رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

خطاب التطرف.. من الخوارزمية إلى العقيدة

4-4-2026 | 13:12

ثروت الخرباوي

طباعة
ثروت الخرباوي

يشهد القرن الحادي والعشرين تحولًا عميقًا في شكل التطرف وأدواته، فلم يعد يرتدي الزي التقليدي ولا يعتلي المنابر الصاخبة وحدها، بل صار يتسلل عبر الشاشات الصغيرة، ويختبئ خلف خوارزميات ذكية، ويتخفى في مقاطع قصيرة خاطفة، وفي قلب هذا المشهد يقف جيل زد، ذلك الجيل الذي وُلد بين منتصف التسعينيات وبداية العقد الثاني من الألفية، فنشأ في حضن الإنترنت، وتشكل وعيه عبر المنصات الرقمية أكثر مما تشكل في الفصول الدراسية، فلم يعد السؤال: هل يتأثر هذا الجيل، بل لماذا يُعد هدفًا مثاليًا للجماعات المتطرفة، وكيف يمكن تحصينه دون أن نفقد ثقته، إذ يفرض فهم المواجهة أن يُفهم موضع النفاذ أولًا.

إذ يعيش هذا الجيل مفارقة وجودية معقدة، فيستخدم أدوات عالمية، ويتابع مؤثرين من قارات شتى، ويتكلم بلغة هجينة عابرة للحدود، لكنه يعاني في الوقت نفسه أزمات محلية ضاغطة، ويبحث عن جذور تمنحه معنى وانتماءً واضحًا، فيتسلل الخطاب المتطرف ليقدم ما يشبه الهوية الصلبة، فيمنح إجابات قطعية، ويرسم حدودًا حادة، ويختزل العالم في ثنائية «نحن» و«هم».

وفي عالم مضطرب ملتبس يبدو هذا الوضوح المغري ملاذًا نفسيًا مريحًا في ظاهره، غير أنه يتحول في حقيقته إلى سجن فكري محكم، إذ كلما ضاقت الأسئلة واتسعت الإجابات الجاهزة شعر الشاب براحة مؤقتة كأن الضباب قد انقشع، بينما يقوم ذلك الصفاء المصطنع على إلغاء التعقيد لا فهمه، وعلى استبعاد الآخر لا التحاور معه، فتظهر الخدعة الخطيرة حين يُدفع الشاب بدلًا من أن يمر بمرحلة طبيعية من التساؤل والبحث والتفكير إلى تبني يقين متعجل لا يخضع لتمحيص، ويتحول بحثه عن معنى لحياته من طريق للنضج والانفتاح إلى انضمام متشدد يضعه في صراع دائم مع الآخرين، ويحمله على الاحتماء بثنائية «حق مطلق» في مواجهة «باطل مطلق».

ولا ينفصل هذا الانغلاق عن البيئة المحيطة بالشاب؛ فالأسرة والمدرسة ليستا مجرد جهات رقابية أو سلطوية، بل هما في جوهرهما مرافئ آمنة للحوار، حيث يبدأ التحصين الحقيقي من الاحتواء الواقعي الذي يسبق الاحتواء الرقمي ويتفوق عليه، فحين يجد الشاب في منزله ومدرسته مساحة للبوح دون خوف، ومكانًا للاختلاف دون إقصاء، تتضاءل جاذبية المجتمعات المتطرفة التي تقتات على شعور الشباب بالتهميش أو الاغتراب عن محيطهم المباشر.

ومع مرور الوقت لا يعود الانتماء مجرد شعور بالهوية، بل يصير تعريفًا للذات قائمًا على النفي والإقصاء، مع أن العالم بطبيعته معقد ومتعدد، فتتجاور فيه الهويات حينًا وتتقاطع حينًا آخر، وتتكامل فيه الأفكار كما تتنافر تنافر اختلاف لا خلاف، وهنا تبرز ضرورة الوعي بالتاريخ كحائط صد منيع، وأداة لتفكيك هذا اليقين الزائف؛ فالذي يقرأ التاريخ بعمق يدرك أن الشعارات المتطرفة والمشاريع الإقصائية ليست وليدة اليوم، بل هي تجارب تكررت عبر العصور ولبست أثوابًا شتى، لكنها دائمًا ما تنتهي بالسقوط وتخلف وراءها الدمار، فالوعي بالتاريخ يمنح الشاب بوصلة تمكنه من رؤية تكرار الأنماط، ويدرك من خلالها أن الوعود الوردية للجماعات المتطرفة ما هي إلا سراب جربته أجيال من قبلهم فهلكوا فيه، مما يحول التاريخ من مجرد قصص عابرة إلى مختبر حقيقي لفحص الأفكار وتمييز أصيلها من زائفها.

غير أن الخطاب المتطرف يختزل هذا الثراء في رواية واحدة صلبة تمنح شعورًا زائفًا بالقوة والسيطرة في زمن الأزمات والتحديات، ولأن جيل زد اعتاد السرعة والاختصار بدت الإجابات المختزلة جذابة ولو كانت في جوهرها مدمرة، ومن ثم تبدأ المواجهة بفهم الاحتياجات العميقة لا بإدانة الشباب، إذ يعيش كثير منهم ـ رغم آلاف المتابعين ـ عزلة عاطفية حقيقية، فيقضي ساعات طويلة أمام الشاشة، ويتفاعل افتراضيًا بلا عمق، ويدخل غرف دردشة مغلقة تتشكل داخلها عوالم موازية، وهناك تبدأ عملية غسيل دماغ هادئة لا تقوم على خطب مرتفعة ولا صراخ معلن، بل على جرعات صغيرة من رسائل متكررة تُصاغ بعناية نفسية، فتُعاد صياغة الإدراك تدريجيًا حتى يتغير الوعي دون أن يشعر صاحبه.

ويضاف إلى ذلك أن يحمل هذا الجيل نزعة نقد وثورة، فيرفض الظلم، وينتقد الأنظمة، ويبحث عن عدالة سريعة، فتتدخل الجماعات المتطرفة لتحول هذا الغضب النبيل من طاقة إصلاح إلى وقود صدام، فتقدم العنف طريقًا أقصر للتغيير، وتمنح وهم البطولة لمن يتبناه، ولذلك لا تجدي أدوات القرن الماضي في مخاطبة جيل رقمي، فلا تنفع الخطب الطويلة ولا البرامج التقليدية، بل تقتضي المواجهة مقاربة ذكية سريعة تشبههم في لغتهم وأدواتهم، فيُنتج محتوى رقمي خاطف يفكك التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية والتاريخية بلغة الشباب أنفسهم، ويشرح في مقاطع قصيرة سياق نص أُسيء استخدامه، وتُروى قصص حقيقية تكشف تناقض خطاب العنف مع الواقع، مع مراعاة السرعة والبساطة والإيقاع البصري الجذاب، لأن أخطر ما يواجهه الجيل اليوم ليس الفكرة وحدها بل التقنية أيضًا، فيُعلَّم كيف يُصنع التزييف العميق، وكيف تعمل البروباجندا الرقمية، وكيف تُستخدم المؤثرات لتحفيز المشاعر، وحين يفهم آليات التلاعب بعواطفه تقل قابليته للاستغلال.

غير أن التحصين لا يكتمل بالتحذير وحده، لأن الفراغ يظل الحاضنة الكبرى للتطرف، فيبحث الشاب الذي لا يجد مساحة يشعر فيها بالتقدير والانتماء عنهما في أماكن خطرة دون قصد، ومن ثم تُوفَّر بدائل حقيقية، فتُنشأ مجتمعات رقمية آمنة، وتُقام منصات ألعاب جماعية بروح إيجابية، وتُفتح مساحات نقاش راقية، وتُدعم دوائر فنية وإبداعية تمنحه شعورًا بأنه مرئي ومسموع وذو قيمة، إذ لا يبحث أغلب الشباب عن التطرف بقدر ما يبحثون عن الاعتراف والاحتواء.

ويُعاد كذلك تعريف القدوة، فنقدم لهم أمثلة لأبطال حقيقيين من جيلهم: مخترعين شباب، وفنانين مبدعين، ورياضيين صنعوا نجاحهم بالاجتهاد لا بالهدم، فيتغير ميزان الإعجاب حين يرى الشاب نموذجًا قريبًا من واقعه نجح دون أن يخاصم العالم، ويتحول الحماس من مسار الهدم إلى مسار البناء، كما تتخذ المعركة بعدًا خوارزميًا بقدر ما هي فكرية، فتوجه المنصات الرقمية الاهتمامات، وتصنع واقعًا افتراضيًا قد يكون مزيفًا، ويمكن في المقابل توظيف الأدوات ذاتها توظيفًا وقائيًا ذكيًا، فيُقدَّم محتوى توعوي هادئ ومتوازن قبل أن ينغلق الشاب داخل دائرة فكرية ضيقة، ويُقصد بذلك التدخل المبكر الحامي لا الرقابة القامعة.

ويبقى الأهم غرس ما يمكن تسميته باللقاح الفكري، فيُدرَك أن العالم ليس أبيض وأسود فقط، وأن مساحات رمادية واسعة من الاختلاف المشروع قائمة بين الناس، لأن التطرف يبدأ من وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، ويُرسَّخ مفهوم المواطنة الرقمية المسؤولة، إذ قد يكون كل إعجاب أو مشاركة لمحتوى متطرف حلقة في سلسلة تنتهي بعنف حقيقي على أرض الواقع، وتُحيى العقلية النقدية قبل التصديق، فلا يكتفي بالرؤية أو السماع، بل يسأل دائمًا: من نشر هذا المحتوى؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد؟

فبمثل هذه الأسئلة تبدأ مناعة العقل، وتضعف قدرة الخطاب المتطرف على التسلل إلى الوعي، ولا يُوصَف جيل زد بالهشاشة كما يُصوَّر أحيانًا، بل إنه في الحقيقة يتسم بالذكاء والسرعة والحساسية العالية للعدالة، غير أن هذه المزايا نفسها قد تتحول إلى نقاط اختراق إن لم تُحَط بالوعي، فتدور المعركة في جوهرها بين نموذجين للعالم: نموذج يغري باليقين السهل والعنف السريع، ونموذج يبني بالصبر ويؤمن بالتعدد ويحتمل التعقيد.

ولا يعني تحصين هذا الجيل إخافته بل تمكينه، ولا يعني مراقبته بل تعليمه كيف يراقب ما يُعرض عليه، إذ لا تتحقق الوقاية الحقيقية بإغلاق الأبواب، بل ببناء عقول قادرة على تمييز الطريق.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة