أوضح الكاتب والروائى السيد نجم، بأن برامج اكتشاف الموهوبين تمثل ركيزة أساسية فى بناء الوعى الثقافى لدى الأجيال الجديدة، فهذه المبادرات تفتح المجال أمام الأطفال للتعبير عن قدراتهم الإبداعية وصقلها بشكل منهجى، كما أنه يمكن للطفل أن يشارك كعضو فى المرحلة الثانية من مسابقة «المبدع الصغير»، والتى تستقبل سنويًا آلاف المتقدمين من مختلف أنحاء الجمهورية، قبل أن تتم تصفيتهم إلى عدد محدود من الموهوبين الذين يمتلكون قدرات استثنائية تستحق الرعاية والدعم، وهذه المشاركةتتيح فرصة التعرف عن قرب على نماذج متميزة من الأطفال، فكثير منهم يمتلكون ملكات غير تقليدية تعكس حجم التنوع الثقافى والإبداعى داخل المجتمع المصرى.
وأوضح «نجم» أن أبرز ما لفت انتباهه هو الانتشار الجغرافى الواسع للمواهب، حيث جاءت مشاركات قوية من محافظات بعيدة عن العاصمة، مثل مرسى مطروح والوادى الجديد وأسوان والنوبة، وهو ما يؤكد أن الإبداع لا يتركز فى القاهرة فقط، بل يمتد إلى مختلف الأقاليم.
وأشار «نجم» إلى أن محافظات الصعيد وعلى رأسها سوهاج والنوبة سجلت نسب مشاركة مرتفعة، وهو ما يعكس وجود طاقات كامنة تحتاج فقط إلى من يكتشفها ويوجهها بشكل صحيح، وهذه ظاهرة لافتة تتمثل فى ارتفاع نسبة الفتيات بين المتأهلين إلى المراحل المتقدمة، حيث تتجاوز 40 فى المائة، وذلك يعكس وعيًا متزايدًا لدى الفتيات وثقة كبيرة فى قدراتهن على المنافسة والإبداع، ويجب على أن قصور الثقافة أن تلعب دورًا محوريًا فى اكتشاف الموهوبين حيث تمثل نقطة الانطلاق الأولى لكثير من الأطفال، من خلال نوادى الأدب والطفل والأنشطة المختلفة التى تتيح لهم التعبير عن مواهبهم، فالعديد من الأطفال الذين التقاهم أشاروا إلى أن بدايتهم كانت من خلال هذه القصور، وهو ما يؤكد أهميتها رغم ما تواجهه من تحديات.
ونوه «نجم» إلى أن انتشار قصور الثقافة فيما يقرب من 450 موقعًا على مستوى الجمهورية يمنحها فرصة واسعة للوصول إلى الأطفال فى مختلف المحافظات، لاسيما فى المناطق التى تعانى من نقص الخدمات الثقافية، وتطوير هذه المؤسسات ودعمها يعد ركيزة أساسية لتعزيز منظومة اكتشاف الموهوبين ورعايتهم، والدولة تبذل جهودًا ملحوظة فى دعم الأطفال والمبدعين عبر العديد من المبادرات والبرامج الثقافية والإعلامية، إلا أن غياب التنسيق الفعال بين الجهات المختلفة المعنية بهذا الملف يظل أحد أبرز التحديات حيث تعمل كل جهة بشكل منفرد، وهو ما يحد من تعظيم الاستفادة من تلك الجهود، مقترحا إنشاء»المجلس الأعلى لثقافة الطفل» ليكون مظلة موحدة تتولى وضع استراتيجية شاملة لثقافة الطفل فى مصر، وتعمل على تحقيق التكامل بين مختلف الجهات، بدءًا من كليات رياض الأطفال مرورًا بالأنشطة الثقافية ووصولًا إلى وسائل الإعلام والمطبوعات المتخصصة.
واختتم «نجم» تصريحاته بالتأكيد على أن وجود كيان تنسيقى موحد من شأنه أن يعزز من تأثير المبادرات القائمة وفى مقدمتها مسابقة «المبدع الصغير»، فالاستثمار فى تنمية مواهب الأطفال يمثل استثمارًا حقيقيًا فى مستقبل مصر الثقافى، وأن توفير بيئة محفزة سيساعد فى إعداد جيل قادر على الإبداع والتعبير عن هويته والمساهمة فى بناء مجتمع أكثر وعيًا وتقدمًا.
أما الناقد والكاتب الدكتور محمد سليم شوشة، فقد أكد على أن إطلاق مبادرة «دولة الفن والإبداع» يمثل خطوة مهمة نحو إعادة الاعتبار لدور الثقافة فى بناء الوعى المجتمعى، فنجاح هذه المبادرة يتطلب وجود مسئولية جماعية حقيقية تشارك فيها مختلف المؤسسات المعنية، وليس الاعتماد على جهة واحدة فقط، واكتشاف المواهب ورعايتها يجب أن يتم من خلال منظومة متكاملة تشمل وزارات الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالى والشباب والرياضة، بما يضمن الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المبدعين فى مختلف المجالات.
وأشار إلى أن حصر مسئولية اكتشاف المواهب فى قصور الثقافة وحدها لم يعد كافيًا فى ظل التحديات الراهنة، فبعض أنماط الإدارة الثقافية التقليدية لم تعد ملائمة بل قد تمثل عائقًا أمام اكتشاف الطاقات الحقيقية، نتيجة ما وصفه بحالة «الجمود» التى تعانى منها بعض القطاعات، والمرحلة الحالية تتطلب تطوير آليات العمل الثقافى والانتقال إلى نماذج أكثر مرونة وانفتاحًا قادرة على استيعاب التغيرات المتسارعة فى المجتمع، كما يجب وضع خطط وبرامج جديدة لاكتشاف الموهوبين، تقوم على التناغم والتكامل بين المؤسسات المختلفة، بحيث يتم العمل وفق رؤية موحدة واستراتيجية واضحة، بدلًا من الجهود المتفرقة التى تقلل من حجم التأثير، وأن تكون هذه البرامج شاملة لمختلف مجالات الإبداع من فنون الأداء كالمسرح والموسيقى، إلى الفنون التشكيلية والأدب والفنون الشعبية، بما يعكس ثراء وتنوع الثقافة المصرية.
وبين أن نجاح هذه المبادرات يتطلب توفير التمويل اللازم، فالاستثمار فى الثقافة ليس رفاهية بل ضرورة استراتيجية، حيث يحقق عوائد مضاعفة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب دوره فى تعزيز «القوة الناعمة» لمصر فى محيطها العربى،وكل موهبة يتم اكتشافها تمثل إضافة حقيقية لرصيد الدولة الثقافى وتفتح آفاقًا جديدة للتأثير والتواصل، لأن الفنون لها دور مهم فى تحقيق التماسك المجتمعى، وتعزيز السلام الاجتماعى، إلى جانب دورها فى دعم الصحة النفسية وتنمية الوعى بالذات والانتماء الوطنى، والعديد من الدراسات الحديثة فى مجالات العلوم الإدراكية تؤكد التأثير الإيجابى للفنون فى تشكيل القيم والسلوك الإنسانى، ما يعزز من أهمية التوسع فى دعم الإبداع بمختلف أشكاله.
وكشف «شوشة» أن خطط اكتشاف المواهب يجب أن تتسم بالطابع العملى والقابلية للتنفيذ وأن تكون مبنية على أسس علمية واضحة مع وضع آليات دقيقة للمتابعة والتقييم، محذرًا من الاكتفاء بالأطر العامة أو الأنشطة الشكلية التى قد تفرغ المبادرات من مضمونها، مشددًا على أن بناء منظومة فعالة لاكتشاف المبدعين هو استثمار حقيقى فى مستقبل مصر الثقافى.
وفى السياق ذاته، اعتبر الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والتراث بجامعة قناة السويس، أن ما شهدته الساحة الثقافية فى مصر من برامج لاكتشاف المواهب لم يعد مجرد احتفاء بالصوت أو الأداء بل تحوّل إلى مؤشر على سعى أعمق لاستعادة صوت مصر وهويتها الثقافية، فبرنامج «دولة التلاوة» تجاوز فكرة تقديم التلاوة كأداء شعائرى، ليعيد تقديمها كفن قائم على الجمال والهوية، مستحضرًا الصوت المصرى الذى صاغ وجدان العالم العربى والإسلامى لسنوات طويلة، وكان معيارًا للجمال والتأثير قبل أن يتراجع تحت وطأة العشوائية والتكرار، فهنا القضية لا تتوقف عند حدود الصوت، وإنما تتطلب إعادة بناء مشروع متكامل يربط بين الثقافة والمجتمع، ويمتد ليجمع بين الفن والسياسة وبين الجمال والوعى، وهذه المجالات تمثل منظومة واحدة مترابطة، وأن أى خلل فيها ينعكس على بقية عناصرها.
وأضاف أن المرحلة الحالية تستدعى التحول من المبادرات الجزئية إلى رؤية شاملة، بحيث تصبح برامج اكتشاف المواهب جزءًا من مشروع وطنى متكامل، كما يجب إحياء فنون الصوت المصرى فى التلاوة والإنشاد والأذان والغناء، إلى جانب تعزيز دور العلوم والاختراعات، بما يحقق التوازن بين الإبداع الفنى والتقدم العلمى، وأيضا يجب دعم مجالات الكتابة الأدبية والعلمية والخيالية لإعادة الاعتبار للكلمة كأداة لصناعة الوعى، إلى جانب الارتقاء بالفنون التشكيلية التى تعيد للعين دورها فى الإدراك الجمالى، معتبرًا أن الثقافة تمثل منظومة متكاملة تتداخل فيها الحواس والعقول والخيال، فمصر لم تكن يومًا مجرد متلقٍ للثقافة، بل أسهمت فى صنع نموذجها الثقافى الخاص، الذى امتد تأثيره إلى العالم العربى والإسلامى، وهو ما انعكس فى العديد من المظاهر، خاصة خلال شهر رمضان، مشيرًا إلى أن هذا التأثير شمل العروبة والمسيحية معًا، باعتبار مصر مهدًا للرهبنة ومركزًا للفكر والعلم.
وقال «منير»: إن هذا التاريخ لا ينبغى التعامل معه كأداة للفخر فقط بل كرصيد حضارى قابل للاستثمار، وتجربة «مكتبة الأسرة» كان نموذجا ناجحا فى نشر الثقافة وإيصال المعرفة إلى مختلف فئات المجتمع، ومصر تقف أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة دورها الحضارى، والمطلوب ألا يقتصر على اكتشاف المواهب بل يمتد إلى إعادة اكتشاف مصر نفسها كمشروع حى يقوم على الإنسان والثقافة والجمال بما يعيد لها دورها فى صناعة المعنى وتصديره إلى العالم.