نخطو إلى داخل المدينة ، وقلوبنا مليئة بالفضول.. هناك عند بوابة المدينة، يقف محمد السعيد، مدير إدارة العلاقات العامة، يلوح لنا بحماس ويقول: «أهلا وسهلا بكم فى مدينة الفنون والثقافة، تعالوا نبدأ من هنا»، ننطلق معه على ممشى طويل تحيط به الأشجار والنوافير، يقول: «هذا الممشى يشبه الممشى الموجود فى دول أوروبا، لكن بطابعنا المصرى الخالص، انظروا إلى الأشجار المثمرة، تستطيع أن تقطف ثمرة وتأكلها وأنت جالس تقرأ كتابك، كل هذه الفاكهة حقيقية، فى كل زاوية تجد منافذ USB وشبكة «واى فاي» قوية لتشحن جهازك وتتصفح».
نتوقف عند نافورة رخامية، فيتابع: «لدينا 11 نافورة متفاوتة الأحجام فى أنحاء المدينة كلها، ثم يمضى بنا بين المساحات الخضراء الواسعة، ويشير إلى شجرة ضخمة ذات جذع غليظ: «هذه شجرة الأرز اللبنانية الأصلية جلبناها بجهود مهندسينا الزراعيين الذين درسوا تربتها لسنوات حتى تتأقلم مع مناخ العاصمة الجديدة».
نمر بممشى طوله كيلومتر كامل، تحيط بنا الغابات المثمرة من كل جانب، ثم نقف أمام بوابة المنطقة الشمالية، يشرح لنا بأصابعه الممدودة، ويعدد بصوت مرتفع: «هنا متحف العواصم، وهو يتناول مجموعة من العواصم التى مرت على مصر عبر العصور القديمة والوسطى والحديثة، وبجانبة متحف الفنون البصرية «الفيجوال آرتس»، وفيه أروع اللوحات، وفى الخلف متحف المومياوات الخاص، ومتحف آخر خاص بالعملات النادرة، و هناك بيت العود، وهو مبنى متكامل يضم عشرة فصول تعليمية مجهزة بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا، ويوجد أيضا «بيت الموسيقى المعاصرة»، حيث تدرس موسيقى الجاز والموسيقى الإلكترونية»، ثم يلتفت إلى ويقول بفخر: «كل هذه التفاصيل صنعتها أيد مصرية خالصة، من أول مهندس إلى آخر عامل نظافة».
نتجه جنوبا، هناك مكتبة العاصمة، بجانبها صالة ثقافية عالمية تتسع لنحو 200 شخص، وسينما وثائقية تتسع لـ129 مقعدا، منها 9 مقاعد VIP و120 مقعدا عاديا، مجهزة بأحدث أنظمة الصوت والصورة، ندخل القاعة، فتهدأ أصواتنا تلقائيا تحت وطأة الجدران العازلة للصوت، ثم نفاجأ بمنطقة الأوبرا ثلاثة مسارح ضخمة تتصافح فيها الأناقة والفخامة، نقترب منها خطوة بخطوة، ونلامس كل مسرح بحواسنا.
البهو الرئيسى
ندخل عبر الباب الزجاجى الضخم للبهو الرئيسى لمبنى الأوبرا، فتأخذنا الأنفاس وتعلو وجوهنا نظرات الدهشة والإعجاب، إذ شعرنا وكأننا ولجنا إلى قصر من قصور الملوك القدماء.. هناك 44 عمودا ضخما من الرخام الوردى تحمل سقفا خشبيا مرسوما باليد بألوان زيتية نابضة بالحياة.
يلفت محمد السعيد انتباهنا بحماس: «هذه الرسومات الرائعة نفذها طلبة مصريون أكفاء من كليات الفنون الجميلة بالجامعات المصرية، صعدوا سقالات معدنية، وناموا على ظهورهم لساعات طويلة وهم يرسمون هذه التحف على السقف، تخيلوا .. طلاب فى سنة تخرجهم فما بالكم بأساتذتهم الكبار؟».
وسط البهو، وعلى قاعدة سوداء، يقف تمثال ضخم لآلة «الهارب» البرونزية اللامعة، نطوف حوله ببطء ونتأمل تفاصيله الدقيقة.. يروى محمد السعيد قصته: «هذا التمثال صنعه الفنان الفرنسى العالمى تشارلز جورديه سنة 1874 فى باريس، لكن الآلة نفسها، آلة الهارب اختراع مصرى قديم خالص، الفراعنة صنعوها أول مرة من خشب الأرز وكان ارتفاعها لا يتجاوز 10 سنتيمترات، ولها أربعة أوتار فقط، أما اليوم، فارتفاعها يتجاوز المترين، وعدد أوتارها يزيد على 45 وترا، ولا تستغنى عنها أى فرقة أوبرا عالمية، هذا التمثال تحديدا كان موجودا سابقا فى قصر الملك فاروق بحلوان، ثم انتقل إلى متحف ركن فاروق ثم جئنا به إلى هنا ليعلن للعالم كله بلسان حاله: «نحن المصريون من اخترعنا هذه الآلة العظيمة»... ثم يقترب من التمثال ليمسكه برفق وحنو: «هذا التمثال يحمل قصة عزتنا وفخرنا كأقدم حضارة فى التاريخ».
الأزرق.. للموسيقى الضخمة
ندخل من المدخل الخاص، فتغمرنا موجة من اللون الأزرق العميق اللامع الكراسى المخملية الزرقاء، والستائر المنسدلة من السقف إلى الأرض، وأضواء خافتة تتراقص بهدوء على الجدران، نرفع أعيننا إلى السقف، حيث تتدلى أجهزة صوت عملاقة مصممة على شكل نجوم فضية.
يقول محمد السعيد: «هذا المسرح مهيأ خصيصا للحفلات السمفونية، ولأكبر الفرق الأوركسترالية فى العالم، تخيلى عازفا واحدا يدق الوتر، فيسمعه آخر جالس فى آخر صف بوضوح تام.
نقف فى وسط القاعة التى تضم 1500 مقعد وأعيننا مغمضة، ونتخيل أن آذاننا تسمع عزف بيتهوفن، والصوت يرتد من كل زاوية دون اختلاط أو تشويش، نجلس على أحد المقاعد الأمامية، فنشعر بخشب المقعد الأملس تحت أيدينا، ونتخيل أكثر من ألف موسيقى يعزفون أمامنا على خشبة واحدة.
الأخضر.. مملكة الدراما
نخطو بضع خطوات إلى اليمين، فتتلاشى المساحات الزرقاء فجأة ليحل محلها الأخضر الدافئ الناعم لون المخمل الفاتح، ولون خشبة المسرح المضاءة ببقع ذهبية متحركة، يقول محمد السعيد: «هذا مسرح الدراما، المقاعد هنا أكثر تقاربا من المسرح الأزرق، تحديدًا 570 مقعدًا موزعة على ثلاثة مستويات متدرجة».
نرى الممثلين القادمين من خلف الستار الثقيل، ونكاد نسمع حوارًا شكسبيريا أو مصريا أصيلا ينطلق من فوق الخشبة، يخبرنا محمد السعيد: «المسرح مجهز بأحدث تكنولوجيا للترجمة الفورية الى أكثر من لغة، وتكييف مركزى صامت تماما، وإضاءة متغيرة الألوان تخلق المزاج المطلوب لكل مشهد».. نقف للحظة ونتأمل المقاعد الخالية.
الأوبرا.. قلب المدينة النابض
هنا القلب النابض للمدينة بأكملها، مقاعد حمراء زاهية تمتد على أربعة مستويات، يتسع مجموعها لـ2200 شخص تتدلى الثريات الكريستالية الضخمة كأمطار متجمدة بلا حركة نشعر بثقل التاريخ المصرى العالق بين جنبات هذا المسرح.
يتقدم محمد السعيد بخطى ثابتة، ويشير إلى كرسى عادى فى الصف الثاني: «هنا بالضبط جلست الطفلة الفلسطينية التى طلبت لقاء الرئيس، وحضرت معه حفل «وطن السلام» التاريخى بتشريف الرئيس عبد الفتاح السيسي، هذا الكرسى سيظل محفورا فى ذاكرة المسرح إلى الأبد»، ثم يضيف: «هذا المسرح شهد أيضا حفل رمضان بريمير، وحفلات الباليه، وفويس أوف ذا سينشري».
خشبة المسرح ضخمة، وتتكون من أربع قطع، وقابلة للتحول فى دقائق إلى حلبة سيرك عالمي، أو مسرح أوبرا كلاسيكى أو حفل راقص معاصر، الصوتيات هنا لا تشبه أى مكان آخر فى الشرق الأوسط... نجلس صامتين لدقيقتين، ونستمع إلى همسنا الخافت يرتد إلينا كصدى نقي، كأننا فى جبال الألب.
الأسود.. عرين الظل والغموض
نتجه شمالاً نحو ممر جانبي، فنصل فجأة إلى المسرح الأسود بالكامل، لا نوافذ، ولا ألوان، ولا زينة، كل شيء أسود قاتم: الجدران والسقف والأرضية، وحتى الكراسى القليلة المتناثرة حول منصة صغيرة، نشعر وكأننا دخلنا إلى كهف مظلم تحت الأرض.
يشرح محمد السعيد بصوت منخفض، هذا المسرح مخصص لعروض الظل والبانتوميم، والعروض الصامتة تماما، وللتجارب الفنية الطليعية الجريئة التى لا تحتاج إلى أضواء صارخة».. ننظر إلى الفراغ الأسود المحيط، فنتخيل ممثلا يرتدى ثيابا سوداء بأطراف نيونية مضيئة، يتحرك كالحلم فى الظلام ويصنع لوحات بجسده.
نلاحظ أن عدد المقاعد هنا يصل إلى 120 مقعدًا، ليجعل التجربة حميمية وشخصية جدا، ننكمش فى مقاعدنا، لكننا متحمسون للغموض الذى يحيط بنا.
المكشوف.. تحت السماء
نصعد الدرجات الخرسانية العريضة إلى السطح المكشوف فتنفتح السماء الزرقاء أمامنا مباشرة، هذا المسرح عملاق يتسع لأكثر من 12 ألف شخص وقوفا، و5 آلاف شخص جلوسا على المقاعد المتحركة.
تمتد الكراسى البيضاء فى مدرجات مستطيلة عملاقة، وكلها تتجه نحو خشبة ضخمة مضاءة بأضواء الليل المتغيرة، نرفع وجوهنا إلى الزرقة اللامتناهية، فنرى الشمس تغرب بهدوء خلف مبانى العاصمة الجديدة.. ويخبرنا محمد السعيد: «هنا نقيم الحفلات الجماهيرية الكبرى، والمهرجانات الصيفية الساحرة، وعروض الألعاب النارية التى ترى من كل مكان، ثم يبتسم ويقول: «الجو هنا فى الليل ساحر جدا؛ تسمع الموسيقى والنجوم تطل عليك كأنها جمهور».
المسرح الرومانى الصغير
ننزل الدرجات بسرعة، ونسير خلف مبنى الأوبرا الرئيسي، فنعثر فجأة على جوهرة معمارية صغيرة وسط أشجار المسرح الروماني... حجارة قديمة اللون مستوحاة من العمارة الرومانية، وأعمدة قصيرة من الرخام المصري، ومقاعد حجرية مصطفة فى نصف دائرة تذكرنا بمسارح أثينا وروما القديمة، لكنها جديدة تماما وبراقة، وتخلق مزيجا ساحرًا بين العراقة والحداثة.
لا يتسع المسرح لأكثر من 80 شخصًا، وهو مخصص للفعاليات الصغيرة: الأمسيات الشعرية، وعروض البيانو المنفردة، والعروض الأكاديمية للطلبة.
نكمل جولتنا ببطء، وقد زرنا كل مسرح كحلم سريع يمر أمام العين نشعر بأن أقدامنا تلامس خشبات مختلفة تماما، وآذاننا تمتلئ بأنواع شتى من الموسيقى والصراخ والتصفيق الخيالى.
لقاء عابر مع طلبة كلية الفنون: «هنا نصنع المستقبل»
بينما كنا نجوب أروقة دار الأوبرا الجديدة، وننتقل من المسرح الأزرق إلى الأخضر، صادفت عدسة «المصور» مجموعة من الطلبة والشباب يتأملون بدهشة سقف البهو الرئيسى المرسوم يدويا ويشيرون بأيديهم إلى التصميمات الهندسية للقاعات من حولهم.
توقفنا لنسألهم عن زيارتهم، فأجاب على خالد، طالب بالفرقة الثالثة: «نحن طلبة كلية الفنون الجميلة، وجئنا فى رحلة علمية تنظمها الجامعة على نفقتها الخاصة، لنكتسب خبرة حقيقية على أرض الواقع».
بينما قال أحمد على، أحد طلبة الفرقة الثالثة: «ها نحن نرى بأعيننا المواد والخامات التى درسناها فى الكتب: أنواع الرخام، ودقة النجارة، ونظم الإضاءة المخفية، وصوتيات القاعات، الآن نستطيع أن نميز بين تصميم مسرح درامى وآخر أوبرالى، كل ما سمعنا عنه فى محاضرات التصميم والديكور الداخلى والمسرح نراه الآن حيا أمامنا».
وعن سرعة ودقة إنجاز المشروع، قالت دينا محمد: «المكان بأكمله استغرق حوالى ثلاث سنوات فقط، لكن هذه الأوبرا تحديدا، بمسارحها الستة وتقنياتها المعقدة، كانت تحفة فى الالتزام بالجدول الزمنى، نحن ندرس إدارة المشروعات، وقد أخبرنا مرشدونا أن العمل استغرق نحو ثلاث سنوات بجهود مئات المهندسين والعمال المصريين، دون الاعتماد على شركات أجنبية فى التنفيذ».
وأردفت: «كل عام تنظم الجامعة لنا عدة زيارات ميدانية إلى المسارح الكبرى والمتاحف والمعارض.. هذه الزيارات جزء أساسى من دراستنا وتكسبنا مهارات لا نجدها فى الكتب، نشكر القائمين على هذه المدينة الفريدة الذين فتحوا لنا أبواب الأوبرا قبل الافتتاح الرسمى، ونحن سعداء بأن نكون جزءًا من هذا المستقبل»، غادرت المجموعة وهم يترنمون بذكريات يوم حافل بالجمال والإبداع، وآذانهم لا تزال يتردد فيها صدى قاعات الأوبرا الخاوية التى ستمتلئ قريبا بأجمل الموسيقى.
فى مكتبة العاصمة مع «د. زين»
نطرق باب المكتبة، فيفتح لنا الدكتور زين عبد الهادى، يبتسم ويقول: «المكتبة هنا ليست مجرد كتب تضم بين صفحاتها كلمات إنها جزء من أربع قطع أساسية تشكل المدينة المكتبة، ودار الأوبرا الجديدة، ومتحف العواصم، ومتحف الفن الحديث، ويجب أن نشير إلى أن مصطلح «مدينة الفنون والثقافة فريد عالميا، فلا توجد مدينة فى العالم تجمع الاثنين معا.. صدقيني، أنا بحثت كثيرا فى هذا الأمر»، ثم يضيف مبتسما : «لقد عملنا سنوات لنصل إلى هذا المستوى، وكل هذا الجهد من أجل زائر واحد مثلك».
نتجول فى جنبات المكتبة وأعيننا متعلقة بكل المحتويات، بينما تنساب أشعة الشمس عبر المربع الزجاجي، فتنير الممرات.. نلمس أغلفة الكتب، ونشم رائحة الورق القديم، وهنا يشير «عبدالهادى» إلى كتاب ضخم موضوع فى علبة زجاجية: «هذا «وصف مصر» الذى جاء مع الحملة الفرنسية عام 1798، واكتمل عام 1803 تقريبا، نسختنا هنا فريدة من بين 2000 نسخة فقط موجودة فى العالم كله، جاءت حملة نابليون بجيش من العلماء، وكتبوا كل شيء عن مصر: النباتات والحيوانات، والعادات والشوارع، هذا الكتاب هو المرجع الأول لكل باحث فى تاريخ مصر الحديث»، ثم يتوقف قليلا ليمسك العلبة بحذر ويقول: «انظرى إلى هذا الكنز، إنه يروى لنا قصة مصر قبل مائتى عام، قبل ظهور محمد على وآلات التصوير».
نصعد سلالم تؤدى إلى حديقة المعرفة».. هناك، كتب لا توجد فى أى مكتبة أخرى بالعالم، نخفض صوتنا احتراما لهذا الكنز، يخبرنا «عبدالهادى»: «لدينا حاليا 70 ألف عنوان، بحوالى 250 ألف نسخة تقريبا ونحن نختار بدقة شديدة، لأننا لا نريد أى كتب عادية، نتعاون مع 82 سفارة أهدتنا كتبا ثمينة بلغات مختلفة: الإنجليزية والفرنسية والألمانية، والصينية، وحتى كتباً نادرة باللغة السواحيلية، وكل ذلك تنفيذا لطلب الرئيس مباشرة، المكتبة لم تفتتح رسميا بعد، لكننا نستقبل يوميا ما بين 30 إلى 40 زائرًا من الباحثين والمثقفين والسفراء، أسفلنا مكتبة أطفال ضخمة جدا، وسينما وثائقية، وصالة ثقافية سنقيم فيها صالونا شهريًا أو أسبوعيا»، ثم يهمس قائلا: فى الحقيقة، أحب هذه الحديقة كثيرًا، فهى تجمع كل ثقافات العالم تحت سقف واحد».
بين النحت واللوحة
نخرج إلى ساحة مكشوفة تحت أشعة الشمس الدافئة، ونلتقى الدكتور إيهاب اللبان، نائب مدير المدينة ومسؤول متحف الفنون البصرية، يبتسم بحرارة ويصافحنا بحفاوة، ثم يقودنا إلى قاعات المتحف المتجاورة.. فتتوالى التحف الأثرية أمامنا فى صمت مهيب.
المستشرقون
لوحات زيتية كبيرة من القرنين السابع عشر والثامن عشر، تصف الحياة المصرية اليومية قبل اختراع التصوير الفوتوغرافي، نقرأ وجوه المصريين القديمة، ونتجول بأعيننا فى شوارع لم تعد موجودة الآن ويقول الدكتور إيهاب: «هذه اللوحات توثق لنا عصرًا كاملا من تاريخ مصر، وتجعلنا نعيش فى الماضى كأننا هناك».
أسرة محمد علي
تمثال نصفى لمحمد على باشا الكبير، نفذه الفرنسى الشهير جاك مار، صانع تمثال «أسود النيل الشهير القائم فى قصر النيل.. نلمس البرونز البارد تحت أطراف أصابعنا، وتتحدث أعمال فنانين عالميين آخرين عن ملوك وأمراء مصر من الأسرة العلوية نفسها.
يضيف «اللبان»: «هذا التمثال كان مفقودا لسنوات طويلة فى أوروبا، ثم عثرنا عليه فى مزاد علنى فى لندن، وأعدناه إلى موطنه الأصلى».
الفن الأوروبى
رودان ورينوار يقفان جنبًا إلى جنب على الجدار نفسه.. يهمس «اللبان» بهدوء: «هذا التجميع الفريد يؤكد أن مصر كانت على مر التاريخ، مصدر إلهام للعالم أجمع، وفى الوقت نفسه مستقبلا أمينا لأروع فنونه».
الفن المصرى من الحداثة إلى المعاصرة
نبدأ الرحلة الزمنية من محمود سعيد وأحمد عثمان ثم نمشى عبر الرواق الطويل حتى نصل إلى فنانى القرن الحادى والعشرين، نكاد نرى فرشاة الرسم وهى تحرك التاريخ أمام أعيننا، يقول «اللبان»: «الرحلة هنا طويلة، لكنها ممتعة جدا، كل لوحة تحكى فصلا كاملا من فصول قصتنا المصرية الحديثة».
سمبوزيزم العاصمة
ثم نخرج إلى الهواء الطلق مجددا، حيث موقع «سمبوزيوم العاصمة للنحت المكشوف نرى بأعيننا فنانين مصريين معاصرين يشقون كتل الحجر والرخام والجرانيت بالإزميل والمطرقة.
ويقول «اللبان»: «هذا المهرجان هو أول حدث فنى منظم يحدث على أرض المدينة منذ إنشائها، الهدف الأساسى هو تحويل العاصمة الجديدة بأكملها إلى متحف مفتوح يزينه الفن، مع كل دورة جديدة من السمبوزيوم، تمتلئ الميادين والحدائق والفراغات العامة بأعمال نحتية رائعة لأهم فنانى مصر المعاصرين».
نقترب خطوة من نحات سبعينى يزيح غبار الرخام بيديه العاريتين فتخرج من تحت إزميله ملامح وجه مصرى أصيل بعينين واسعتين.. يضحك «د. اللبان» ويوضح: «هذا النحات الجليل من أسوان، وهو خامس جيل متتال فى عائلة تمتهن النحت على الجرانيت منذ عام 1880، هذا هو الفن الحي».
متحف عواصم مصر
ندلف إلى متحف عواصم مصر من بابه الجنوبي، فيستقبلنا محمد جمال الفضالى المشرف العام على المتحف، يبتسم ابتسامة عريضة ويقول بحماس : هذا المتحف هو الأول من نوعه فى العالم بأسره، لأنه أول متحف يتحدث عن تاريخ عواصم دولة واحدة، وليس عن حضارة أو إمبراطورية، الفكرة الكلية جاءت متسقة تماما مع رؤية القيادة السياسية لبناء الإنسان المصرى الجديد القائم على المعرفة والثقافة والفنون، والحفاظ على هويته الوطنية الأصيلة، هنا، فى هذه القاعات، نسافر معا عبر آلاف السنين».
ثم يقول: «دعينى أرافقك شخصيا فى هذه الرحلة التاريخية السريعة»، ويأخذنا إلى ماكيت ضخم جدا يبلغ طوله 8 أمتار وعرضه 6 أمتار، يجسد المرحلة الأولى للعاصمة الجديدة بتفاصيل دقيقة جدا، نشير بأصابعنا إلى المعالم ونعدد بحماس: «مدينة الفنون التى نقف فيها الآن، والأحياء السكنية الستة المتجاورة، والنهر الأخضر الاصطناعى الذى يخترق المدينة بالكامل، والبرج الأيقونى الذى يطل على كل شيء، والحى الحكومى والوزارات».
يتابع «الفضالى» الشرح: «نعرض فى قاعاتنا الرئيسية أبرز عواصم مصر القديمة والحديثة بالترتيب الزمني: نبدأ بمدينة «منف»، أول عاصمة سياسية للدولة المصرية الموحدة فى عصر الدولة القديمة ثم «طيبة» العاصمة الدينية، ثم «تل العمارنة» عاصمة إخناتون، ثم «الإسكندرية» اليونانية الرومانية، ثم القاهرة التاريخية التى مرت بثلاث عواصم متعاقبة: «الفسطاط»، و«العسكر»، و«القطائع»، ثم القاهرة الفاطمية، وأخيرًا القاهرة الخديوية التى نعرفها اليوم، ثم نختم الجولة بالماكيت الحديث للعاصمة الجديدة.
ثم يتوقف فجأة ويسألنى بفضول: هل تعرفين أن أول عاصمة موحدة فى التاريخ كله كانت «منف» المصرية؟ نعم، هنا فى هذا المتحف نقف على بداية كل شيء فى التاريخ السياسى للبشرية.
نتجول بعد ذلك فى قاعة العالم الآخر» المظلمة قليلا، حيث نرى لوحات جدارية ضخمة تشرح معتقدات المصرى القديم فى البعث والحساب والثواب والعقاب، ونماذج من أوانى التحنيط والتوابيت الحجرية.
ثم نصعد درجا حلزونيا إلى قاعة العملات العلوية، حيث تتألق المسكوكات الذهبية والفضية والبرونزية من عصور مختلفة تحت الضوء الخافت المركز.
يختم «الفضالى» كلامه بفخر: «فلسفتنا المتكاملة أن الجمهورية الجديدة، بعاصمتها الذكية المستدامة امتداد طبيعى وشرعى حضارة مهيبة تمتد جذورها فى أعمق أعماق التاريخ، هنا، فى هذا المتحف، نموذج مصغر بالكامل لمصر كلها من النشأة الأولى إلى «الحداثة المتألقة».. نودعه عند الباب وهو يلوح بيده، ونحن نردد داخليا بعمق «مصر كانت وستظل إلى الأبد أمة الحضارات».
خلف كواليس الموسيقى
نخترق أبواب مسرح الموسيقى الخلفية الصغيرة، هناك، فى غرفة مكيفة الإضاءة، يجلس الفنى المصرى الشاب يوسف محمد بجوار بيانو ضخم طويل أسود اللون وبجانبة مباشرة خبير أجنبى شاحب الشعر كثيف اللحية، ترتشف أصابعه الطويلة مفاتيح البيانو كأنها تعزف لحنا طويلا، يحدثنا بصوت منخفض: «هذا الرجل الأجنبى العجوز من أفضل خمسة خبراء فى العالم مختصين بصيانة البيانوهات وتوليفها احترافيا، جاء إلى مصر خصيصا لمعايشتنا، ويصل بألتنا الضخمة إلى المستوى الدقيق نفسه الموجود فى دار الأوبرا بفيينا، المهنة تحتاج إلى أكثر من 20 سنة تعلما متواصلا، ولا توجد لها شهادة جامعية واحدة؛ إنها حرفة تنتقل من الأستاذ إلى التلميذ جيلا بعد جيل، لدينا هنا 66 بيانو ضخما منتشرة على مسارح المدينة المختلفة، وكل واحد منها يحتاج إلى توليف دقيق كل ستة أشهر بالضبط، وهذا ما يسمى بالصيانة الدورية أما الصيانة الثانوية العميقة، فيقوم بها هذا الخبير بنفسه، ولا يتركها لأى فنى آخر».
ثم يخفض صوته إلى همس: «كنت أحلم يوما أن أجلس بجوار هذا الرجل الأسطوري، والآن أصبح مدربى الشخصى ومعلمي، الذى يأتى كل ستة أشهر ويقيم معى أسبوعين كاملين».
ننظر إلى الخبير الأجنبى باحترام، يرفع رأسه فجأة ويبتسم لنا ابتسامة عريضة صامتة نسأله بالإنجليزية بصوت منخفض: كيف تجد البيانوهات المصرية هنا؟ هل تصل إلى المعايير الأوروبية؟... فيجيب بصوت دافئ واضح، ونحن نترجم: «إنها تماما كما فى أوروبا بل أفضل قليلا فى بعض النواحى، فى أوروبا تكون قاعات الحفلات العريقة قديمة جدا، وتتأثر البيانوهات بالرطوبة والتغيرات المناخية وحشود الزوار، أما هنا، فكل شيء جديد تماما، ولم يتعرض للاستخدام المكثف بعد هذه نضارة فريدة لا تتكرر إلا مرة كل مائة سنة، كل هذه البيانوهات الرائعة، وعددها 66، موجودة فى مكان واحد، وفى قاعات ذات صوتيات مذهلة مصممة خصيصا لكل آلة الوضع العام مثالى جدا، الصيانة الوقائية التى يقوم بها «محمد» تحت إشرافى وصلت إلى أعلى درجة جودة فى العالم، استخدام البيانوهات دقيق جدا، ولا يوجد أى إهمال أو سوء استخدام، وهذا هو السر الذى يحافظ على كفاءتها لعقود قادمة».
ثم يهمس لنا مبتسما، وكأنه يبوح بسر عظيم: «حبى لمدينة الفنون والثقافة لا وصف له، ولا أستطيع التعبير عنه، أشعر أننى جزء من هذه العائلة».
وبعد انتهاء حديثه، بدأ الخبير بلمس مفاتيح البيانو الأبيض الطويل، فسرعان ما انتشر النغم العذب داخل أرجاء المسرح كلها؛ صوت نقى كأنه ألف قبلة متراقصة على سطح الماء الهادئ، لا يحتاج إلى ميكروفونات أو سماعات على الإطلاق.
نهاية الرحلة
نقف عند بوابة الخروج الرئيسية للمدينة للمرة الأخيرة ننظر إلى الأفق البعيد: الأوبرا بمسارحها الستة المتألقة، والمكتبة الزجاجية التى تلمع فى الضوء، والمتاحف الثلاثة، والحدائق المعلقة، والتماثيل البرونزية المنتشرة، كلها تمتزج فى لوحة بانورامية واحدة لا تنسى.
نتذكر كلمة محمد السعيد التى قالها لنا فى بداية الجولة، وهى تتردد فى آذاننا من أول بوابة الدخول حتى نهاية الرحلة مهما طالت، ستجد دائما ما يبهج عينك ويعكس عراقة الفن المصري
وقدرة المصريين على «صنع المستحيل»، ثم يلتفت ناحيتنا ويضيف: «كنت هنا فى هذا الموقع منذ أول يوم حفرت فيه أول طوبة، وشاهدت الحلم الكبير يتحقق قطعة قطعة امام عيني».
نغادر المكان بخطى بطيئة مترددة، لكن أصابعنا ما زالت تشعر بلمسة رخام التماثيل، وآذاننا ما زالت تسمع صدى صوت البيانو البعيد الخافت، وعيوننا تحتفظ بوهج أشعة الشمس الذهبية المتسللة من خلال المربع الزجاجى لمكتبة العاصمة.
مدينة الفنون والثقافة لم تبن من حجر وخشب وزجاج فقط، بل بنيت من حلم مصرى عريق وضخم، تمتد جذوره من عصر الفراعنة العظماء إلى الجمهورية الجديدة المتألقة.