و«جمعية الصحة العالمية» هى البرلمان الصحى للكوكب، حين تُقرّ هذه الجمعية قرارًا بقيادة دولة ما، فإنها تُلزم منظمة الصحة العالمية وكل الدول الأعضاء بتبنى أجندة صحية بعينها، وتوجيه التمويل والسياسات والبحث العلمى نحوها، ومصر لم تُصوّت هذه المرة فقط، بل كانت هى مَن وضع البنود على الطاولة وأقنع العالم بها.
القرار الأول: الطب الشخصى... مستقبل الطب
الطب الشخصى هو مستقبل الطب فى العالم، بمعنى إمكانية تحديد علاج لكل شخص على حدة، وكيفية تعامل جسمك تحديدًا مع هذا العلاج بناءً على شيفرتك الجينية، ولم يعد هذا خيالًا علميًا، بل واقع يتشكّل فى مراكز الأبحاث الكبرى، فسوقه العالمى يتجاوز 650 مليار دولار فى 2025 وينمو بمعدل 8 فى المائة سنويًا، غير أن 95 فى المائة من هذا الاستثمار لا يزال حكرًا على الدول الغنية، والقرار الذى قادته مصر يطالب بخطة عمل عالمية لإدماج هذا الطب فى النظم الصحية الوطنية، وهو ما كان يُعدّ حتى وقت قريب ترفًا بعيد المنال.
وأطلقت مصر مشروع «الجينوم المصرى» بتكلفة 2 مليار جنيه، يستهدف تسلسل جينوم 100 ألف مواطن فى مرحلته الأولى، بهدف بناء مرجع جينى مصرى يُؤسس لمرحلة الطب الشخصى محليًا.
القرار الثانى: الكبد الدهنى... الوباء الصامت
يُصيب مرض الكبد الدهنى المرتبط بالاضطرابات الأيضية ما يقرب من 40 فى المائة من سكان العالم، أى ما يزيد على 1.3 مليار شخص، ومن المتوقع أن يبلغ 1.8 مليار بحلول 2050. ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تُسجّل أعلى معدلات الإصابة عالميًا، وللأسف يظل معظم المصابين فى غفلة تامة عن حالتهم حتى تتطور إلى مضاعفات خطيرة، والقرار المصرى ينقل هذا المرض من هامش الاهتمام الدولى إلى صلب أجندة الأمراض غير المعدية، وهو انتزاع حقيقى لحقٍّ طال تجاهله.
وخفّضت مصر معدل الإصابة بالتهاب الكبد الوبائى «سى» من 10 فى المائة عام 2014 إلى 0.38 فى المائة عام 2022، عبر فحص أكثر من 60 مليون مواطن وعلاج 4.1 مليون حالة، لتحصل على شهادة المسار الذهبى نحو خلو مصر من فيروس «سى» من منظمة الصحة العالمية، نموذج يُحتذى به عالميًا فى صحة الكبد.
القرار الثالث: السكتة الدماغية... عدو بلا إنذار
فكل ثلاث ثوانٍ يُصاب شخص بسكتة دماغية فى مكان ما على هذا الكوكب، اثنا عشر مليون حالة جديدة كل عام، و87 فى المائة من الوفيات الناتجة عنها تحدث فى دول منخفضة ومتوسطة الدخل، وارتفعت معدلات الإصابة عالميًا بنسبة 70 فى المائة منذ عام 1990، وتتجاوز تكاليف علاجها 890 مليار دولار سنويًا، وقادت مصر أول قرار دولى مخصص للسكتة الدماغية فى تاريخ الجمعية، مطالبةً بتكامل خدمات الرعاية وردم الفجوة الكارثية فى الوصول إلى العلاج بين الشمال والجنوب.
من جانبها أطلقت مصر شبكة إلكترونية للسكتة الدماغية كنموذج إقليمى رائد يربط وحدات الطوارئ بمراكز التدخل المتخصصة رقميًا، فى خطوة نحو تقليص فجوة العلاج الحادة فى الدول النامية.
القرار الرابع: الأشعة عن بُعد... حين تعبر الخبرة الحدود
فى كثير من المناطق النائية، يوجد الجهاز ولا يوجد مَن يُفسّر صورته، والأشعة عن بُعد تعنى أن طبيب أشعة متخصصًا فى القاهرة يستطيع تشخيص صورة التُقطت فى أقصى الجنوب والقرار يُرسى قواعد قانونية وتقنية دولية لتعميم هذه التقنية وتوسيع الوصول إلى التشخيص الرقمى حيث تعجز البنية التحتية وحدها عن الوصول.
وتمتلك مصر أكبر شبكة وحدات أشعة فى القطاع الحكومى بمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وتقود حاليًا توحيد بروتوكولات الأشعة الرقمية ضمن منظومة التأمين الصحى الشامل الممتدة عبر 27 محافظة.
القرار الخامس: اليقظة الدوائية... حارس الدواء الآمن
قبل وصول أى دواء للمريض، يمرّ بسلسلة رقابة صارمة، لكن المراقبة لا تنتهى عند التسجيل، بل تبدأ مرحلة أخرى أشد دقة: لرصد الآثار الجانبية فى حياة الناس الحقيقية، القرار الذى قادته مصر يُعزز قدرات الدول فى منظومة اليقظة الدوائية، ويُحوّل هذا الملف من اهتمام تقنى ضيّق إلى أولوية صحية جماهيرية.
حيث تُشغّل هيئة الدواء المصرية المركز المصرى لليقظة الدوائية المنتسب لقاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية، وأطلقت فى 2025 موجتها السابعة من مبادرة “معًا من أجل دواء آمن” بمشاركة مئات الصيادلة والممرضين عبر 27 محافظة.
القرار السادس: الإشعاع والصحة... الوقاية قبل المعالجة
مع تصاعد استخدام الإشعاع فى التشخيص والعلاج والصناعة والطاقة، يصبح بناء منظومة حماية دولية متكاملة ضرورة وجودية لا خيارًا، ومصر تقود هذا الملف بخبرتها الراسخة فى مجال الطاقة الذرية والتطبيقات الإشعاعية الطبية.
كما تمتلك مصر هيئة الرقابة النووية والإشعاعية الأكثر تطورًا فى القارة الإفريقية، وتستضيف مفاعل الضبعة النووى الذى سيُنتج 4 وحدات بقدرة 1200 ميجاوات لكل منها، ما يُرسّخ مكانتها مرجعًا إقليميًا فى الأمان الإشعاعى.
السياق الأكبر
فلا تأتى هذه القرارات الستة من فراغ، ومصر التى أجرت التقييم الاقتصادى للمبادرات الرئاسية الصحية الكبرى، من القضاء على فيروس «سى» إلى الكشف المبكر عن سرطان الثدى، وبنت منظومة التأمين الصحى الشامل على أسس اقتصادية محكمة، هى ذاتها مصر التى تحضر فى جنيف بأجندة واضحة، بهدف الدفاع عن حق الدول النامية فى الوصول العادل إلى تقنيات الصحة الحديثة.
فالقرارات الدولية تُترجَم إلى برامج تمويل وبروتوكولات علاج وتعاون تقنى، وكلها تعود بالنفع على المنظومة الصحية المصرية مباشرةً، سواء فى علاج الكبد الدهنى الذى يمس الملايين، أو فى تطوير خدمات الأشعة فى المحافظات النائية، أو فى دمج الطب الشخصى تدريجيًا فى منظومة التأمين الشامل.
ولا يقف الحضور المصرى عند حدود القرارات الستة؛ ففى الأيام ذاتها، أُعلن عن اختيار الدكتور محمد حسانى، مساعد وزير الصحة لشئون مبادرات الصحة العامة، عضوًا فى المجموعة الاستشارية الاستراتيجية والتقنية لمنظمة الصحة العالمية المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسى والأمراض المنقولة جنسيًا، لمدة ثلاث سنوات، ليكون ثالث مصرى يشغل هذا المنصب الرفيع، بعد مسيرة تقييم دولية استغرقت خمسة عشر شهرًا؛ إنجاز يُضاف إلى إنجاز، وكفاءة تُؤكد كفاءة.
فحين تكتب مصر أجندة الصحة العالمية من جنيف، فهى لا تُمثّل نفسها فحسب، بل تُمثّل كل دولة لم يكن لها صوت كافٍ على تلك الطاولة، وترسم خريطة جديدة للسياسة الصحية للدول الناشئة.