة، تقوم على تحديد أعداد الزوار ورفع الوعى بقيمة الموقع، والالتزام بالعمارة البيئية التى تندمج مع الطبيعة، فإن سيناء ليست مجرد أرض بل هى حكاية السماء التى سُطرت فصولها على صخور الجبال.

فيما أوضح الشيخ إسماعيل الراوى، وكيل وزارة الأوقاف بجنوب سيناء سابقا، أن الدولة المصرية، فى ظل “الجمهورية الجديدة”، كثّفت جهودها لإحياء مسار العائلة المقدسة فى مصر، باعتباره أحد أبرز الملفات التى تعكس مكانة مصر الدينية والحضارية، فمصر ستظل بلد الأمن والأمان ومهد الحضارات والأديان، ومحفوظة بوحدة شعبها وسلامة أراضيها، منوها بأن مسار العائلة المقدسة يمثل “هدية أم الدنيا إلى العالم”، ورسالة إنسانية تحمل قيم السلام والمحبة والتسامح من أرض الكنانة إلى مختلف شعوب الأرض، فالرحلة بدأت من بيت لحم وصولًا إلى وادى النيل، حيث قطعت العائلة المقدسة مسافات طويلة عبر البرارى والجبال والوديان والصحارى، واستمرت قرابة ثلاث سنوات، خلّفت خلالها عددًا كبيرًا من المزارات الدينية والسياحية على أرض مصر.

من جانبه، قال نادر جرجس، منسق اللجنة الوزارية لإحياء مسار العائلة المقدسة سابقًا ورئيس لجنة السياحة والتراث المصرى بروتارى مصر: إن سيناء تمثل مكانة روحية خاصة فى التاريخ المسيحى حيث تجمع بين رمزية العهد القديم والعهد الجديد، بدءًا من أحداث نبى الله موسى وصولًا إلى مرور العائلة المقدسة عبر أراضيها، والتى دخلت مصر من رفح مرورًا بالشيخ زويد والعريش والفرما، فمسار العائلة المقدسة فى مصر يحظى بأهمية عالمية كجزء من التراث الإنسانى اللامادى، وجرى تسجيل الاحتفالات الخاصة بتذكار دخول العائلة المقدسة أرض مصر فى الأول من يونيو ضمن قوائم اليونسكو عام 2022، وهو ما يعكس القيمة الروحية والإنسانية لهذا المسار.

وأوضح أن مرور العائلة المقدسة عبر سيناء يحمل دلالات روحية عميقة؛ إذ يستحضر فى الوجدان الدينى رحلة الخروج وعبور البحر الأحمر، وما شهدته سيناء من أحداث ومعجزات إلهية، فهذه الأرض تظل رمزًا للتجلى الإلهى والتكليم، وهو ما يضفى عليها خصوصية فريدة فى التاريخ الدينى، وجاء من أبرز المحطات التى مرت بها العائلة المقدسة فى سيناء رفح والشيخ زويد والعريش، وهى محطات تحمل فى طياتها دلالات روحية وتاريخية مهمة، وتعكس امتداد الرحلة المباركة داخل الأراضى المصرية.

وأكد أن رحلة السيدة العذراء والسيد المسيح عليه السلام تمثل فى وجدان الأقباط بركة عظيمة لمصر وشعبها، كما تمنح البلاد ميزة فريدة تنفرد بها على مستوى العالم، بما يعزز مكانتها الدينية والسياحية، كما أن دير سانت كاترين يجسد قيمة دينية وتاريخية كبيرة، حيث يمثل نموذجًا فريدًا لمجمع دينى فى قلب الصحراء ارتبط بجبل التجلى وتكليم الله لسيدنا موسى، إلى جانب رمزية شجرة العليقة التى تحمل دلالات روحية عميقة فى التراث الدينى.

وتابع أن هذه المواقع تسهم فى ترسيخ مفاهيم التعايش والسلام بين أتباع الديانات، كما تمثل مصدر رزق لأهالى المناطق التى مرت بها العائلة المقدسة، بما يعزز البعد الاجتماعى والاقتصادى إلى جانب البعد الروحى، وتوظيف مسار العائلة المقدسة فى تنشيط السياحة الدينية يتطلب حملات ترويجية دولية تقودها الجهات المعنية، وعلى رأسها هيئة تنشيط السياحة، مع إدراجه ضمن البرامج السياحية الدينية فى الدول المستهدفة.

وأشار إلى أن الكنيسة بذلت جهودًا كبيرة للحفاظ على هذا الإرث الروحى، حيث حرصت على توثيقه ونقله عبر الأجيال بأمانة بما أسهم فى استمرارية هذا التراث حتى اليوم، فسيناء تمثل نقطة التقاء للديانات السماوية بما تحمله من خصوصية دينية وتاريخية، وقد تزايد اهتمام منظمى الرحلات السياحية بإدراجها ضمن برامجهم، فى ظل ما تمثله من قيمة روحية وسياحية فريدة على مستوى العالم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة