رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. أحمد يوسف أحمد.. فى قراءة شاملة لـ«خريطة الحرب»: مصر مع «البديل العربى» للحفاظ على أمن المنطقة


9-4-2026 | 13:28

الدكتور أحمد يوسف أحمد.. أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

طباعة
حوار: أحمد جمعة

يُدرك الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمدير السابق لمعهد الدراسات العربية، أن ثمة مخاطر تحيط بالنظام العربى برمته جراء الحرب الراهنة على إيران، وتداعياتها على مستقبل الإقليم ذاته، فى ظل وابل العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على الأراضى الإيرانية، والهجمات المضادة على دول الخليج.

ومع ذلك، يرى د.أحمد يوسف أن ما يجرى يعكس نمطًا متكررًا من استخدام القوة فى السياسة الأمريكية، لكنه هذه المرة على نحو يضر بعلاقات واشنطن حتى مع أقرب حلفائها.

كان الدكتور أحمد يوسف واضحًا فى تقييمه لما يجرى على الصعيد العربى، معتبرًا أن الحرب أبرزت الخلل البنيوى فى النظام العربى، ما يستدعى ضرورة إعادة بناء أدوات عربية فاعلة، وعلى رأسها القوة العربية المشتركة التى دعت لها سابقًا مصر، وأعادت الطرح لاحقاً، ومؤكدًا فى هذا الصدد أن القاهرة فعلت كل ما يُمكنها القيام به لمنع هذه الحرب فى مهدها، ثم احتواء آثارها وإخماد نيرانها بعد اشتعالها.. وإلى نص الحوار:

 

دعنا د.أحمد نبدأ من مستجدات الأوضاع.. ترامب توعد إيران بـ«الجحيم» إذا فشلت المفاوضات.. هل تعتقد أنه سينفذ تهديده أم أن هذا من قبيل الضغط السياسى؟

الأمران معًا، بمعنى أنه بالتأكيد ترامب يريد تكثيف الضغط السياسى على إيران لعلها تستسلم لطلباته المستحيل عليها قبولها، فإذا لم توافقه سيكون أمام مأزق حقيقى، لأنه إن لم يفعل، ستكون المرة الثانية التى لا ينفذ فيها تهديده، ولذلك أتصور أنه سيمضى قدمًا فى تنفيذ هذا التهديد، رغم أنه سيكون عملًا غير مسبوق، وهو بنفسه يسميه إعادة إيران إلى العصر الحجرى.

وما أريد أن أقوله إن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران الآن، وقبل تنفيذ التهديد، قد وصلت إلى مستوى عالٍ من التصعيد، ويكفى الإشارة إلى تدمير الجسر الاستراتيجى بين جزيرة خرج وبين بقية الأراضى الإيرانية.

ربما المتغير الجديد الوحيد فى الموضوع هو عملية إسقاط الطائرات الأمريكية، التى تشير إلى أن تحسنًا محددًا قد حدث بالنسبة لقدرات الدفاع الجوى الإيرانية، وقد يترتب على هذا التحسن إسقاط مزيد من الطائرات الأمريكية، الأمر الذى سينعكس بالتأكيد على الداخل الأمريكي، وقد يؤثر فى إدارة الحرب.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز.. هل ترى أن سيناريو التدخل العسكرى المباشر، بما فى ذلك نشر قوات برية أمريكية، يظل مطروحًا؟

الحقيقة أن ترامب بنفسه أغلق هذا الملف، اللهم إلا إذا كانت خطوة جديدة من خطوات الخداع التكتيكى، لأننا لو نلاحظ، فإن تصريحات ترامب تنوعت بين طلبه للحلفاء بأن يساعدوه فى فتح المضيق، وهذا بالمناسبة يناقض ما يقوله عن أنه حطم كل قوة إيران وأن إيران نفسها قد أزيلت من على الخريطة، فلما لم يستجب الحلفاء، بدأ يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستفيد من المضيق، وأن من له بترول يمر عبر مضيق هرمز عليه أن يأتى لاستخلاصه، يعنى بعبارة أخرى «نحن لن نتولى تحمل مخاطر عملية فتح المضيق الذى يزودكم بالبترول».

هذا يأتى خصوصًا أن المتغير الجديد هو أن هناك سفنًا أوروبية تمر عبر المضيق، لأنه من غير الصحيح أن المضيق مغلق، ولكنه تحت السيطرة الإيرانية، فسمحت إيران لسفن إسبانية بالمرور، ثم سمحت لسفينة فرنسية، وبالتالى فإن الحجة الأمريكية تتهاوى، بمعنى أن الادعاء بأن المضيق مغلق بالكامل غير صحيح.

فى ضوء تحفظ عدد من الحلفاء على الانخراط العسكرى المباشر فى الحرب.. هل يعيد ترامب النظر فى علاقاته الخارجية، خاصة بعد تهديده بالانسحاب من الناتو؟

ليس عددًا من الحلفاء فقط، ولكن تقريبًا كل الحلفاء، بمعنى أنه لا يهاجم الكثيرون السياسة الأمريكية، ولكن أيضًا لا أحد يستجيب للمطالب الأمريكية، فالطلب بتكوين تحالف دولى لفتح المضيق لم يستجب له أحد، والحقيقة أن هذا التطور له دلالة مهمة بالنسبة للقيادة الأمريكية للتحالف الغربى، إذ إن هذا الرفض أثبت أن الولايات المتحدة لا تستطيع قيادة التحالف الغربى فى أى اتجاه تريده، فعندما تتضارب المصالح، أثبتت دول الأعضاء فى حلف شمال الأطلسى أنها قادرة على ألا تستجيب للإرادة الأمريكية.

الحقيقة أن هذا التطور لا يمكن فصله عن التطورات السابقة للحرب أو العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران، لأنه قبل هذا العدوان كانت هناك أزمة قديمة بين الولايات المتحدة وأعضاء حلف الناتو، زادت حدتها فى الآونة الأخيرة، ونذكر أنه فى الولاية الأولى لترامب ثارت أزمة إعادة توزيع الأعباء المالية، إذ كان ترامب يعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل عبئًا ماليًا غير عادل بالنظر إلى مساهمات الأعضاء الآخرين فى الحلف، ومع ذلك فإن هذه الأزمة يمكن أن نقول إنها مرت، أو أنه تم تسويتها برفع نسب مساهمات أعضاء الحلف.

لكن الأزمة التى حدثت فى ولايته الثانية كانت أزمة خطيرة، لأنه كما نعلم كان من أخطر مؤشراتها مطالبة ترامب بملكية جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، وبالتالى حدثت أزمة ثقة حقيقية بين الولايات المتحدة وأعضاء الحلف الأوروبيين بالذات، ثم أتى بعد ذلك أن قرار العدوان على إيران كان قرارًا أمريكيًا لم يتشاور فيه مع حلفائه فى حلف الأطلسى، وتعددت التصريحات من فرنسا وإسبانيا وبريطانيا بأن هذه الحرب ليست حربهم، بالإضافة إلى أن الرئيس الفرنسى ورئيس الوزراء الإسبانى، على الأقل، كانا واضحين فى اعتبار هذه الحرب غير شرعية.

وبالتالي، فإن الصورة الآن قد اكتملت، بأن أعضاء الحلف لا يستجيبون للسياسة الأمريكية، وترامب يهاجمهم ويقول إنهم خذلوه، وإن الحلف «نمر من ورق»، وأنه ليس بحاجة إليه، ثم ختم بأنه يفكر فى الانسحاب من الحلف، وبالتالى فإن الحلف مهدد فعلًا تهديدًا وجوديًا.

فى هذا الصدد.. هل انهارت كل قواعد السياسة والقانون الدولى منذ حرب غزة وصولًا لحرب إيران؟

هناك قاعدة خالدة وثابتة، وهى أن القوة لها الكلمة الأولى فى التفاعلات الدولية، وبالتالى يحاول ترامب توظيف قوته الكبيرة فى كل تصرفاته، بغض النظر عما يسببه هذا الاستخدام من أضرار بعلاقاته حتى مع حلفائه، وهذه هى المشكلة.

من المنطقى أن الاستخدام الأحمق أو الأهوج للقوة يضر بعلاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالأطراف التى تتعرض لهذا الاستخدام، لكن الجديد فى الموضوع أنه أضر بعلاقة الولايات المتحدة بحلفائها، وبالتالى ما أريد قوله إنه تعودنا فى العلاقات الدولية أن القوة لها الأولوية، ولكن المسألة التى تبدو غائبة عن ترامب وأمثاله أن التاريخ يقول لنا إن للقوة حدودًا؛ فقد بلغ هتلر أقصى مراتب القوة العالمية ثم انكسر، وبالتالى ربما نكون الآن نشهد شيئًا من هذا القبيل.

ما يحدث أمامنا هو تطبيق لقاعدة خالدة فى العلاقات الدولية، وهى أن الكلمة الأولى فيها للقوة وليست للقانون، ولكننا نشهد تطبيقًا غير رشيد أدى إلى أزمة حقيقية فى علاقة ترامب بحلفائه، وقد يؤدى بعد ذلك إلى أزمة أخرى فى علاقة ترامب بحلفائه الإقليميين فى أقاليم العالم المختلفة.

إذن.. هل اقتربت الحرب الشاملة؟

لا أحد يريد الحرب الشاملة، والكل يتصرف وفق نمط معروف من التهديد والتهديد المقابل، وهو ما يمكن أن نسميه «حافة الهاوية»، لكن لا بد من الحذر الشديد، لأن التاريخ علمنا أن الأمور قد تفلت من يد الجميع؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران وحلفاؤها من جانب آخر، الجميع يحاول تحقيق أهدافه دون الوصول إلى الحرب الشاملة، لكن الخطورة تكمن فى الحسابات الخاطئة.

أما عن السياسة الأمريكية، فهى تعانى من تناقضات واضحة، ما بين تصريحات «ترامب» المندفعة والعدوانية أحيانًا، وما بين محاولات التهدئة والوصول إلى تسوية، لكن النمط المعروف تاريخيًا للولايات المتحدة هو محاولات التدخل وتغيير النظم، وهذا النمط أثبت فشله فى كثير من المرات، فالولايات المتحدة لم تتعلم من دروس الماضى؛ ففى فيتنام كانت الهزيمة قاسية، ثم تكرر الأمر فى العراق بعد غزو 2003، ثم انسحبت القوات الأمريكية من العراق فى عهد أوباما، بعد أن تكبدت باعترافها أكثر من 30 ألف جريح،، ثم لدينا بعد ذلك ما حدث فى فنزويلا فى يناير الماضى.

باختصار، عمليات الغزو ومحاولات تغيير النظم والتدخل فى الشؤون الخارجية ليست جديدة على السياسة الأمريكية، والغريب، فى الحقيقة، أنه لا أحد يتعلم الدرس؛ لأنه فى كل المغامرات الأمريكية السابقة باءت بالفشل.

إذا انتقلنا إلى الموقف العربى الراهن.. لماذا يبدو أن هذه الحرب قد أبرزت الخلل فى جسد النظام العربى؟

أوافقك فى استخدام مصطلح «أبرزت»، لأن الخلل كان موجودًا من قبل الحرب، لكن الحرب سلطت الأضواء على هذا الخلل، فعلى سبيل المثال، من الواضح أن نظام حماية الأمن القومى العربى ليس نظامًا سليمًا، والحرب أظهرت ذلك، بمعنى أن عنصرًا من عناصر حماية الأمن القومى العربى فى الوضع الحالى كان يتمثل فى وجود عنصر مهم فى معادلة حماية أمن العديد من الدول العربية، عن طريق المشاركة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ما حدث فى الحرب على إيران أن الولايات المتحدة اتخذت قرارًا، بالاتفاق مع إسرائيل، بالعدوان على إيران، وهذا القرار لم يُستشر فيه حلفاء الولايات المتحدة فى الخليج العربى، والذين كانوا، مثلهم فى ذلك مثل مصر، يضغطون من أجل ألا تقوم الحرب، لكن الولايات المتحدة لم تُلقِ بالًا، وكانت النتيجة أن تعرضت دول الخليج لأعمال عدائية من قبل طهران، وبالتالى هناك خلل ما يجب تدارسه؛ لأنه عندما أضع يدى فى يد حليف خارجى، يجب على هذا الحليف الخارجى أن يراعى مقتضيات أمنى، وألا يسبب لى مشكلات أمنية.

فالدول الخليجية لم تكن تريد الحرب، وإيران قررت أن ترد بأعمال عدائية، الحقيقة أنها بالغت فيها، ضد ما تعتبره قواعد أمريكية فى دول الخليج العربى، والحقيقة أنه ليس كل ما يُضرب يتصل بهذه القواعد.

ما أريد قوله إنه بسبب العلاقة بالولايات المتحدة، ووجود قواعد أمريكية فى عدد من الدول العربية، تعرضت هذه الدول لأعمال عدائية من إيران، وهى مشكلة حقيقية لا بد من إيجاد حل لها.. والحل بالطبع أن يكون هناك نظام أمنى عربى خالص، وهذه ليست مسألة سهلة.

مصر طرحت منذ سنوات فكرة القوة العربية المشتركة.. هل تعتقد أنه حان الوقت للمضى قدمًا فى تنفيذها؟

مصر كانت دائمًا مع البديل العربى للحفاظ على أمن المنطقة، وهذا كان واضحًا للغاية منذ عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وحتى فى عهد الرئيس السيسى، والذى نذكر مبادرته فى 2015 لتكوين قوة عربية مشتركة، وطرحه للفكرة على قمة شرم الشيخ فى 2015، وموافقة القمة على هذا الطرح، وتم وضع بروتوكول القوة من قبل رؤساء أركان الجيوش العربية، وعندما وصلنا إلى نقطة التوقيع، طلبت بعض الدول تأجيل التوقيع، ولم يحدث حتى الآن.

فواضح أن هناك مشكلة ما، لا بد من التصدى لحلها فى موضوع قبول الإطار العربى لتحقيق الأمن القومى، لما لهذه القوة العربية من أهمية لصون الأمن العربى الجماعى.

فى اليوم التالى لهذه الحرب، هناك أطروحات بشأن طبيعة التعاون بين دول الخليج والولايات المتحدة.. ما قراءتك لذلك؟

مسألة العلاقة الدفاعية مع الولايات المتحدة قضية مهمة بالنسبة لعديد من دول العالم، وليس الدول العربية فقط؛ لأن الولايات المتحدة تمثل قوة عسكرية يمكن فعلاً أن تساعد فى حماية الأمن.

لكن فى الممارسة العملية، ثبت أن الولايات المتحدة اتخذت قرارًا بالحرب على إيران، كما ذكرت من قبل، ما دفع إيران إلى الرد على أهداف فى دول الخليج العربى، وبالتالي كان يجب أن يُتخذ هذا القرار بالمشاركة مع الدول العربية، وهذه مشكلة بمعنى أنه من حق أى دولة أن تتحالف مع من تشاء، ولكن من حقها أيضًا أن تراعى الدولة التى تتحالف معها مقتضيات أمنها.

وأضرب مثالًا محددًا بالعدوان الإسرائيلى الذى تعرضت له الدوحة، عندما قررت إسرائيل محاولة اغتيال وفد حماس الذى كان فى الدوحة يتفاوض على ورقة أمريكية لوقف إطلاق النار، ومن الثابت والمعترف به أن وجود حماس فى الدوحة كان بعلم وموافقة أمريكية وإسرائيلية، ومع ذلك، فإن قاعدة العديد فى قطر لم تقم بأى دور فى صد العدوان على الدوحة، وهذه هى المعضلة التى ينبغى على الدول العربية أن تركز على مناقشتها وإيجاد الحلول لها.

لكن على وجه التحديد.. هل تتوقع تعزيزًا لهذا التحالف الخليجي-الأمريكى أم مراجعة له؟

المشكلة أن هناك اختلافًا بين الدول الخليجية نفسها فى هذه المسألة؛ بعض الدول تميل إلى التعزيز، وبعض الدول، أعتقد ستكون متحفظة تجاه هذا التعزيز، وقد تكون أكثر تقبلاً لأطر أخرى للأمن.

هنا أتوقف معك د.أحمد عند الدور المصرى الداعم لدول الخليج.. كيف تنظر لما قدمته مصر من جهود لوقف الحرب وما المطلوب؟

مصر فعلت كل ما يجب أن تفعل وما هو مطلوب منها أن تفعله، بمعنى أنها أولًا حاولت منع الحرب، ليس من قبيل بدئها، ولكن نذكر أن مصر قامت بوساطة ناجحة بين إيران ووكالة الطاقة الذرية، لكن هذه الوساطة لم تُستكمل، لأن النية الأمريكية الإسرائيلية كانت مبيتة على ضرب إيران.

مصر كانت ضمن دول أخرى ضد قرار الحرب، ولما قامت الحرب، بدأت مصر مساعيها مع دول أخرى، وبخاصة تركيا وباكستان، لوقف الحرب، ومع ذلك، فإنه حتى الآن واضح أن الكلمة العليا فى دوائر القرار الأمريكى هى للاستمرار فى الحرب.

الأمر الوحيد الذى يلومنا البعض من خارج مصر عليه -وهو ادعاء زائف- هو أن مصر لم ترسل قوات للمحاربة، ونحن نعلم أن هذه الحرب ليست حربًا برية، ومصر لا يمكنها، بسبب توجهاتها والتهديدات الأمنية التى تحيط بها من جميع الاتجاهات، أن تفكر فى هذا البديل، خصوصًا أن دول مجلس التعاون لها مظلة حماية أمريكية، وهى القوة العسكرية الأولى فى العالم، وهناك فائض قوة لصالح التحالف الأمريكى-الإسرائيلى فى هذه الحرب، وبالتالى لا أعتقد أن هذا كان مطروحًا من قريب أو بعيد.

حظى ترشيح مصر للسفير نبيل فهمى بالإجماع العربى لتولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية.. كيف تابعت ذلك وما انطباعك عنه؟

فى تقديرى فإن ترشيح الوزير نبيل فهمى، هو اختيار صادف أهله، لأنه رجل دبلوماسى لديه خبرة عميقة، وله نهجه الموضوعى، وأعلم أنه يحظى باحترام كامل من جميع الدول العربية، وأعول عليه أملاً كبيرًا فى أن يفعل أقصى ما يمكن أن يفعله، لكى تكون الجامعة العربية أكثر فاعلية فى هذا الموقف الذى يحتاجها بالفعل.

الوزير نبيل فهمى مخضرم فى السياسة الأمريكية كما أن علاقاته مع جميع الدول العربية علاقات متوازنة، ونشفق عليه من أن هناك قيودًا موضوعية تتعلق بالجامعة العربية خاصة بعد حرب إيران.. ومع ذلك لديه قدرة واسعة على مواجهة هذه التحديات، حيث ترك فى كل موقع شغله بصمته الواضحة الواثقة، وعُرف برزانته وموضوعيته وعلاقاته المتوازنة، والكل يحاول أن يدعمه فى هذه المهمة الصعبة وشديدة الحيوية.

غير أن الاحتفاء العام بتولى السيد نبيل فهمى منصب الأمين العام للجامعة يجب ألا يصرفنا عن التحديات الجسيمة التى تواجهها، وتنطوى على مخاطر حقيقية على فاعليتها ومستقبلها على نحو يقتضى من جميع المؤمنين بالرابطة العربية التكاتف وتقديم المساعدة بالفكر والعمل من أجل ضمان استمرار الجامعة وفعالية دورها.

ما أبرز التحديات التى تواجه الجامعة العربية حالياً؟

أول التحديات التى أتصور أن يتصدى لها الأمين العام الجديد هو الدفاع عن وجود الجامعة ذاته، ذلك أنه نتيجة العجز الواضح عن تحقيق الأهداف العربية فى عدد من القضايا الرئيسية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، درج خصوم العمل العربى المشترك على الترويج لفكرة عدم جدوى الجامعة والحاجة إليها أصلًا، والواقع أنه من الضرورى تفنيد هذه الفكرة، فعجز المنظمات الدولية التى لا تتمتع بسلطة فوق سلطة حكومات الدول الأعضاء فيها ظاهرة عامة لا تخص الجامعة العربية وحدها، وإلا فلنراجع أداء الأمم المتحدة ذاتها، ودورها فى قضايا السلم والأمن العالميين، بما فى ذلك عجز مجلس الأمن عن حل أى قضية مصيرية فى هذا الصدد، كالاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية والعربية والحرب فى أوكرانيا وهلم جرا.

كما يجب أن تكون الحقائق واضحة أمام الرأى العام العربى والنخبه السياسية والثقافية حتى لا ينزلق أحد للمناداة بالخلاص من الجامعة العربية بدعوى عدم جدواها، لأن المشكلة ليست فى الجامعة، وإنما فى طبيعة العلاقات بين أعضائها.

وقد يبدو هذا التحدى هينًا إذا قورن بغيره من التحديات، فسوف يواجه «فهمى» حالة انقسام فعلى فى 3 دول عربية على الأقل، ناهيك بدرجة تنذر بالخطر من عدم الاستقرار فى ثلاثة أخرى، فضلًا عن الانقسام الفلسطينى المزمن الذى يُعد فى تقديرى السبب الرئيسى لعدم تحقيق تقدم على طريق استعادة الحقوق الفلسطينية.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة