السؤال يتردد بقوة خاصة أننا نملك تراثًا مصريًا أصيلاً، صحيح أنه فى فحواه قد لا يختلف عما نحتفظ به داخل الكتب أو قاعات المتاحف، لكنه حىّ لا يزال ينبض فى كل أغنية شعبية، أو حكاية مروية، ومع كل رقصة أو حرفة أو حتى زىّ موروث تقليدى، تراث قادر على رسم خريطة ثقافية لمصر كلها، تلك الدولة العظيمة ذات الحضارة العريقة والتى تمتلك تراثًا ضخمًا من الفنون والثقافة الشعبية التى ابتدعها أهلها عبر آلاف السنين، وربما لا تملك دولة فى العالم والمنطقة المحيطة بها هذا الكمّ من التنوع الثقافى والإنسانى الهائل، من النوبة إلى سيناء، من مطروح إلى أسوان، من الدلتا إلى الواحات، من وادى النيل إلى أطراف الصحارى والواحات، كلها تحمل بين طياتها ثقافات وفنونًا من موسيقى، ورقصات، وأزياء، وحكايات شعبية وغناء تشكل فى مجموعها لوحة مصرية موزاييك فريدة من نوعها تستحق أن يتجدد اللقاء بها كل عام وتسير فى احتفال سنوى كرنفالى ضخم.
أعتقد أن الوقت قد حان كى تجمع مصر هذا الجمال فى احتفال سنوى ضخم يحتفى بالماضى ويصنع مستقبلاً جديدًا للثقافة المصرية، ويعيد تقديمها للعالم عن طريق إبداع أجمل كرنفالات التراث الإنسانى الشعبى.
ومن الغريب أن الدولة المصرية تملك القدرة والإمكانات التى تجعلها قادرة على تنفيذ الكرنفال المنتظر، فهى دولة لا تبدأ من الصفر، حيث إنها تملك كل عناصر الحلم من فنون ومرويات وموروثات، عناصر المشروع تعيش وسط مدنها وقراها منذ زمن طويل وتتوارث عبر الأجيال، تحتاج فقط لمَن يمدّ يده لها ويقوم بالتخطيط والتنسيق والتنفيذ، والأهم هو وضع الكرنفال المصرى الشعبى ضمن أجندة ثقافية وسياحية وطنية واضحة المعالم وشاملة.
البطل القادر على قيادة الكرنفال هى وزارة الثقافة لما تمتلكه من شبكة اتصالات واسعة داخل منظومة الفنون الشعبية، لديها الهيئة العامة لقصور الثقافة، ذات الأذرع الممتدة إلى كل أقاليم مصر، حيث تحتضن عددًا ضخمًا من فرق الفنون الشعبية إلى جانب فرق البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية، وفرق التنورة والتراث الشعبى، فضلاً عن عشرات الفرق المستقلة التى تعمل فى مختلف محافظات مصر، علاوة على أنها تمتلك مسارح مفتوحة وساحات مفتوحة وحدائق ومراكز إبداع يمكن أن تتحول إلى منصات للعروض الفنية والاحتفالات الشعبية.
ومن المطمئن أن مصر لا تزال تمتلك كنزًا بشريًا لا يُقدر بثمن، وقد لا تملكه غيرها من الدول، كنزها الحقيقى يكمن فى الحرفيين وصُناع التراث، الكنوز البشرية الحية، حيث إن الكرنفالات والفنون الشعبية عامة لا تكتفى بالعروض الراقصة والغناء والأداءات المسرحية، لكنها من الممكن أن تتحول إلى مهرجان شامل للحياة المصرية الشعبية، يمكن أن يتخلل الكرنفال منصات للحرف التقليدية، سواء استعراض المنتجات التراثية أو ممارسات حية لتلك الحرف أمام الجمهور، إلى جانب تقديم المأكولات الشعبية، الأزياء المحلية لكل إقليم مصرى، فنون الحكى والسير الشعبية، وكأننا أمام مشهد يعيد تقديم الهوية المصرية القومية بصورة عصرية معيشة بشكل عصرى جذاب ومنظم.
المصريون اعتادوا على مثل تلك الكرنفالات الشعبية منذ سنوات طويلة، وهو ما نراه دومًا خلال احتفالات موالد الأولياء الصالحين، حيث يقوم المريدون بإعادة تقديم ثقافتهم الشعبية أمام ضريح الولىّ الصالح كل عام فى موعد مولده، تلك هى ثقافة أهل مصر منذ عصور الدولة المصرية القديمة، وبالتالى، ونحن فى عصر جديد يمكن للدولة أن تعيد تقديم الهوية الشعبية بشكل ثقافى واجتماعى بصرى بعيدا عن المعتقد الدينى لكن بمنظور إنسانى ثقافى إبداعى.
وشاهدنا نماذج للمهرجانات الشعبية مثل التى يتم تنظيمها عبر شارع المعز لدين الله فى قلب القاهرة الفاطمية، أو مهرجان الطبول داخل القلعة الذى ينظمه الفنان المخرج إنتصار عبدالفتاح، وأحيانا بعض العروض الراقصة مع افتتاح مهرجان أسوان وغيرها من الفعاليات المتميزة لكنها محددة بفعالية أو بمناسبة تخصها، وليس كرنفالاً شعبيًا يشمل مصر كلها.
وإذا أردنا وضع تصور عملى للتنفيذ، فيمكن تخصيص يوم أو يومين فى نهاية أسبوع محدد ضمن الإجازة الصيفية وتخصيصه ليكون «كرنفال مصر للفنون الشعبية»، يبدأ من قلب القاهرة بافتتاح رسمى من ميدان التحرير على سبيل المثال، ثم يطوف وسط البلد وشوارعها، التى ستتحول إلى طرق للمشاة، تشارك فيه كل محافظات مصر بتراثها وفنونها وحرفها وعروضها وموسيقاها ورقصاتها، نعيد تقديم ثقافة مصر الشعبية عبر مسيرات فنية وثقافية متنوعة ومبهجة، الكل فيها مشارك ويمثل جزءًا أصيلاً من لوحة موزاييك أكبر، ومن القاهرة تتوالى الكرنفالات خارجها لتمتد إلى جميع محافظات مصر، وفى الكرنفال المتنوع العابر للشوارع والميادين سنرى عروض السمسمية وموسيقاها المميزة ورقصات فنانيها القادمين من مدن القنال، ونجد الطائفين فى الركب يتراقصون مع أهل النوبة وعلى أنغام أغانيهم المبهجة، ومن بعدها يطلّ لاعبو رقصات التحطيب القادمون من الصعيد، كذلك فنون السيرة الهلالية، ورقصات التنورة الشعبية، وأغانى البدو من مطرح إلى سيناء، وغيرها من الفنون الشعبية المصرية التى باتت تمثل جزءًا أصيلاً من الثقافة والفن الشعبى الإنسانى العالمى.
ومن الضرورى أن يصاحب الكرنفال الشعبى عمليات توثيق رقمى متكامل، حيث إن تسجيل كل عناصر الكرنفال من فنون شعبية، حرف تقليدية، أكلات، أزياء، موسيقى ومسرح وغناء وغيرها من الفنون التراثية، يعتبر أرشيفًا وطنيًا يحافظ على تراث مصر حيا أمام الأجيال القادمة.
ودون أدنى شك، فإن وزارة الثقافة هى الجهة القادرة على القيادة بتنظيم مثل هذا الكرنفال الشعبى باقتدار لما تملكه من مقومات، لكنها تحتاج إلى تعاون قوى مع جهات أخرى فى مقدمتها وزارة السياحة والآثار، الشباب والرياضة، التنمية المحلية، التربية والتعليم، بالإضافة إلى دور المحافظات والقطاع الخاص، فالمشروع فى جوهره لا يمكن أن يظل مجرد فعالية فنية ثقافية فقط، لكنه استثمار طويل الأجل فى القوة الناعمة التى تمثل عن حق الهوية المصرية الأصيلة.
خاصة أن مصر قد نجحت خلال السنوات القليلة الماضية فى تنظيم فعاليات عالمية استثنائية تحدث عنها العالم أجمع، بداية من موكب المومياوات الملكية مرورا باحتفالات إحياء طريق الكباش وحفل افتتاح المتحف المصرى الكبير المذهل، لذا فإن تنظيم كرنفال سنوى للفنون الشعبية والترويج له مبكرا عالميا وإقليميا يمكن أن يتحقق بالفعل، الفكرة ليست بعيدة المنال ولا حالمة، لكن يمكن لها أن تصبح مشروعًا واقعيًا يمكن تنفيذه بإمكانات موجودة بالفعل، والجميل أن قيمة الكرنفال الشعبى تتضاعف نظرا لكونه قادرًا على إعادة تقديم التراث بشكل حىّ على اعتبار أنه جزء أصيل من هويتنا المصرية وصالح كى يكون جزءًا حيًّا من حاضرنا ومستقبلنا، فالأمم القديمة لا تكتفى بحفظ تراثها وحضارتها داخل المتاحف، لكنها تمنحه الحياة كل يوم، وتجعل منه مصدرًا للفخر والإبداع والتنمية.
واللافت للنظر أن وزارة الثقافة بدأت بالفعل فى تقديم نماذج عملية تؤكد إمكانية الوصول بالفنون إلى الجمهور خارج حدود القاعات التقليدية والمسارح المغلقة أو حتى مراكز الإبداع التى قد يهاب البعض دخولها، حيث اتخذت خطوات جريئة بالدفع بالعروض الفنية إلى الشارع، الميادين، محطات المترو والأماكن العامة، فى محاولة لاستعادة العلاقة المباشرة بين الناس العادية ومختلف الفنون من غناء، موسيقى، رقص، حتى الفنون التراثية مثل الربابة وسيرة الهلالية وموسيقى المزمار ورقصات التنورة.
تلك بعض من التجارب التى أثبتت، رغم بساطتها، أن الجمهور المصرى لا يزال متعطشًا للفن والإبداع، وأن الفنون الشعبية المرتبطة بثقافة المصريين هى بالفعل قادرة على جذب الانتباه وإشاعة البهجة، خاصة عند تقديمها بصورة معاصرة ومنظمة وقريبة من الناس، كما يمكن النظر إلى تلك المبادرات باعتبارها تجارب أولية أثبتت نجاح فكرة الوصول بالفنون إلى الناس حيث يعيشون ويتحركون، ومن هنا يبدو الكرنفال السنوى للفنون الشعبية خطوة طبيعية تالية فى هذا المسار، لكن على نطاق أوسع وأكثر تنظيما وتأثيرا، وتصبح له مردودات كبيرة فى مختلف القطاعات مثل حركة السياحة، دعم الصناعات والحرف التقليدية، تنشيط السوق المحلى، دعم الاقتصاد المحلى.
لذا.. فإن مشاركة أكاديمية الفنون بدور فى مشروع الكرنفال الشعبى قد يكون مطلوبا، خاصة أنها مؤسسة تعليمية حاضنة ومتخصصة فى دراسة التراث والفنون الشعبية المصرية، وهى الأكاديمية الوحيدة التى تحتضن المعهد العالى للفنون الشعبية، الذى تأسس بهدف توثيق التراث الشعبى والحفاظ عليه، ويقوم بتخريج كوادر علمية متخصصة فى هذا الدور الحيوى، وبالتالى يمكن لأكاديمية الفنون أن تشارك فى تصميم العروض الكبرى، تدريب الفرق الشابة، إعداد المواكب الفنية، توثيق الفنون التراثية المشاركة، ودراسة التغييرات التى طرأت على مختلف الفنون التراثية عبر الزمن، فضلا عن مشاركة طلابها وخريجيها فى مختلف مراحل التنظيم والإبداع، والأهم هو أن يتحول الكرنفال إلى منصة جديدة لاكتشاف المواهب وربط الدراسة الأكاديمية بالفعل الثقافى المباشر داخل المجتمع، بما يضمن أن يتحول الكرنفال الشعبى إلى مشروع ثقافى مستدام يجمع بين البحث العلمى والإبداع الفنى والتنمية الثقافية، والأهم هو إعادة تقديم التراث المصرى بلغة جديدة ومعاصرة دون أن يفقد أصالته.
وربما يكون أجمل ما فى هذا المشروع أنه لا يحتاج إلى اختراع جديد بقدر ما يحتاج إلى جمع الخيوط الموجودة بالفعل فى يد الدولة المصرية، وصياغتها فى رؤية واحدة تجعل من الفنون الشعبية عيدا سنويا لمصر كلها، تنتظره كل المحافظات كما ينتظره الفنانون والجمهور، ويتحول مع مرور الوقت إلى إحدى العلامات الثقافية المميزة على خريطة العالم أجمع.
لذا فالسؤال لم يعد: هل تستطيع مصر إقامة كرنفال سنوى للفنون الشعبية؟ لكنه أصبح: متى تقوم مصر بإطلاق كرنفالها الشعبى السنوى؟