بيانٌ دحض شائعات وافتراءات منصات ولجان جماعة الإخوان الإرهابية خلال الأيام الماضية، هدفها بث الرعب والقلق فى نفوس ملايين المودعين بشأن إمكانية انهيار البنوك المصرية والترويج لأكاذيبهم والنفخ فيها لتضخيمها وتهويلها، على خلفية واقعة تعثر أحد رجال الأعمال فى سداد مديونية ضخمة اقترضها من عدة بنوك مصرية، فضلاً عن التشكيك فى حيازة تلك البنوك ضمانات ائتمانية نظير منحها مثل تلك المديونية الضخمة.
شائعات وافتراءات أرادت إشعال فتنة داخلية ترغب فى ضرب الجهاز المصرفى المصرى فى مقتل، ووصمه بالوهن الذى يمكن أن يُعرّض أموال المودعين للخطر، ناهيك عن إثارة موجات قلق وغضب شعبى دون مبرر!.
البنك المركزى بصفته مشرفاً ومراقباً لأداء جميع البنوك العاملة فى مصر، أكد فى بيانه على أن كافة البنوك فى مصر لديها سياسات ائتمانية تتسق مع القواعد والضوابط الرقابية التى تحافظ على الاستقرار المصرفى والمالي، فضلاً عن دوره الرقابى على القطاع المصرفى الذى لا يمنح أى تسهيلات ائتمانية أو إجراء إعادة هيكلة لمديونية العملاء إلا بعد عمل دراسات ائتمانية دقيقة وفقًا لضوابط منح الائتمان الصادرة عن البنك المركزى بما يحفظ حق البنوك، يتم من خلال تلك الضوابط الحصول على الضمانات الكافية بناء على موقف العميل الائتماني، بالإضافة إلى اتخاذ جميع إجراءات التحوط بتكوين المخصصات اللازمة لمواجهة أية مخاطر محتملة، بما يضمن الحفاظ التام على أموال المودعين.
البنك المركزى برئاسة حسن عبدالله أكد على أن البنوك ملتزمة بالمتابعة الدورية لجميع معاملاتها مع كافة العملاء، وفقًا للقواعد الرقابية وأفضل الممارسات الدولية المتبعة فى هذا الشأن.
وفى ختام البيان ناشد البنك المركزى مرتادى مواقع التواصل الاجتماعى ضرورة توخى الدقة والحذر قبل تداول أية معلومات قد تثير اللغط وتؤثر فى الرأى العام، واستقاء المعلومات من مصادر موثوقة.
الغريب فى الأمر هو كيف تم تسريب تلك المعلومات عن رجل الأعمال المتعثر، فى الوقت الذى يضمن فيه الجهاز المصرفى سرية الحسابات وبموجبها لا يحق لأى شخص كشف تعاملات أو مديونيات أو قروض أى رجل أعمال أو مستثمر أو حتى شخص عادى فى أى بنك، طالما لم يحرك البنك ضده دعوى قضائية أو تم الحكم عليه بشكل نهائى؟، أى أنه لا يحق لأى شخص الكشف عن تلك المعلومات بدون حكم قضائى أو إجراء قانونى!.
يقيناً لابد من كشف مُسرّبى تلك المعلومات السرية التى كفلها قانون البنك المركزى والجهاز المصرفى رقم 194 لسنة 2020 الذى نصت المادة 140 منه على أن «تكون جميع بيانات العملاء وحساباتهم وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم فى البنوك وكذلك المعاملات المتعلقة بها سرية، ولا يجوز الاطلاع عليها أو إعطاء بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر، إلا بإذن كتابى من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزينة أو من أحد ورثته أو من أحد من الموصى لهم بكل هذه الأموال أو بعضها، أو من نائبه القانونى أو وكيله أو بناءً على حكم قضائى أو حكم تحكيم».
كما نصت المادة ذاتها على أنه «ومع عدم الإخلال بالاستعلامات الواردة بهذا القانون، يسرى الحظر المنصوص عليه فى الفقرة الأولى من هذه المادة على جميع الأشخاص والجهات، بما فى ذلك الجهات التى يخولها القانون سلطة الاطلاع أو الحصول على الأوراق أو البيانات المحظور إفشاء سريتها طبقا لأحكام هذا القانون، ويظل هذا الحظر قائماً حتى لو انتهت العلاقة بين العميل والبنك لأى سبب من الأسباب»!.
وفق ذلك القانون تلتزم البنوك فى مصر بعدم إعلان أية قوائم بأسماء أكبر المقترضين أو المتعثرين، ولا يتم الكشف عنها فى وسائل الإعلام إلا من خلال أزمات أو قضايا ديون يتم تداولها فى النيابات والمحاكم.
إذن، هناك مخالفة صريحة، تستدعى ضرورة الوصول إلى مرتكبيها ومعاقبتهم، ثم إن إقراض البنوك لكبار رجال الأعمال ليس سُبة أو جريمة، بل من صميم مهامها التى لا تقتصر على تلقى أموال المودعين فقط بل تشغيلها أو استثمارها من خلال منح القروض لقطاع الأعمال الخاص أو تمويل الشركات والأفراد، وفق شروط وضمانات ائتمانية يراقبها البنك المركزى، كما يمكننا القول إنه لا يوجد مستثمر أو رجل أعمال واحد كبيراً كان أو صغيراً إلا واقترض من البنوك، وفى حالة تعثره عن السداد تتم جدولة ديونه، على أن يتم ذلك فى إطار من السرية التامة!.
نقطة أخرى مهمة دعونى أتوقف عندها.. ربما توسوس فى نفوس البعض أفكار تشاؤمية بشأن وجود قائمة أخرى لرجال أعمال كبار متعثرين فى سداد مديونياتهم للبنوك، لكن الحقيقة المؤكدة والدامغة والنافية لأية جهالة حملتها الأرقام الصادرة من الجهاز المصرفى المصرى فى نوفمبر 2024 والتى أشارت إلى أنه فى الوقت الذى بلغ إجمالى قروض قطاع الأعمال الخاص فى مصر حوالى 2.6 تريليون جنيه استحوذ منها قطاع الصناعة على حوالى 1.285 تريليون جنيه، تليها شركات التطوير العقارى الأكثر اقتراضًا بسبب حجم وطبيعة مشاريعها الضخمة، فإن نسبة القروض المتعثرة قد بلغت حوالى 2.7 فى المائة فقط من إجمالى تلك القروض، وهو رقم متواضع للغاية، يحسب لقدرة وقوة القطاعات الائتمانية!.
أما إثارة المخاوف من انهيار البنوك «لا قدر الله» بسبب تعثر كبار العملاء من رجال أعمال ومستثمرين حصلوا على قروض ضخمة، فليس لها أى داعٍ، بل إن ذلك الأمر يستحيل حدوثه إلا إذا منحت البنوك المصرية قروضًا ضخمة دون الحصول على ضمانات كافية، أو ركّزت على عدد قليل من العملاء الكبار أمر لا يمكن تكرار حدوثه فى مصر، وأن شبح واقعة قضية «نواب القروض» التى هزت الرأى العام فى منتصف التسعينيات باعتبارها أكبر فضيحة فساد مالى وسياسى يستحيل ظهوره مرة أخرى، لأن مناخ الشفافية وسيادة القانون الذى تعيشه مصر حالياً يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن بنوكنا آمنة!.