رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فاروق شوشة.. حارس العربية فى زمن العامية


17-4-2026 | 13:07

.

طباعة
بقلـم: د. زينب العسال

مثل الملايين، عرفت فاروق شوشة عبر الإذاعة وبرنامجه الساحر «لغتنا الجميلة»، مع اختيار صوت سيدة الإذاعة صفية المهندس، ثم ينساب صوت شوشة هامسا هادئًا، يقدم درر اللغة العربية، ما بين الشعر والحكاية، والخبر، وأقوال الشعراء والنقاد العرب القدامى، والشعر الحديث؛ مائدة عامرة، وعلى المستمع سواء كان مثقفا أو غير متعلم أن ينتقى كيفما شاء.

 

ومع التحاقى بكلية دار العلوم، أعلنت جماعة الشعر بالكلية استضافة الشاعر الكبير فاروق شوشة، ابن الكلية، بدأ د. عبد الحكيم بلبع بالترحيب بالضيف، وطلب من الحضور كتابة الأسئلة.. كان حضوره باعثًا على البهجة، أما شعره فكان مختلفًا عما ندرسه، فأصبح فاروق شوشة المثل والنموذج.

صوته يجمع بين الناى والكمان.. وكان أول تعارف لى به أثناء انتخابات اتحاد الكُتّاب؛ كنت أقوم بالدعاية لزوجي، بينما وجد هو فى الأمر فرصة للقاء الأصدقاء. أسفرت الانتخابات عن فوز فاروق شوشة، وحمدى الكنيسي، ومحمد جبريل.. وانتخب مجلس الإدارة فاروق شوشة رئيسا، واقترح الكاتب الكبير بهاء طاهر محمد جبريل لمنصب نائب الرئيس، فكان.

نشأت صداقة بين الاثنين أثناء العمل، قابلته كثيرا فى مكتب النائب، وحكى جبريل عنه قائلًا: «شخصية ساحرة، لديها قدرة غريبة على الإقناع وامتصاص الغضب، ويقنع الآخر برأيه»، لعل عمله فى الإذاعة وتدرجه فى الوظائف كان سببًا فى امتلاك هذه القدرات.

سألته يوما: لماذا تتكسر اللغة العربية على ألسنتنا؟

قال: لأننا منذ الصغر لا نتكلم ولا نقرأ باللغة العربية؛ تتحدث الأسرة بالعامية، وفى المدرسة تتحدث المعلمة فى الفصل بالعامية، وكثير من برامج الإذاعة والتليفزيون تُقدَّم بالعامية، وقلة تجيد التحدث بالعربية. منْ يتعلم منذ الصغر؟

أطفالنا يكرهون اللغة العربية، ويجتهدون فى التحدث باللغات الأجنبية.

حيث يتم تقديم مناهج اللغة العربية بطريقة صعبة ومعقدة، وعلى القائمين بوضع المناهج مراعاة تبسيط القواعد النحوية، وتقديمها بشكل منطقى مفهوم، والبعد عن تكديس القواعد.

فلغتنا العربية لغة موسيقية، يجب تدريب الأذن عليها، فهى قادرة على تصحيح النطق.

قديما، كانت القواعد تُحفظ عن طريق النظم، مثل «ألفية ابن مالك»، ويمكن اختصار قواعد اللغة العربية، والتدرج فى تعلمها مع كل مرحلة عمرية.

أنا لا أحب منْ يلجأ إلى الكلمات المهجورة التى تحتاج إلى البحث عن معناها.

وقد حرصت أنا وجبريل على حضور أمسياته الشعرية؛ وكانت غالبية الحضور من السيدات والبنات، فالرومانسية – وهى من أهم سمات شعر فاروق شوشة – أتاحت له نجومية وشعبية لم يحظَ بها غيره.

استضاف المركز الإعلامى بالزقازيق للحديث عن تجربتهما الإبداعية والحياة الثقافية. ذهبت معهما، ومشينا فى شوارع الزقازيق، فتحولت الشوارع إلى مظاهرة حب لفاروق شوشة؛ عبارات الترحيب: «نورت الشرقية»، «أهلاً أستاذ فاروق»، «خطوة غالية يا حبيبنا» وبدت نجومية شوشة طاغية.

المفاجأة أن مطعم «أمين» علق لافتة كبيرة ترحب بفاروق شوشة وضيوفه، همست فى أذن محمد جبريل: صاحب هذا المطعم صديق الطفولة لنا... أثناء الغداء، حدثنى شوشة عن طهى البط وعمل «المارتا الدمياطي»، ومن يومها أجدت صنعها!

هو شخصية مرحة، مقبلة، مرحبة، لا تعرف الغرور أو الافتعال؛ مبدع حقيقي، يومها عرفت لماذا نشأت بين فاروق وجبريل صداقة امتدت حتى بعد استقالة جبريل من مجلس الإدارة بعد عامين.

المؤكد أنه أحس بمدى ارتباكى فى البداية، فترفق بحالي، وسار اللقاء كما أراد. كنت أول من سجّل معه من جيل الثمانينيات، رغم أننى لا أعترف بفكرة «المجايلة».

جلست أشاهد اللقاء: أأنا التى تتحدث؟ أعتز بهذا اللقاء.

تزاملنا فى لجنة النقد والدراسات الأدبية، وكان يرأسها د. السيد فضل، ومن الأعضاء: د. محمد عونى عبد الرءوف، د. غراء مهنا، د. شريف الجيار، د. أحمد كشك، قاسم مسعد عليوة، د. هيثم الجاح علي، خيرى دومة، ومحمود الضبع.

حضور فاروق شوشة ومشاركته فى المناقشة كانا يمنحانها حيوية؛ وإذا اختلفنا، كانت لديه القدرة – بهدوء – على إقناع الجميع برأيه.

حينما عانى جبريل من آلام العمود الفقري، لم تنقطع مكالمات شوشة للاطمئنان عليه. وعندما علم بفشل العملية، كتب عن جبريل المبدع ودوره فى الحياة الثقافية.

كنت أستمع إلى قصائد فاروق شوشة، وطلبت منه ديوانًا للنشر فى سلسلة «كتاب قطر الندى». كنت أتجه إلى كبار الكُتّاب والشعراء للنشر، إلى جانب الشباب؛ فنشرنا لأحمد الشيخ، ونادر أبو الفتوح، ومحمد كشيك، وأحمد زرزور، وجار النبى الحلو، وعبد التواب يوسف، ود. شاكر المعداوي، وأحمد فضل شبلول، وغيرهم.

أهدى ديوانه إلى حفيدته «حبيبة».

كنت أطلب منه – بشكل ودى – رأيه فى دواوين الشعر التى تصل إلى السلسلة، فكان يقوم بتقويمها.

وقد ظلت العلاقة ممتدة، حتى ظهرت علامات الإجهاد، ومتاعب فى القلب.

فى أحد الأيام، ونحن فى طريقنا إلى الإسكندرية، أدرنا مؤشر الراديو، فكانت كل الإذاعات تتحدث عن فاروق شوشة: منجزه الشعري، سيرته الذاتية، ودوره كمذيع ورئيس للإذاعة.

عدنا إلى القاهرة، فكتب محمد جبريل عن فاروق شوشة: «الأخ، الصديق المخلص، الرافض للزيف فى الحياة الثقافية».

خسرنا صاحب «قصيدة النيل»، وكاتب أغنية: «والله وتجمعنا تانى يا قمر»، ونقصت شجرة الأصدقاء أحد جذورها.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة