فى الوقت الذى تتجه فيه الأنظمة التعليمية الحديثة إلى تنمية شخصية الطالب قبل تحصيله الدراسى، يظهر المسرح المدرسى كأحد أكثر الأدوات تأثيرا فى صنع جيل مختلف؛ جيل يعرف كيف يتكلم ويعبر ويقود.. ومع ارتفاع أعداد الطلاب الموهوبين المكتشفين داخل المدارس خلال السنوات الأخيرة ليصلوا إلى ما يزيد على 42 ألف طالب وطالبة وفق بيانات وزارة التربية والتعليم، أصبح المسرح ليس مجرد مساحة للعرض، بل منصة لصناعة الإنسان.
يرى المتخصصون أن الطالب الذى يصعد خشبة المسرح مرة واحدة لا يعود كما كان، فهو يتعلم ما لا تعلمه الفصول التقليدية مثل الجرأة، النظام، العمل الجماعى، حل المشكلات، والتعبير عن الذات، ورغم اختلاف البيئات المدرسية، إلا أن التجارب المتكررة تشير إلى نتيجة واحدة: المسرح يبنى شخصية متوازنة قبل أن يبنى موهبة.
تقول دكتورة عبير أنور، مدير عام إدارة الموهوبين بوزارة التربية والتعليم، إن المسرح المدرسى أصبح من أهم مسارات اكتشاف الموهبة، مؤكدة أن السنوات الأخيرة شهدت قفزة حقيقية فى عدد الطلاب المشاركين فى الأنشطة الفنية.
وتضيف أنه من خلال برامج اكتشاف ورعاية الموهوبين، سجلنا أكثر من 12 ألف طالب موهوب فى الأداء المسرحى والإلقاء والغناء خلال عامى 2023 و2024 فقط، وهو أكبر رقم تحققه الوزارة خلال خمس سنوات.
وأن إدارة الموهوبين تابعت ما يزيد على 700 طالب تم تصعيدهم على مستوى الجمهورية للمشاركة فى مسابقات الإبداع الفنى، بينهم طلاب اكتُشفت مواهبهم لأول مرة داخل المسرح المدرسى.
وتوضح أن نسبة التحسن فى ثقة الطلاب بأنفسهم وصلت فى بعض المحافظات إلى 40 فى المائة بعد مشاركتهم فى العروض المسرحية، وهذا رقم لم نصل إليه بأى نشاط تربوى آخر، فالمسرح المدرسى ليس رفاهية، بل مساحة تعليمية توازى أهمية الفصل، لأنه يربط الطالب بالمدرسة ويجعله جزءًا من مشروع جماعى يشعر فيه بالمسئولية والدور.
وفى سياق متصل تشير دكتورة إيمان حسن، رئيس الإدارة المركزية للأنشطة، الى أن الوزارة خصصت خطة تنفيذية منذ بداية عام 2024 لإعادة إحياء المسرح فى المدارس، بناءً على التقارير التى أثبتت أن النشاط المسرحى الأكثر تأثيرًا فى سلوك الطلاب وتواصلهم.
موضحة أن أكثر من 18 ألف طالب شاركوا فى عروض مسرحية على مستوى الجمهورية خلال عام 2023–2024، وهو ضعف ما تم تسجيله قبل ثلاث سنوات فقط.
وتوضح أن الإدارة تقوم بمتابعة شهرية للمدارس لضمان تنفيذ الأنشطة بجودة حقيقية وليست مجرد عروض شكلية، كما توفر تدريبًا لمعلمى الأنشطة فى المحافظات، وتضيف أن نسب المشاركة فى بعض المحافظات – خاصة القاهرة والجيزة والإسكندرية – ارتفعت لتصل إلى 70 فى المائة من طلاب المرحلة الابتدائية فى الأنشطة الفنية.
وتؤكد أن المسرح مشروع تربوى كامل، فالطالب الذى يتعلم الانضباط داخل فريق عمل مسرحى يصبح أكثر التزامًا فى الفصل وأكثر قدرة على حل المشكلات اليومية.
وتقول راندا تورايا، معلمة تربية موسيقية ومنظمة حفلات مسرحية فى المدارس، والتى نظمت أكثر من ٢٢ عرضا خلال السنوات الأخيرة، إن المسرح يكشف جانبًا مختلفًا فى شخصية الطالب. وتقول إن اللحظة التى يقف فيها الطالب على المسرح لأول مرة لحظة تسقط فيها كل الحواجز الداخلية.
وتضيف: لدينا هذا العام 47 طالبًا موهوبًا فى الغناء والأداء المسرحى فى إحدى المدارس، بينهم 12 طالبًا اكتُشفوا لأول مرة فى الصفوف الأولى الابتدائية، وكانوا يعانون من خجل شديد.
وتوضح أن العمل المسرحى لا يقتصر على التمثيل، بل يشمل تدريبات صوتية وحركية وأدوارًا خلف الكواليس، وكل جزء منها يبنى شخصية الطالب، وأكثر المدارس نجاحًا هى التى تؤمن بالمسرح وتخصص له وقتًا ودعمًا، المدرسة التى لا تؤمن بقيمة الفن لا يظهر فيها موهوب واحد، حتى لو كان الطالب يمتلك موهبة طبيعية.
فى حين ترى الدكتور سارة عصام الدين، أستاذ التربية الموسيقية بجامعة 6 أكتوبر، أن مسرح المدرسة من أهم الوسائل التربوية والفنية التى تُسهم فى صقل شخصية الطلاب فى مراحلهم المختلفة واكتشاف مواهبهم الكامنة، فهو ليس مجرد منصة لعرض العروض المسرحية، بل مساحة حيوية للتعبير والإبداع، حيث يجد الطالب نفسه قادرًا على الانطلاق والتجربة بعيدًا عن قيود الدراسة التقليدية.
ويلعب مسرح المدرسة دورًا محوريًا فى اكتشاف المواهب الفنية المتنوعة لدى الطلاب، فمن خلال المشاركة فى التمثيل، أو الإخراج، أو الكتابة المسرحية، أو حتى تصميم الديكور والإضاءة، تكتشف قدرات الطلاب التى قد تظل خفية لولا هذه الفرصة، وقد يكون المسرح هو البداية الحقيقية لطريق فنى واعد، حيث يمنح الطالب الثقة فى موهبته ويشجعه على تطويرها.
وتضيف الدكتورة سارة أن دور المسرح لا يقتصر على الأنشطة فقط، بل إن بعض المدارس أصبحت تولى اهتمامًا أكبر بالفنون من خلال إدراج مادة المسرح والدراما ضمن المناهج الدراسية، هذا التوجه يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الفنون فى العملية التعليمية، حيث تُمنح هذه المادة للطلاب بشكل منظم يتيح لهم دراسة أساسيات الأداء المسرحى، وفنون التعبير، والارتجال، والعمل الجماعى، كما تساعد هذه المواد على دمج التعليم الأكاديمى بالجانب الإبداعى، ما يخلق تجربة تعليمية متكاملة تُنمّى العقل والوجدان معًا.
أما على مستوى بناء الشخصية، فإن للمسرح أثرًا بالغًا فى تنمية مهارات متعددة لدى الطالب، فهو يعزز القدرة على التعبير عن الذات، ويُنمّى مهارات التواصل والعمل الجماعى، كما يُكسب الطالب الجرأة فى مواجهة الجمهور والتغلب على الخجل، الوقوف على خشبة المسرح يتطلب شجاعة وتركيزًا، وهو ما ينعكس إيجابيًا على سلوك الطالب فى حياته اليومية.
ومن أبرز ما يقدمه المسرح أيضًا هو تعزيز الثقة بالنفس، فعندما ينجح الطالب فى أداء دوره ويجد تقديرًا من الجمهور والمعلمين، يشعر بقيمته وقدرته على الإنجاز، هذا الإحساس يترسخ بداخله، ليصبح أكثر إقدامًا على خوض التجارب الجديدة، سواء داخل المدرسة أو خارجها.
فى حين ترى دعاء عبدالمنعم، أخصائية اجتماعية بإحدى المدارس، أن التأثير السلوكى للمسرح لا يقل أهمية عن تأثيره الفنى، وأن المدارس التى تفعل المسرح بشكل منتظم تشهد انخفاضًا ملحوظًا فى مشكلات السلوك، حيث كان لدينا طلاب كانوا يعانون من الانطواء أو العصبية، وبعد مشاركتهم فى المسرح تحسّن تواصلهم مع زملائهم، وارتفعت قدرتهم على ضبط النفس بشكل واضح.
وتشير هذه الشهادات المتكاملة إلى حقيقة واحدة أن المسرح المدرسى ليس نشاطًا ترفيهيًا بل مشروع تربوى، اجتماعى، نفسى، وتعليمى شامل، فالأرقام تؤكد زيادة أعداد الموهوبين المكتشفين عامًا بعد عام، والتجارب الميدانية تكشف التحسن السلوكى والأكاديمى، والوزارة تواصل دعمها بخطط واضحة وتدريب مستمر.