رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كلية الضمير


9-4-2026 | 13:28

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

كلية الآداب هى ضمير الأمة، فهل يمكن أن يموت الضمير؟، هكذا جاءت كلمات عميد الآداب ومفكرنا المصرى الأهم بتاريخنا الحديث، ولا يقل أهمية بل ربما يتفوق على عظماء الفكر الأوروبى الحديث؛ لأنه جمع بين ثقافات متعددة من الشرق والغرب، من مصر وأوروبا إنه د. طه حسين.

استرجعت كلماته العلمية والتوصيف الصحيح تماما، والتى قيلت فى افتتاح احتفالية مئويتها الحكومية الأسبوع الماضى، وبعد الانتهاء من طابور الشرف من أساتذتها من مبناها العريق وتحت لافتة هذا من أعمال الأميرة فاطمة، والتى اختصت به كلية الآداب، رغم أنها ساهمت فى إنشاء جامعة القاهرة كلها وحتى تم تحولها إلى جامعة حكومية عام 1925 والتى تبدأ منه احتفالات المئوية.

رغم أن الجامعة بدأ تأسيسها عام 1908 كجامعة أهلية فى مبانٍ عدة بالقاهرة وعين شمس، وبدأت تحديدا بمحاضرات فى الآداب والمعارف العلمية؛ إلا أن الجامعة والكلية وحرم مستقل لم تبدأ إلا بعد التحول لجامعة حكومية عام 1925 فقامت كلية الآداب بعد المدخل مباشرة، وعلى اليمين وبمبنى عريق كلاسيكى وأبواب خشبية كبيرة ومحفورة تذكرنا بأبواب دور العبادة قديما، وتم الانتهاء منه بعد أربع سنوات من تحولها لجامعة حكومية متكاملة أى المبنى يقترب هو الآخر من مئويته.

بمدخل الكلية وفى منتصف سلالم البهو يستقبلك تمثال عميدها طه حسين وأول مصرى يحصل على الدكتوراه منها، وكان له نص خاص به عند التأسيس وأول مصرى يتولى العمادة، وأول من سمح للمرأة وقت عمادته بالدراسةـ وأول من حرك حديثا المياه الراكدة فى الفكر المصرى بل والعربى، وأول من ترشح أكثر من 15 مرة لنوبل بالآداب وو»..

بمنتصف الثمانينيات تخرجت فى هذه الكلية العريقة وبأقدم أقسامها الفلسفة، ولم أبتعد عنها حتى الآن فكانت مجال عملى بالصحافة كذلك، وعدت لها مؤخرا طالبة علم وتعليم، لذلك وكما تقول أوراق التاريخ إنها الأعرق، وكانت الآداب الأولى عند إنشاء الجامعة الأهلية 1908- -و«المصور» أصدرت عددا كاملا فى مئوية الجامعة الأهلية 2008.

وبعد عامين من افتتاح الجامعة الأهلية رأت الجامعة أن تنشئ قسما متفردا يكون نواة لكلية الآداب وهو قسم الآداب، فمصر كان بها عدد من المدارس العليا منذ بدايات القرن التاسع عشر مثل المهندسخانة والطب والطب البيطرى والحقوق والإدارة، ولكن لم يكن بها دراسات مستقلة للآداب بمختلف التخصصات، ومن هنا كانت النقلة فى الفكر المصرى والتنوير والقوى الناعمة هو إنشاء هذا التخصص المستقل للعلوم الإنسانية والفكرية وهو كلية الآداب؛ لتكون طفرة بالتخصص الأكاديمى مثلما كانت فى جامعات السوربون وأكسفورد وكامبريدج.

كانت الكلية ترشح الطلاب فى بدايتها لنيْل الدرجة العالمية - الدكتوراه - وبعد ذلك قررت الجامعة منح درجة الليسانس عام 1916 أولا وبعدها بعام العالمية، وبدأت العمادة وكانت بالانتخاب على يد أستاذين أجنبيين حتى عام 1930 فتولى د. طه حسين.

اللافت أن الكلية ومنذ افتتاح قسمها فى 1910 كانت بها جلسات استماع ومحاضرات للنساء بها، فمحاضرات الفرنسية فى التربية والأخلاق قامت بها الآنسة كوفرور، ونبوية موسى تحاضر فى تاريخ مصر، ورحمة صروف بالتدبير المنزلى، وذلك طبقا وكما جاء بكتاب «جامعة القاهرة 90 عاما»، والذى أشرف على إصداره المؤرخ والأستاذ بالكلية د. رءوف عباس، ويضيف رءوف عباس أن دراسة النساء توقفت بعد عدة سنوات قليلة من إنشائه فى بداية القرن تحت ضغط المتزمتين -وما أكثرهم حتى الآن - لتعود بعد ذلك رسميا مع طه حسين حينما تولى العمادة ومستمرة حتى الآن، بل إنه ولأول مرة الآن وبعد 100 سنة حكومة، تجلس على مقعد العمادة أستاذة معطاءة ودءوبة هى د. نجلاء رأفت والتى نشرت لها بـ«المصور» حوارا العام الماضى.

ويذكر د رءوف عباس بكتابه أن الجامعة وضعت منذ مراحلها الأولى القواعد العقلانية العلمانية للعلم والتدريس، فها هو سعد زغلول ينتقد خطبة أحمد زكى بك فى افتتاح الجامعة، والتى بالغ فيها فى الحديث عن مجد الإسلام وعن أن ذلك لا يتفق مع مناسبة الاحتفالية بافتتاح الجامعة، فالجامعة «لا دين لها إلا العلم»، كما قال سعد زغلول.

وإذا كنا نتحدث عن كلية الآداب والضمير، كما قال طه حسين، فأتمنى أن تنقل الاحتفالية وصور الأوائل والمثقفين إلى جدران الكلية طوال هذا العام، وأن ينضم لها كذلك صور للجميع خاصة صور وتاريخ الرعيل الأول لاسيما من النساء المحاضرات من نبوية موسى ولطيفة الزيات أول رئيسة وعضو لجنة الطلاب عام 1946، ولا يقتصر الأمر على البعض منهن فقط، وأن ينضم لطابور الصور أعلام الفكر من الكلية وأقطابها بالعالم كله، مثل صور لعبد الرحمن بدوى فيلسوفنا العالمى، وفؤاد زكريا، ود. مصطفى سويف، الذى أسس لقسم علم النفس ولويس عوض ، د. أحمد هيكل، ومحمود أمين العالم وعبد الوهاب عزام ، ود. محمد شفيق غربال، وشوقى ضيف، نصر حامد أبو زيد، ود. أحمد زايد ومحمود الجوهرى ود. سعيد إسماعيل على ، وحسن حنفى، ود. وفاء كامل أول سيدة من الكلية تلتحق منذ سنوات قليلة بمجمع اللغة العربية، المفارقة أنه خطر لى اسمها وأنا أشاهد فقرة فنية بالاحتفالية وبعضها مبتكر بالذكاء الاصطناعى وكانت بطلتها مع العميد، هى د. سهير القلماوي إحدى الشخصيات الذهبية والأولى من طالبات الكليّة ولم يتم تعيينها بمجمع اللغة العربية، ونحمد الله أن هناك قاعة الآن وحديثا باسمها فى المبنى الأصلى بالكلية، وتشرفت أنى جلست بها طالبة.

كلية الآداب لم ينفرد المصريون بالتدريس بها أو تولى المناصب بل كان هناك العديد من الأجانب عملوا بها، بل هناك طلاب وطالبات درسوا بها وعند عودتهم لبلادهم تولوا وحكموا فى المناصب السياسية بدولهم مثل اليابان، وكذلك أغلب أقطاب الصحافة والفكر من خريجى الكلية وأقسامها بعيدا عن الإعلام، وعلى رأسهم أستاذى مكرم محمد أحمد خريج الفلسفة، بل سنجد من رموز الرياضة كذلك، والقائمة تطول، أقول ذلك لأن فى الصور والتذكير بهم يمثل خط الدفاع الأول عن العقل المصرى وهويته وقواه الناعمة من خلال أقسامها المتعددة فى كل الأفرع للدراسات الإنسانية، والتى وصلت إلى 18 قسما فى كل فروع المعارف الإنسانية وأبحاثها، فالقوى الناعمة لمصر تتمثل بكل أطيافها بالكلية.

قبل أن التحق بالاحتفالية كنت أدلف إلى لقاء مع د. محمد سامى عبد الصادق، تحدثنا عن اللجان الجامعية لدراسة ثنائية التعليم وسوق العمل التى أراها ثنائية من الثنائيات التى تفصل بين العقل والجسد، كما قال بها الفلاسفة منذ أفلاطون وربما حتى القرن الماضى، بعضهم يمجد الآلة وبعضهم يمجد الفكر، فقال إنه طلب أولا عمل استبيان علمى عن موقف الخريجين وفرص عملهم وتخصصاتهم، فهذا هو العمل العلمى والأكاديمي بأن نجرى الدراسات حول الواقع. وكانت المفاجأة أثناء حديثنا أن النور الطبيعى ساطع بمكتبه، ولا يوجد إضاءة عبر الكهرباء الصناعية إلا القليل والضرورى، فبادرته قائلة نور الجامعة يكفى ويفيض، فابتسم وقال هذا واجب حتمى لاسيما فى الظروف التى نمر بها من مشاكل بالطاقة، فلماذا نسدل الستائر على النور الطبيعى صباحا، فقلت له وأتمنى أن يعمم ذلك، بل على مكاتب المسئولين والوزراء فلا نسدل الستائر صباحا وظهرا وعصرا مقابل الإنارة الصناعية.

غادرت مكتبه لألحق بالطابور ولنقف جميعا احتراما لرداء الكلية والتقاط الصور التذكارية أمام كلية الضمير الآداب، كما وصفها د. طه حسين فعاش ضميرها مع الأحفاد.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة