لقد أعلن ترامب فى بداية الحرب عن أن هدفها الأول هو تدمير المشروع النووى لإيران ومنعها من إنتاج قنبلة نووية، ثم تبدل هذا الهدف ليصير الهدف تدمير برنامجها الصاروخى ومنعها من تطويره، وبعدها أضحى الهدف هو حماية أمريكا من هجوم صاروخى كانت ترتب له وتعده وتوشك أن تقوم به إيران قبل أيام، ثم بات الهدف هو حماية إسرائيل وجيران إيران من صواريخ إيران، وفى نهاية المطاف تركز الهدف الأول، والأهم للحرب هو فتح مضيق هرمز أمام سفن النفط الخليجى لتمر به بحرية، رغم أن المضيق كان مفتوحًا قبل الحرب، ولم تكن إيران تطالب مَن يمر به بدفع رسوم كما صار الحال الآن.
وهكذا صار ترامب يغيّر هدف الحرب كما يغيّر ملابسه، وهو لا يفعل ذلك خلسة أو ضمنا وإنما جهارا نهارا وعلنا ومقرونا بتهديدات، كان آخرها تهديداته بإلقاء إيران فى الجحيم إذا لم تفتح مضيق هرمز للمرور الحر لسفن وناقلات النفط، وحتى الآن يمكن رصد خمسة أهداف للحرب؛ أولها: إسقاط النظام الإيرانى وآخرها فتح مضيق هرمز.. ولذلك أصاب ترامب المحللين بالحيرة بسبب تصريحاته الغزيرة والمتناقضة التىى تنسخ ما سبقها من تصريحات قيلت قبل ساعات قليلة فقط.
ولم يُصِب ترامب العالم بالحيرة لذلك فقط وإنما كان هناك سبب آخر لهذه الحيرة الترامبية يتمثل فى هجومه على الحلفاء وابتزازهم بشكل صارخ.. وهنا نقصد حلفاءه الأوروبيين وحلفاءه الخليجيين.. فهو استهدف الحلفاء الأوروبيين بالهجوم لأنهم رفضوا مشاركته فى الحرب ضد إيران، وتحديدا لأنهم لم يقدموا للجيش الأمريكى مساعدات لوجستية احتاجها فى هذه الحرب، ووصل الأمر إلى توجيه الإهانات لزعماء أوروبيين مما فعل مع الرئيس الفرنسى الذى رد له الإهانة بأقوى منها، وأيضًا قطع العلاقات مثلما فعل مع إسبانيا التى نددت بالحرب الإيرانية بقوة.
أما الحلفاء الخليجيون، فرغم تقاعس أمريكا فى حماية بلادهم من الصواريخ الإيرانية مثلما اجتهدت أمريكا فى ذلك مع إسرائيل، فإن ترامب واصل ابتزازهم علنًا وممارسة الضغوط عليهم، لكى يتورطوا فى تلك الحرب لتتركهم أمريكا متورطين وتنسحب هى منها.. وطالب ترامب ومساعديه دول الخليج بدفع تريليونات الدولارات لتمويل الحرب.
أى أن ترامب لم يحرص فقط إلا على تحالف مع إسرائيل ليمنح المحللين داخل وخارج أمريكا الفرصة لاتهامه بأنه تابع فى هذه الحرب لنتنياهو الذى ورّطه فيها، بدعوى أن النظام الإيرانى سوف يسقط خلال ساعات أو أيام قليلة بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيرانى، وهو ما لم يحدث، وبدلا من أن تخرج المعارضة الإيرانية للشارع لإسقاط النظام السياسى خرج الإيرانيون للشارع لدعمه فى مواجهة الاعتداء الأمريكى الإسرائيلى، وبدلا من أن تتوقف الصواريخ الإيرانية زادت أسرابها إلى إسرائيل ودول الخليج.
وهكذا ظل ترامب بتصريحاته الغزيرة المتناقضة أبرز ما يميز هذه الحرب لمَن يرصدون مسارها وتداعياتها ونتائجها الشديدة السوء على الاقتصاد العالمى والتى كنّا فى مقدمة مَن عانوا منها لارتباك سلاسل الإمدادات، وخاصة إمدادات السلع الغذائية والتهاب أسعار النفط.
وربما يرجع ذلك إلى شخصية ترامب ذاته الذى يبالغ كثيرا فى تقدير الذات، ويتصرف باعتباره النجم الأوحد، ليس فى أمريكا وحدها وإنما فى العالم كله، ومَن يدفع الثمن هم شعوب هذا العالم الذين يتعرضون لضغوط معيشية وتضخمية بسبب قرار ترامب بالحرب ضد إيران الذى تفاداه كل من سبقوه مَن رؤساء أمريكا.