فى إطار هذا التوجه، تستعد هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) لإصدار ما يُعرف بـ«إعفاء الابتكار» للأوراق المالية المُرمزة، فى خطوة قد تُسرع من جهود شركات وول ستريت لدمج الأوراق المالية التقليدية فى منصات البلوك تشين، مما يمهد الطريق لمسار تنظيمى جديد يسمح بتداول الأسهم خارج البورصات التقليدية، وتميل الهيئة نحو السماح بتداول الرموز الرقمية (التوكنز)، التى لا تستلزم دعم الشركات المُصدرة للأسهم أو موافقتها، وستكون هذه الرموز الصادرة عن أطراف ثالثة قابلة للتداول على منصات التشفير اللامركزية، وستعمل بوصفها أدوات للمضاربة على تحركات أسعار الأسهم؛ إلا أنها قد لا تمنح حامليها حقوق المساهمين التقليدية مثل حق التصويت أو توزيعات الأرباح، وفقًا لما أفادت به وكالة «بلومبيرج».
فى المقابل، سارعت شركات وول ستريت إلى الاستعداد لهذا التحول؛ إذ أعلنت مؤسسة الإيداع والتسوية (DTCC) خططًا لبدء تداولات محدودة للأصول المُرمزة خلال يوليو المقبل تمهيدًا لتوسع أكبر فى أكتوبر، كما تعمل شركة «ناسداك» على تطوير إطار يتيح إصدار أسهم قائمة على تقنية «البلوك تشين» مع الحفاظ على حقوق الملكية التقليدية، بعدما حصلت خطتها للأوراق المالية المُرمزة على موافقة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية فى مارس الماضى، بينما كشفت بورصة إنتركونتيننتال الشركة الأم لبورصة نيويورك، عن خطط لتوسيع استخدام البلوك تشين والأصول المُرمزة ضمن جهود تحديث أسواق المال والبنية التحتية المالية، وتعكس هذه التحركات سباقًا عالميًا لتحديث البنية التحتية لسوق الأسهم الذى تُقدر قيمته بنحو 126 تريليون دولار، عبر توظيف تقنية «البلوك تشين»، التى تتيح تسجيل البيانات بشكل موزع وآمن عبر كتل مترابطة يصعب التلاعب بها.
وتزامنًا مع هذه التحولات، تكثف اليابان جهودها لتعزيز اقتصادها الرقمي؛ إذ أقر الحزب الليبرالى الديمقراطى الحاكم مقترحًا لنظام مالى مستقبلى يجمع بين الذكاء الاصطناعى وتقنية البلوك تشين، يتيح تشغيلًا مستمرًا للأسواق المالية وتسويات أسرع وأكثر شفافية، كما تستعد هذا العام لترميز سنداتها الحكومية، بقيادة شركة «بروجمات» المتخصصة فى تطوير أسواق الأصول الرقمية، وبالتعاون مع كبرى البنوك اليابانية.

وتعليقا منه على النظام المالى المستقبلى عالميا، قال الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، إن المقصود بالأسهم المُرمزة، هو تحويل الأسهم التقليدية إلى رموز رقمية يتم تداولها عبر شبكات «البلوك تشين»، بحيث تصبح عمليات البيع والشراء والتسوية أكثر سرعة وشفافية وأقل تكلفة مقارنة بالأنظمة التقليدية الحالية فى الأسواق المالية، وإذا اعتمدت هيئة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية هذا الإطار بشكل رسمى، فنحن أمام تحول تاريخى فى أسواق المال الأمريكية، فالبلوك تشين قد يسمح بتنفيذ التسويات المالية بصورة شبه فورية بدلًا من الانتظار لأيام، كما قد يفتح الباب أمام التداول المستمر على مدار 24 ساعة يوميا، وكذلك سنشهد تحولًا فى أدوار الوسطاء والمؤسسات التقليدية لصالح المنصات الرقمية وشركات التكنولوجيا المالية.
وأوضح أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، أن التأثير المتوقع لهذه التحركات على الأسواق العالمية سيكون كبيرا؛ إذ إن توجه الولايات المتحدة نحو تبنى هذه التقنيات يرسل إشارة قوية للأسواق بأن التكنولوجيا أصبحت تحظى بقبول مؤسسى واسع، بينما تعكس خطوات اليابان نحو ترميز السندات الحكومية بداية مرحلة جديدة من رقمنة الأصول المالية على مستوى العالم سواء الأسهم أو السندات أو الصناديق الاستثمارية، وأن هذه التطورات تسهم فى منح تقنية «البلوك تشين» شرعية مؤسسية أكبر، بعدما ارتبطت لسنوات فى أذهان كثيرين بالمضاربات والعملات المشفرة فقط، ودخول الهيئات التنظيمية الكبرى والمؤسسات المالية العالمية إلى هذا المجال يعزز الثقة بالتقنية، ويؤكد إمكانية تحولها إلى جزء أساسى من البنية التحتية للنظام المالى العالمى خلال السنوات المقبلة.
كما كشف عن إمكانية تطبيق مصر لهذه الآلية مستقبلًا، لكن يحتاج الأمر إلى تدرج واستعداد تشريعى وتكنولوجى، فمصر تمتلك فرصًا جيدة فى ظل توجه الدولة نحو التحول الرقمى والشمول المالي؛ إلا أن تطبيق هذه المنظومة يتطلب تحديث القوانين المنظمة لسوق المال، وتطوير البنية الرقمية، وتعزيز الأمن السيبرانى، وربما يكون البدء بترميز السندات الحكومية أو بعض الأدوات المالية المحدودة خطوة مناسبة قبل التوسع الكامل فى الأسهم المرمزة.

من جانبها، قالت الدكتورة رانيه الجندى، عضو مجلس إدارة الاتحاد المصرى للأوراق المالية سابقًا، وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع، إن البنية التحتية لأسواق المال العالمية شهدت فى الآونة الأخيرة تحولًا جذريًا مدفوعًا بثورة التكنولوجيا المالية الناشئة، وتحديدًا تقنيات سجلات الحسابات الموزعة «البلوك تشين» وترميز أصول العالم الحقيقى، حيث لم يعد الترميز مجرد أداة تكنولوجية ثانوية بل أصبح إعادة صياغة شاملة لفلسفة الملكية وآليات التداول وهندسة السيولة، مما يمهد الطريق لبيئة استثمارية أكثر كفاءة وشفافية وديمقراطية مالية، كما أن التوجه التشريعى لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية لإصدار إطار تنظيم الأسهم المرمزة يمثل نقطة تحول جوهرية تتخطى مجرد تحديث الأنظمة، لتطال البنية التحتية لهندسة الأصول وخدمات ما بعد التداول، ويتلخص الأثر التشغيلى فى التسوية الفورية والتداول المستمر على مدار الساعة، وكذلك الملكية الكسرية والتحرر المالى وتخفيض التكاليف التشغيلية بشكل حاد.
وأضافت «الجندى» أن المجتمع المالى الدولى يشهد تحولًا مؤسسيًا جارفًا نحو ترميز أصول العالم الحقيقى، حيث لم يعد الأمر مقصورًا على التجارب الفردية، بل امتد ليشمل قادة المال عالميًا، فقد قامت مؤسسات مالية عملاقة مثل «بلاك روك» و«جى بى مورجان» بإطلاق صناديق استثمارية وأدوات دين مرمزة على شبكات البلوك شين، مثل شبكة إيثيريوم، وتدير حاليًا مليارات الدولارات بصورة رقمية مشفرة وموثوقة، كما تجرى بنوك مركزية كبرى مثل البنك المركزى الأوروبى وبنك إنجلترا تجارب مكثفة لدمج العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للجملة مع الأنظمة المرمزة لتسهيل عمليات الدفع والتسوية اللحظية الفورية، إضافة إلى ذلك يتيح الترميز استخدام الأسهم والسندات المرمزة كضمانات لحظية فورية فى سوق الإقراض، مما يسهل تدفق رءوس الأموال عابرة الحدود دون قيود أو تعقيدات شبكات البنوك التقليدية.
وفيما يتعلق بالمخاطر التشغيلية والسيبرانية لترميز الأصول، أوضحت «الجندى» أن الانتقال من نموذج التداول التقليدى إلى التداول المرمز ينطوى على إعادة هيكلة جذرية لطبيعة المخاطر التشغيلية والسيبرانية وآليات مجابهتها فى أسواق المال؛ فبينما يرتكز التداول التقليدى على مخاطر الوساطة المالية واحتمالات تعثر غرف المقاصة المركزية ومخاطر فجوات التسوية الزمنية إلى جانب الاعتماد على خوادم مركزية، قد تكون عرضة للهجمات السيبرانية الكلاسيكية أو التوقف المفاجئ، فإن التداول المرمز يستبدل هذه المنظومة بأتمتة كاملة تلغى مخاطر الطرف المقابل عبر التسوية اللحظية، ومع ذلك فإن هذا التحول الرقمى يفرض تحديات سيبرانية وتشغيلية من نوع جديد ترتبط مباشرة بسلامة الأكواد البرمجية وأمن البيانات الموزعة أبرزها ثغرات العقود الذكية، ومخاطر التلاعب وتشتت السوق ومخاطر الامتثال وغسيل الأموال، إضافة إلى مخاطر انقسام الشبكة.
وأكدت أن مصر تمتلك بنية تشريعية وتكنولوجية متقدمة تؤهلها للانخراط فى هذا التحول الرقمى بصورة مدروسة، وتوفر بيئة داعمة لتبنى هذه المنظومة من خلال عدد من الآليات التنفيذية، فتتمثل الركيزة الأولى من هذه الآليات فى وجود مظلة تشريعية متكاملة أما الركيزة الثانية فتتمثل فى تصميم شبكة «بلوك تشين» وطنية مصرح بها ومدارة، تتوافق مع الحظر المفروض على العملات المشفرة غير الرسمية.