المواطن الواعى ضرورة قومية، والاصطفاف مهمة وطنية للتغلب على تحديات هذه الفترة العصيبة على إقليم الشرق الأوسط بل والعالم أجمع، نتيجة التداعيات الكارثية على الاقتصاد العالمي، والتأثير الشديد على شرايين التجارة الدولية، وتعثر سلاسل الإمداد فى السلع كافة، وبالطبع التحدى الأخطر هو أزمات الطاقة وارتفاع أسعارها بسبب الاضطرابات فى مضيق هرمز، ومحاولات طهران استغلاله كورقة ضغط أساسية على جميع الدول من أجل التضامن والتحرك فى مسار إجبار ترامب ونتنياهو على اتخاذ قرار وقف الحرب، والتخلى عن خطة تدمير مقدرات الدولة الإيرانية أو الاستسلام التام مع ضمان عدم تكرار الاعتداء على الأراضى الإيرانية مستقبلاً. وبين العناد الأمريكى الإسرائيلى غير المبرر، والتماسك الإيرانى المكلف، تتزايد فاتورة الحرب فى المعسكرين مع آثار سلبية متصاعدة على كل الاقتصادات حول الكرة الأرضية، والصور والفيديوهات القادمة من بلدان شتى وعواصم مختلفة كاشفة لتضرر الحكومات والشعوب من احتدام أزمة الطاقة العالمية، فهى بين مطرقة شح المواد البترولية من جهة وسندان التضخم من جهة أخرى، وكلاهما فى تصاعد مع غياب أفق لنهاية الصراع بشكل مستدام، وما خفى كان أعظم من التبعات، لأن جراب دولة الاحتلال مليء بالأفاعى والحيات، فهى تريد إضعاف كل الدول لتفرض هيمنتها على الشرق الأوسط.
صحيح، هناك قبول من الكثيرين للإجراءات الاستباقية التى اتخذتها الدولة للتعامل المبكر مع عواقب الحرب الوخيمة، لأن التحركات المصرية سبقت الجميع، وتنبهت قبل الكل للمضاعفات المتوقعة، بداية من خطوات الترشيد فى الطاقة بتبكير غلق المحال التجارية وإطفاء إنارة الطرق والشوارع، مع تحريك أسعار الوقود، مرورًا بقرار العمل عن بعد، والإسراع بالبحث عن مصادر بديلة لتأمين احتياجات البلاد من المواد البترولية، فى ظل مصارحة المواطنين بالسيناريوهات كافة بلا تردد ولا تخبط، وهو أمر محمود يُحسب للحكومة، لكن هناك البعض الذى يحاول الاصطياد فى الماء العكر، ويحاول تشويه هذه الجهود الاحترافية رغبة فى شق الصف وزيادة الاحتقان فى النفوس بحجة الخوف على مصالح الناس، وتتنوع المزاعم الماكرة من أحاديث المواصلات إلى جلسات المقاهى وصولًا إلى اللجان الإلكترونية التى أدمنت الكذب واعتادت التضليل واحترفت التلفيق والتدليس، مما يتطلب من جموع المصريين الحذر والحيطة لسد الذرائع وغلق المنافذ فى وجه المتآمرين على الوطن، الراغبين فى تحويل انعكاسات أى أزمة عالمية إلى مشكلة محلية، والمزايدة على جهات الدولة وما تقوم به من محاولات للسيطرة على الموقف بأقل الأضرار. وتلك الطريقة المحفوظة من صناع الشائعات وحلفائهم أصبحت عادة ذميمة لا تفارقهم خلال سنوات بناء الجمهورية الجديدة، فهم لا يقولون خيرًا، وفى ذات الوقت لا يصمتون، ألسنتهم حداد فى الإساءة لكل نجاح، وتشويه كل إنجاز، والتقليل من كل جهد.
وتعظيم سلام لقواتنا المسلحة، التى دائمًا حاضرة بثقة وقت الضرورة، تنبّه قبل الجميع وتحذر قبل وقوع الخطر، وفى ذات الوقت تطمئن المصريين أن كل خطوة محسوبة بإتقان، وأى قرار مدروس بعناية، وتقدير الموقف بإحكام أساس متين فى إدارة أزمة حرب إيران، وهنا علينا أن نتوقف بإمعان وتركيز شديد أمام كل كلمة فى تقرير «الحقيقة التى لا تقال» فى إجراءات مصر الاستثنائية لترشيد الطاقة، فالحدث جلل، والتداعيات وخيمة إذا لم يتحلَّ الجميع بمسئولية الوعى وإدراك تأثير الكلمة، خصوصًا مع حالة السيولة فى التعليقات، ووفرة الآراء عبر منصات التواصل الاجتماعى بلا ضابط أو رابط، ولا يكترث أصحابها بخطورة الكلمة التى هى نور يهدى إلى الحق فى موضعها السليم، ونار تحرق عند توظيفها لأغراض السوء، فبعض الكلمات قبور كما قال الشاعر والأديب الراحل عبد الرحمن الشرقاوي، ويا ليت الجميع يتحسب من كثرة القيل والقال فى هذه الفترة الصعبة على مختلف الدول ومنها مصر، رغم أننا لا ناقة ولا جمل لنا فى هذا الصراع المأساوى بين أطرافه الثلاثة، لكنها ضريبة مؤلمة لمخطط إعادة تشكيل العالم بالحروب والأزمات، وهو ما يجعل من الوعى الشعبى سلاح الأوطان الذى لابد أن يظل صاحيًا لإفشال أى مؤامرة تستهدف الأمن القومى المصري، والعض عليه بالنواجذ لحمايته من المهددات كافة والمخاطر قاطبة.
وعلى بنى وطنى الكرام أن يدركوا أن الترشيد ضرورة ملحة وليست رفاهية يمكن تأجيلها، فالدولة المصرية اتخذت تلك القرارات لكى تحمى اقتصادها ومواردها وشعبها من الحرب وتوابعها فى حال توقفها، مع الإدراك التام أن كثيرًا من المواطنين تأثروا، وشغلهم تغير، ويومهم اختلف، لكن كما أكد تقرير القوات المسلحة الوافى الشافي، لابد من النظر إلى الصورة الكاملة وليس مجرد اقتطاع جزء منها، فهذه الإجراءات الاستثنائية ليست فى مصر وحدها، فالعالم أجمع تعرض لضغوط كبيرة فى الطاقة والوقود والاقتصاد، والأزمة أجبرت دولًا كثيرة، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، على اتخاذ قرارات الضرورة رغم صعوبتها، من تخفيض استهلاك الكهرباء بشدة إلى تقليل ساعات العمل، لدرجة أن هناك دولًا وصلت إلى مرحلة تنظيم استخدام الوقود، مع إجراءات أشد وأبعد من المحتمل للحفاظ على مواردها بأقل خسائر ممكنة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الهند لديها نقص كبير فى المواد البترولية وتكدس على محطات الوقود وندرة فى غاز الطهي، أما باكستان فنفذت حزمة كاملة من إجراءات التقشف، فى حين أن سريلانكا وسلوفينيا حددتا حصص الوقود للمواطنين، وحتى أكبر الدول إنتاجًا وتصديرًا للنفط والغاز مثل الأشقاء فى الخليج العربى تأثروا بالأزمة واضطروا لرفع أسعار الوقود كما فى الإمارات بمعدل يتراوح من 30 إلى 70 فى المائة، بينما فى بريطانيا وصل بهم الأمر إلى تخزين الوقود فى أكياس وجراكن، وصولًا إلى ألمانيا والنمسا حيث يزيد سعر الوقود فيهما مرتين أسبوعيًا، وحتى أمريكا رفعت سعر الوقود بنسبة 34.7 فى المائة نتيجة توابع الحرب على إيران، وكلها حقائق موثقة جدد التأكيد عليها تقرير «الحقيقة التى لا تقال» فى إجراءات مصر الاستثنائية لترشيد الطاقة.
والحكمة ضالة المؤمن، علينا أن نبحث عن الحقيقة ونأخذ بها، فالمعلومات عن توابع الحرب الإيرانية متاحة بالصوت والصورة والفيديو، ومختلف البلدان تئن من العواقب، ويتساوى فى الشكوى قادة الدول والشعوب شرقًا وغربًا، والدولة المصرية ليست بمعزل عن الآثار السلبية، فهى تساير الموقف وتحاول بشتى السبل التوازن بين احتياجات المواطنين وبين قدرة الدولة على الصمود فى وجه التداعيات، وبالتالى فإن إجراءات التقشف مسار إجبارى لترويض الأزمة، وليس فشلًا أو إجراءً استثنائيًا كما يحاول البعض، سواء عن جهل بالصورة الكاملة أو عن عمد بهدف التشويش على خطة الدولة لضمان الاستمرارية، ومحاولة عدم اللجوء لإجراءات لا تُحتمل فى المستقبل، ومنها تخفيف الأحمال لساعات طويلة، وكما أكد تقرير قواتنا المسلحة، فإن مصر من أحسن غيرها فى إدارة هذه الأزمة، وتتخذ القرار الذى يراعى كل الفئات ويحافظ على كرامة المواطن فى ظل الظروف العالمية الجديدة والأزمات الإقليمية، والأهم أن يكون كل منا على يقين بأن وعيه مسئولية، والكلمة مسئولية، فلا تهويل فى الأقوال غير المستندة إلى بيانات أو مصادر رسمية، ولا إفراط فى تهوين الأزمة كما حدث فى الأيام الأولى، عندما بادرت الحكومة قبل مثيلاتها فى الدول الأخرى بالتحوط المبكر من التوابع، فهاج وماج البعض بأن هذه الإجراءات قاصرة محليًا فقط، وبمرور الوقت وتتابع الضغوط توالت قرارات العواصم الغربية والعربية لمحاصرة تلفيات الحرب التى طالت مواردها واقتصادها مع معاناة جماعية من كابوس الطاقة.
والوعى السليم يقتضى أيضًا التصرف بعقلانية وممارسة السلوكيات المتزنة، فلا ننساق كمواطنين لدعوات العشوائية فى شراء السلع والمنتجات خاصة الغذائية بحجة أن الأسعار فى الطالع، والحل هو التخزين، لأن هذا الكلام ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، فالتكالب من أجل الحصول على كميات كبيرة من السلع يخلق طاقة شرائية غير حقيقية، ويعطى فرصة لتجار الأزمات فى رفع الأسعار واستغلال الظروف، فى حين أن فلسفة الترشيد والاكتفاء بالمتطلبات اليومية أو الأسبوعية على أقصى تقدير ستنعكس على جميع الأسواق بالوفرة والإتاحة، وتظل الأسعار مقبولة، خصوصًا أن الدولة تعلمت الدرس من الأزمات السابقة بداية من جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم حرب غزة، وصولًا إلى الحرب الإيرانية، وسارعت الخطى لرفع معدلات الاحتياطى الاستراتيجى من غالبية السلع الأساسية والدواء، وأغلبها لا يقل المعدل فيها عن 6 أشهر ويصل لقرابة عام فى البعض الآخر، وبالتالى فالخوف الزائد غير مبرر، والمواطن الواعى لا يُلدغ من حجر صناع الشائعات أو بعض التجار الجشعين مرتين، فقد سبق اكتشاف الوجه القبيح للفريقين فى أزمات سابقة، ولن تنطلى علينا مزاعمهم ومكائدهم، خيبة الله على كل متآمر حقود.
ويحضرنى فى إطار الحديث عن مسئولية الوعى ضرورة لفت الانتباه إلى أن وحدة الصف الوطنى هى منبع الأمن والأمان اللذين ينعم بهما جموع المصريين، والعنصر الجوهرى فى نجاح ملحمة التنمية الشاملة بالجمهورية الجديدة، والركيزة القوية لمواصلة مسيرة البناء فى كل القطاعات وجميع المجالات، ولهذا علينا جميعًا الحفاظ على تلك النعمة، فصون النعمة عبادة وسبب لاستمرارها وزيادتها لتبقى مصر واحة الأمان فى إقليم مضطرب بالصراعات ومنطقة مشتعلة بالحروب، بل إننا يمكن تحويل محنة الحرب الإيرانية إلى منحة، بالتوسع فى الزراعة والصناعة على كل المستويات لمضاعفة الناتج القومى وتوفير احتياجاتنا الوطنية والتصدير للخارج بهدف جلب العملة الصعبة، لتعويض خسائرنا من تراجع عائدات قناة السويس والسياحة طالما ظلت حركة الطيران متعثرة كمحصلة واقعية لاستمرار الحرب متعددة الجبهات متنوعة الخصوم، ولا يمكن لأحد أن يتوقع نهايتها بشكل قاطع أو يتنبأ بتداعياتها المؤلمة حتى بعد وقف إطلاق النار، فالحروب لا تجلب إلا الخراب.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء