كنت أزعم أن الإخوان وصلوا إلى محطة من الانحطاط الأخلاقى ليس بعدها أى انحطاط، لكنهم دائمًا ما يفاجئوننى بأنهم قادرون على خلق أشكال من الانحطاط لم يسبقهم فيها أحد. فبعد الملاسنة الإخوانية بين الإخوان فى تركيا، والتى اعتمد فيها الإخوان على ركيزتين فى الخناقات، الأولى تقول: «إن أردت أن تهين رجلًا فسلّط عليه امرأة»، لذا فقد سلّط الإخوان زوجة القيادى يحيى موسى لتردح باللغة العربية لعمرو عبدالهادى المتحالف مع الإخوان، والذى بدوره لم يفوّت الفرصة وقام بتنفيذ الركيزة الثانية: «يا اللى رايح كتر من الفضايح»، فقام أيضًا بفضح الجميع، وكشف عن خيانات وعمالة القيادات، وذكر بالأسماء كل المتعاونين مع مخابرات الدول الأجنبية، وحجم الإنفاق، والحياة الرغدة التى يعيشها القادة، إلى جانب حياة التقشف التى يعيشها المخدوعون من شباب الإخوان، حتى إن بعضهم ضلّ «حسب تعبيره» وأصبح يعمل فى المخدرات ليعيش، فى حالة من تردٍّ أخلاقى لم يكن أشد معارضيهم يتوقع أن يصلوا إليه.
كيف بدأت المعركة؟:
فعندما كتب على صفحته عمرو عبدالهادى، المتحالف مع جماعة الإخوان الإرهابية والمصطف معهم فى خندق واحد، والهارب إلى تركيا أيضًا، معترضًا على تكوين الجماعة لكيانهم المشبوه «ميدان»، وتأسيس ما يسمى بتيار التغيير، لم يكن ذلك لأنه يرفض فكرة العمل ضد مصر، بل كان منطلقه الأساسى أنه يرى هذا الكيان مريبًا، لأن قادته ومؤسسيه يتلقون أموالًا من إيران، التى لا يتفق مع قادتها، ليس أكثر.
فردت عليه السيدة هندالشافعى، زوجة يحيى موسى، بدلًا من زوجها فى منشور على صفحتها، لكنها لم ترد بموضوعية، بل بطريقة أقرب للردح، اتهمته وسبَّته وشتمته بحجة الدفاع عن الإسلام؛ إذ قالت له إنه معارض «يضع الحذاء فى فمه».
فردّ عليها «عبدالهادى» قائلًا: إنه كان يتمنى أن يرد عليه يحيى موسى، زوجها، وطالما اختار الإخوان أن ترد النساء وتخوض المعارك بدلًا من رجالهم، فلا بأس أن يرد عليها.
دلائل الفضائح على الهواء
خرج «عبدالهادى» فى فيديو بث مباشر ليكشف ما لديه، متحدثًا عن معلومات قال إنها حقيقية حول دورهم فى استدراج بعض شباب الإخوان، والعمالة لصالح أجهزة أجنبية، والأموال التى تتدفق عليهم وتمنحهم حياة رغدة، فى حين يعانى بعض الشباب الذين صدقوهم من ضيق العيش فى الغربة، حتى إن بعضهم انحرف وعمل بتجارة المخدرات. هنا يجب أن ننظر إلى مضمون رسائل عمرو عبدالهادى على النحو التالي:
أولًا: سقوط أسطورة الجماعة التربوية الدعوية، فالتربية التى كان يتشدق بها الإخوان، وأنهم أهم فصيل تربوى، تسقط مع أول وأبسط اختبار، فأين هى التربية فى وصلات الردح وفرش الملاية بين الإخوان؟ واضح أن عناصر الجاعة الارهابية تُجيد تمثيل دور الشخص المهذب شكلاً، لكنها لا تصل أبدًا إلى الشخص المؤدب مضمونًا.
ثانيًا: الخلاف على التمويل: من الملاسنات التى نشبت بين الإخوان الفارين إلى تركيا يتضح أن خلافهم على المال والتمويل، لا على الأخلاق أو المبادئ. فالكل يحصل على تمويل، لكن مَن يحصل أكثر من الآخر؟ فكل مشكلة عمرو عبدالهادى أن هندالشافعى وزوجها يحصلان على ملايين الدولارات، حسب تعبيره، «لو جلست عليه سترى مصر من تركيا»، وأنها هى السيدة الثالثة فى نساء الإخوان فى تركيا.
ثالثًا: الخلافات انعكاس لتعدد الولاءات لمخابرات أجنبية، مما ظهر من الملاسنة أن أساس المشكلة ليست الاعتراض على أن تكون عميلاً، بل على مَن تكون له عميلًا، فكل طرف يريد من الآخر أن يكون عميلاً لنفس المخابرات التى يعمل لها، وقبل سنوات، عندما نشب الخلاف بين إبراهيم منير ومحمود حسين، اتهم كل منهما الآخر بأنه عميل؛ محمود حسين اتهم منير بأنه يتبع المخابرات الإنجليزية، ومنير اتهم حسين بأنه يتبع المخابرات التركية، والآن عمرو عبدالهادى يتهم كيان وحركة حسم ويحيى موسى أنهم يتبعون المخابرات الإيرانية والحرس الثورى.
رابعًا: الخلافات نتيجة ندم على عبدالونيس: ما يحدث بين الإخوان هو أحد توابع زلزال اعترافات على عبدالونيس، التى تحدث فيها عن وقائع خطيرة تتعلق بعمليات اغتيال وتفجيرات واستهداف لشخصيات أمنية وعسكرية وسياسية، وندمه على اتباع الجماعة والدخول فى صراع الكراسى والمناصب، هذه الاعترافات أشعلت صراعًا مكتومًا خرج الآن إلى العلن.
خامسًا: تاريخ الملاسنات الإخوانية: هذه الملاسنة لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة؛ فعقب الملاسنة بين إبراهيم منير ومحمود حسين، نشبت الملاسنة بين محمدالصغير وسلامة عبدالقوى، فكلاهما يتهم الآخر بالسرقة والتسول والنصب باسم الدين، والملاسنة بين محمد جمال هلال وبعض الشباب الإخوانى فى تركيا. والملاسنة عادة إخوانية قديمة، فقديمًا كانت الملاسنة الشهيرة بين حسن البنا وأحمدالسكرى؛ فبعد أن أشاع «البنا» أن «السكرى» يريد المناصب والأموال، رد «السكرى» عليه فى مقال باسم «الشيخ النصاب» و«الشيخ الكذاب».
حصاد الإخوان المر
ما نشهده ليس سوى حصاد طبيعى لجماعة الإرهابية اعتمدت على التلاعب والاستغلال للشباب وخداعهم باسم الدين، إنها لحظة انكشاف كاملة، تؤكد أن التنظيم الإرهابى قام بتضليل الشعب المصرى ورفع شعارات إسلامية لابتزازه عاطفيًا، لكن صراعاتهم الداخلية ونهمهم على المال فضح حقيقتهم.
هذا المشهد يؤكد أن الخلافات داخل الجماعة ليست فكرية كما يروجون، بل هى صراعات مصالح بحتة، فالحديث عن «المعارضة فى الخارج» ليس إلا وسيلة «للتكسب»، والخلافات الإخوانية ليس سوى صراع على التمويل والنفوذ، فلا الهروب لتركيا كان من أجل الفكرة ولا المشروع، وفى تغريبة الإخوان لم يجد المخدوعون من يضحى من القيادات ولا من يطبق مبادئ الأُخوة ولم يجدوا تكافلاً ولا تضحية ولا ثباتًا ولا ثقة كلها شعارات ثبت زيفها وانهارت عند التطبيق بل تبخرت وتلاشت.