فى خضم هذا المعترك العالمى الصاخب، يبرز تساؤل يفرض نفسه فوق صوت المدافع: هل نبصر وجه الحقيقة المجردة، أم أننا لا نرى سوى الشظايا التى يسمح لها بالمرور عبر ثقوب الأحداث؟.. إن المسار الراهن يؤكد لنا حقيقةً واحدة وهى أن الحروب ليست مجرد نزاعات عابرة، بل هى قوى غاشمة تعيد تشكيل الواقع وتبدل الثوابت، وتسعر بفتيلها كل شيء من جديد.. شئنا ذلك أم أبينا.
إنها حتمية الأمور، فليست هناك خيارات بالأساس، والحال انقلب فى كل الأسواق العالمية بعد ارتفاع أسعار الطاقة، وكل شيء يعاد تسعيره من جديد بمناطق تموضع لارتفاع الأسعار وتكلفة كل ما حولنا، فالأمر ليس نفطا أو غازا فقط، وإنما صناعة الألومنيوم والهيليوم والبتروكيماويات والأدوية والأسمدة، إلى كل مستلزمات الحياة.
لقد انتقل العالم من مرحلة صدمة الأسعار إلى مرحلة ماذا تفعل الدول حتى تتلافى التداعيات الاقتصادية، فالسقف الزمنى مفتوح لهذه الحرب الهجينة، لذلك فى ظل الأزمة الإقليمية والدولية كان لابد للدول ومنها مصر من استخدام إجراءات احترازية للحفاظ على الاستدامة الطاقوية التى تعتبر نقطة التوازن فى أى معادلة اقتصادية لأى دولة، وتبقى المسئولية مشتركة بين الدولة والمواطن فى حماية الشبكة القومية واستدامة الوقود.
وشهدت مواقف الدول تحولًا لافتًا فى قراءتها لمستقبل أمن الطاقة، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية التى وضعتها أمام اختبار صعب وغير مسبوق، فقد وجدت العديد من الدول خاصة فى شرق آسيا، نفسها داخل دائرة ضغط متزايد نتيجة تراجع المخزونات الاستراتيجية واتساع الفجوة بين العرض والطلب، وترافقت هذه التطورات مع تحذيرات متزايدة من أن الأزمة لن تكون عابرة، فى ظل استهداف البنية التحتية للطاقة فى دول الخليج، وإعلان حالات القوة القاهرة، فضلًا عن التعقيدات الناتجة عن الانسداد الاستراتيجى فى مضيق هرمز، ما ينذر بأزمة ممتدة قد تعيد رسم خريطة إمدادات الطاقة عالميًا.
والحقيقة تعددت الخطوات فى القارة الآسيوية لاحتواء الأزمة، تتراوح بين العودة إلى الفحم أو الطاقة البديلة، وصولا إلى سياسات تقشفية غير تقليدية تمس الحياة اليومية، جعلت المواطنين فى تايلاند يلجأون إلى العمل كليا عن بُعد، وقلبت معادلة هرمز شكل أولويات الإنفاق والاستخدام المفرط للدول والأفراد، ومع تضاعف الكلفة الاقتصادية يوما بعد يوم والتى ألقت بظلالها على الجميع لم تفرق بين دولة كبيرة وصغيرة، دولة نامية أو ناشئة، مما جعل الحكومات حول العالم تتخذ مجموعة من التدابير والإجراءات اللازمة لترشيد استخدام الكهرباء، لذلك سعت الدولة المصرية إلى تبنى سياسة الترشيد من أجل توفير الغاز الطبيعى لمحطات الكهرباء، فإنارة 70 مليون منزل تساوى قدرة محطة كهرباء.
لقد أصبح الترشيد حول العالم فرض عين على الجميع؛ الحكومات والشعوب، ففلسفة الترشيد ليست خيارا بل أصبحت جزءا من استراتيجية العالم حولنا، فالكل يحاول تطبيقها على أرض الواقع بإجراء بعض التعديلات على السلوك التنظيمى اليومى للمستهلكين حول العالم قد تبدو بسيطة، ولكنها تُحدث فارقا على المستوى العام دون المساس براحة الأفراد وإنتاجيتهم.
وهنا تعنى الإدارة الرشيدة للطاقة توجيه استخدامها عند الضرورة الفعلية، بما يضمن رفع كفاءة الاستهلاك وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويستند ذلك إلى تبنّى رؤية استراتيجية واضحة لأنماط الاستهلاك، تسعى إلى الحد من التزايد المستمر فى الطلب على الطاقة، وانطلاقًا من مبدأ «كن أنت التغيير»، اتخذت الدولة المصرية إجراءات عملية لترشيد استهلاك الكهرباء داخل المؤسسات الحكومية والمبانى الإدارية، باستثناء الجهات ذات الطبيعة الأمنية، وهنا تبرز أهمية توعية المجتمع بسبل الاستخدام الأمثل لهذا المورد الحيوي، من خلال ترسيخ ثقافة كفاءة الطاقة وربطها بالحياة اليومية للمواطن، بما يعزز السلوك المسئول ويحد من الهدر.
لقد أصبح الترشيد أمرا حتميا فى العالم كله لضمان الاستدامة وإدارة الطلب وتأمين الإمدادات، فليس الأمر فى إطفاء الأنوار مبكراً، وإنما فى منهجية تضعها الدول للتعامل مع هذه الأحداث والأزمة الطاقوية بعملية تنظيم لاستخدام الطاقة على مستوى الأفراد أو التشغيل الصناعى أو الأجهزة الحكومية لضمان آمن للاستخدام الطاقوى فى خطوات استباقية للمصلحة الوطنية، وترسيخ نمط الترشيد الذى يحتاجه العالم كله خصوصاً مع التداعيات الاقتصادية العالمية الراهنة، لذلك تحركت القاهرة سريعاً من مبدأ البدائل والاستجابة للبحث عن حلول ناجزة وسط هذا الضجيج العالمي.
وفى الختام، تفرض الحقائق الراهنة نفسها بوضوح؛ إذ تخوض جميع الاقتصادات اختبارا صعبا فى ملف أمن الطاقة وآليات التحوط له عبر سياسات ترشيد فعّالة، فلا أحد يمتلك القدرة على التنبؤ بمسار الغد، ما يجعل الحفاظ على الاستدامة الطاقوية ضرورة لا رفاهية، لقد بات هذا الخيار استراتيجيا وحتميا فى ظل التحولات الحادة التى تشهدها أسواق الطاقة عالميا، وما يصاحبها من تقلبات سعرية تطال مختلف جوانب الحياة نتيجة التوترات الجيوسياسية واضطراب المشهد الجغرافي.
وللحديث بقية..