رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

على امتداد مسار «إنجاز التلاوة».. مصر تعيد إحياء قوتها الناعمة


3-4-2026 | 14:59

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان

لم يكن حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى عن إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع»، فى لقاء المرأة المصرية والأم المثالية، مجرد طرح جديد على مائدة الاهتمام الثقافي، بل جاء بمثابة إشارة انطلاق لملف طال انتظاره «إعادة اكتشاف الإنسان المصرى عبر بوابة الإبداع»، فى توقيت دقيق، تتصاعد فيه أهمية معركة الوعي؛ حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بالاقتصاد أو السلاح، بل بما تملكه الدول من قدرة على تشكيل الوجدان وصناعة التأثير.

ورغم أن مصر لم تتوقف يوماً عن إنجاب الموهوبين، من أقصى القرى إلى قلب المدن، فإن غياب منظومة متكاملة لاكتشاف هذه الطاقات ورعايتها، جعل كثيراً منها يظل حبيس الظل، أو يتبدد قبل أن يرى النور. من هنا، يكتسب الطرح «الرئاسي» أهميته، كونه لا يتعامل مع الإبداع باعتباره نشاطا هامشيا، بل كأحد محاور بناء الدولة الحديثة.

كيف تتحول «دولة الفنون والإبداع»، من فكرة واعدة إلى مشروع وطنى يُعيد لمصر ريادتها الثقافية، ويصنع جيلا جديدا من المبدعين القادرين على حمل راية القوة الناعمة إلى المستقبل؟.. السؤال السابق، طرحته «المصور» على عدد من الخبراء والمختصين بحثاً عن ملامح خارطة طريق حقيقية لاكتشاف ودعم المواهب الصغيرة والشابة، وكانت البداية مع الدكتورة ليلى عبد المجيد، أستاذة الصحافة وعميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، التى أوضحت أن طرح إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع»، يعد فكرة شديدة الأهمية، خاصة أن مصر تزخر بالفعل بالمواهب والمبدعين فى مختلف المجالات، سواء فى المحافظات أو القرى، مشددة على أن هؤلاء الموهوبين بحاجة إلى البحث عنهم واكتشافهم وإتاحة الفرص لهم، مع ضرورة متابعتهم ورعايتهم بشكل مستمر، بما يضمن وجود قوة ناعمة مصرية متجددة، تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.

«د. ليلى»، أكدت أن النجاح الذى حققه برنامج «دولة التلاوة» والإقبال الكبير عليه من مختلف الأعمار، يمثل دافعا قويا للاستمرار فى هذا المسار، والبحث عن الموهوبين فى شتى المجالات، سواء فى الفنون بمختلف أشكالها مثل الفن التشكيلى والموسيقى والغناء والتمثيل، أو فى مجالات الأدب كالشعر والقصة، إلى جانب المواهب الرياضية، باعتبار أن كل هذه المجالات تندرج تحت مظلة الإبداع، وهو ما يستلزم البحث عن هذه الطاقات فى كل مكان.

وأضافت أن اكتشاف المواهب فى مصر كان يتم سابقاً من خلال مسارين، الأول، يعتمد على الجهود الفردية، حيث كان بعض الأشخاص يكتشفون الموهوبين ويعملون على دعمهم وتسليط الضوء عليهم، وهو ما حدث مع العديد من النماذج البارزة مثل عبد الحليم حافظ، الذى كان نموذجا لشاب موهوب احتاج إلى منْ يكتشفه ويقدمه، وكذلك أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهم من رموز الإبداع عبر التاريخ، أما المسار الثاني، فكان من خلال قصور الثقافة، التى لعبت دورا مهما فى اكتشاف المواهب، حيث أتاحت أنشطتها الفرصة لظهور العديد من الفنانين فى المسرح والسينما والغناء والفنون التشكيلية، وكانت نقطة البداية لكثير من الأسماء التى أصبحت لاحقاً من رموز الفن.

وأشارت «عبد المجيد»، إلى أن الطرح الحالى يختلف؛ إذ يعتمد على برنامج إعلامى يبث عبر التلفزيون والمنصات الرقمية، على غرار «دولة التلاوة»، الذى عرض عبر عدة قنوات ومنصة «WATCH IT»، وهو ما يتيح للمجتمع المشاركة فى تقييم المواهب والإبداعات وتشجيعها، لافتة إلى أن «هذا النموذج يتم بشكل منظم، مع توفير الإمكانيات اللازمة لضمان نجاحه، إلى جانب وجود معايير واضحة للاختيار، ولجان تحكيم من المتخصصين القادرين على تقييم المواهب وتسليط الضوء عليها».

كذلك، شددت عميد كلية الإعلام الأسبق، على أن المرحلة الأهم لا تتوقف عند اكتشاف المواهب، بل تمتد إلى ضرورة الاستمرار فى دعمهم ورعايتهم، موضحة أنه من الطبيعى أن يتقدم آلاف المشاركين، ليس جميعهم موهوبين، فالبعض قد يعتقد امتلاكه موهبة دون أن يكون مؤهلاً، لكن الأهم هو القدرة على فرز واكتشاف العناصر الحقيقية، ثم الاستمرار فى دعمها وإتاحة الفرص لهم.

وأكدت «د. ليلى» أن «التأثير المصرى فى محيطه الإقليمى والدولى كان قائماً بالأساس على القوة الثقافية والفنية والإبداعية، حيث لعبت السينما والدراما والفنون المصرية دورا كبيرا فى تشكيل الوعي، كما كانت «مصر» حاضنة للمواهب «العربية» التى جاءت إليها واكتسبت شهرتها من خلالها، مشددة على ضرورة استعادة هذا الدور، خاصة أن «مصر»، رغم محدودية مواردها الطبيعية، تمتلك ثروة حقيقية تتمثل فى العنصر البشرى الموهوب».

وأضافت أن البيئة المصرية بطبيعتها «ولادة»، وقادرة على إنتاج أعداد كبيرة من المبدعين، لكن ذلك يتطلب الاهتمام بهم وتوفير الفرص المناسبة، سواء من خلال استكمال دراستهم، أو إتاحة مشاركتهم فى المهرجانات والحفلات، أو تسليط الضوء الإعلامى عليهم، مؤكدة أنه إذا تحقق ذلك بشكل متكامل، يمكن لمصر أن تستعيد دورها الكامل كمؤثر ثقافى وفنى وأدبى ورياضي.

وأوضحت «عبد المجيد»، أن برنامج «دولة الفنون والإبداع»، يمكن أن يمثل نقلة نوعية حقيقية، من خلال تقديم منصة واسعة تشمل مختلف مجالات الفن، مثل التمثيل والإخراج والموسيقى والغناء والتصوير، إلى جانب مجالات الكتابة الأدبية والسيناريو، بما يعكس تنوع وثراء الإبداع المصري، لافتة إلى أن التعليم يتحمل مسئولية كبيرة فى هذا الملف، لا سيما وأن المدارس الحكومية فى فترات سابقة، خاصة فى الستينيات، كانت تولى اهتماما كبيرا بالأنشطة الفنية، مثل الغناء والرقص الإيقاعى والاستعراضات، إلى جانب المسرح المدرسى الذى كان يمثل ركيزة أساسية لاكتشاف المواهب، واستشهدت بنماذج مثل عادل إمام وصلاح السعدنى وسعيد صالح، الذين بدأوا من المسرح المدرسي، قبل أن ينطلقوا إلى مسارح الدولة ثم إلى السينما.

وأضافت «عبد المجيد»، أن هذه المنظومة كانت مدعومة بمسابقات على مستوى المدارس والجامعات والمحافظات، وصولاً إلى المستوى القومي، حيث كان يتم تبنى الموهوبين ومنحهم فرصا حقيقية، سواء فى التمثيل أو الغناء أو غيرها من المجالات، مشيرة إلى أن الجامعات أيضاً سابقاً لعبت دورا مهما فى اكتشاف المواهب، مستشهدة بخريجى كلية الإعلام الذين برزوا فى المجال الفني، مثل منى زكى ومصطفى شعبان وإيمان الطوخى وغيرهم، إلى جانب كليات أخرى مثل الزراعة، التى خرجت عددا من الموهوبين.

وفى المقابل، أعربت «د. ليلى» عن أسفها لتراجع الاهتمام بالأنشطة الثقافية والفنية فى المدارس والجامعات حالياً، مؤكدة أن هذا الاهتمام أصبح شبه منعدم، وحتى فى حال تخصيص حصص لهذه الأنشطة، يتم إلغاؤها لصالح الدروس، ما أدى إلى غياب المسارح المدرسية وتراجع دورها، وهو ما ينطبق ايضاً على العديد من المدارس الخاصة والدولية، التى لم تعد توفر مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب.

وشددت عميد كلية الإعلام الأسبق، على أن اكتشاف الموهبة يبدأ منذ المراحل التعليمية الأولى، حيث تظهر ميول الطلاب مبكراً، ويجب دعمها وتنميتها حتى المرحلة الجامعية، لكن الإهمال الذى حدث أدى إلى تراجع هذا الدور بشكل كبير، مؤكدة أن المشكلة لا تقتصر على الأنشطة فقط، بل تمتد إلى منظومة التعليم ككل، التى لم تعد تولى نفس الاهتمام ببناء شخصية الطالب كما كان فى السابق.

وأشارت «د. ليلى» إلى أن هذا التراجع ينعكس على مستوى المتقدمين فى المسابقات والاختبارات، حيث أصبح من الصعب العثور على مواهب حقيقية، لافتة إلى أن آلاف المتقدمين قد لا يخرج منهم سوى عدد محدود جداً يمتلك الموهبة الحقيقية، وهو ما يعكس تراجع مستوى الإعداد.

من جانبه أشاد الناقد الفنى طارق الشناوي، بالتوجه الذى طرحه الرئيس عبدالفتاح السيسي، بشأن إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع»، معتبراً أنه امتداد منطقى لنجاح تجربة «دولة التلاوة»، وخطوة تعكس إدراكا متزايدا بأهمية الاستثمار فى القوة الناعمة المصرية.

وأكد «الشناوي» أن التعامل مع ملف المواهب لا يجب أن يكون بشكل جزئى أو موسمي، بل يتطلب رؤية شاملة ومتكاملة تبدأ من الاكتشاف ولا تنتهى عنده، مشيراً إلى أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى العثور على موهبة متميزة فى الغناء أو التمثيل أو الإخراج أو الفنون التشكيلية، وإنما فى القدرة على تبنى هذه الموهبة ومرافقتها فى مسار طويل من التطوير والتأهيل.

وأوضح الناقد الفني، أن مصر تمتلك بالفعل رصيدا ضخما من الطاقات الإبداعية، لكن المشكلة تكمن فى غياب آليات منظمة تضمن الوصول إلى هذه المواهب فى مختلف المحافظات، مؤكداً أن الدولة بحاجة إلى «شبكة عيون» تمتد من القاهرة والإسكندرية إلى أسوان والصعيد وسيناء، لرصد كل صوت مميز وكل موهبة حقيقية قد تضيع فى غياب الدعم.

وأضاف «الشناوي»، أن أحد أبرز أوجه القصور فى التعامل مع المواهب هو الاكتفاء بلحظة الاكتشاف، دون استكمال الرحلة، قائلاً إن «كثيراً من المواهب تظهر بقوة فى البداية، لكنها سرعان ما تتراجع أو تختفي، لأنها لم تجد منْ يتبناها أو يفتح لها الطريق، وهو ما يحرم الساحة الفنية من طاقات كان يمكن أن تصنع فارقا حقيقيا».

وأشار إلى أن التبنى الجاد للمواهب يجب أن يقوم على عدة ركائز، فى مقدمتها التدريب المستمر على أيدى متخصصين، وتوفير بيئة احترافية تتيح الاحتكاك الحقيقي، إلى جانب فتح قنوات عرض متعددة، سواء داخل مصر أو خارجها، حتى لا تظل هذه المواهب حبيسة نطاق ضيق لا يسمح لها بالتطور أو الانتشار.

ولفت «الشناوي»، إلى أن «التطور الكبير فى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية يمثل فرصة ذهبية لم تكن متاحة فى السابق، حيث يمكن من خلالها تقديم المواهب المصرية إلى جمهور أوسع فى العالم العربى والدولي»، مؤكداً أن الرهان لم يعد على الجمهور المحلى فقط، بل على القدرة على المنافسة عالمياً.

وشدد الناقد الفني، على أن وجود خطة طموحة ومتكاملة لاكتشاف ودعم المواهب من شأنه أن يكشف عن كنوز فنية، حقيقية داخل المجتمع المصري، مشيراً إلى أن هذه المواهب، إذا ما أُحسن إعدادها وتقديمها، ستكون قادرة على فرض حضورها فى الساحة الدولية.

واختتم «الشناوي» حديثه بأن هذا التوجه لا يقتصر تأثيره على دعم الفن والثقافة فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين الصورة الذهنية لمصر خارجياً، واستعادة دورها التاريخى كقوة ثقافية مؤثرة، مؤكداً أن الفن كان وسيظل إحدى أهم أدوات التعبير عن هوية الدولة وحضورها الحضاري.

بدوره، أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بإطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع»، تمثل تحولا نوعيا فى مسار الاهتمام ببناء الإنسان المصري، وتعكس إدراكا عميقا بأن معركة الدولة الحديثة لم تعد تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو الأمنية التقليدية، بل امتدت بشكل مباشر إلى تشكيل الوعى وتعزيز منظومة القيم والهوية الوطنية، باعتبار أن الثقافة أصبحت إحدى أهم أدوات التأثير فى المجتمعات.

وأوضح «فرحات»، أن «هذا التوجه يضع على عاتق الأحزاب السياسية مسئولية مضاعفة تتجاوز الأدوار التقليدية؛ لتشمل الانخراط الحقيقى فى دعم الحركة الثقافية واكتشاف ورعاية المواهب، خاصة فى المحافظات والأقاليم التى تعانى من نقص الفرص والإمكانات»، مشيراً إلى أن الأحزاب تمتلك قدرة أكبر على التحرك الميدانى بمرونة، من خلال تنظيم مسابقات ثقافية وفنية، وإطلاق مبادرات تستهدف الشباب فى مختلف مجالات الإبداع، إلى جانب إنشاء لجان متخصصة لرصد واكتشاف المواهب وتقديم الدعم اللازم لها.

وأضاف نائب رئيس حزب المؤتمر، أن «الاستثمار فى الثقافة يمثل ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومى الشامل، فى ظل التحديات الفكرية والأيديولوجية التى تواجه الدولة، حيث تلعب الفنون دورا محوريا فى مواجهة التطرف وتعزيز قيم التسامح والانتماء، بما ينعكس بشكل مباشر على استقرار المجتمع وقدرته على الصمود أمام محاولات التأثير السلبى أو التشكيك فى الثوابت الوطنية، مشدداً على أن بناء وعى حقيقى لدى الشباب يمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة التهديدات غير التقليدية».

كذلك، أشار «فرحات»، إلى أن دعم الشباب الموهوب يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بالاكتشاف المبكر، مروراً بالتدريب والتأهيل، وصولاً إلى التمكين وخلق فرص حقيقية لعرض إنتاجهم الفنى والإبداعي، مؤكداً أهمية توفير منصات عرض داخل المحافظات وعدم قصر الفرص على العاصمة، بما يحقق العدالة الثقافية ويمنح جميع الشباب فرصا متكافئة لإبراز قدراتهم.

وأكد نائب رئيس حزب المؤتمر، أهمية تعزيز التعاون بين الأحزاب ووزارة الثقافة من خلال وضع أطر مؤسسية واضحة، تشمل توقيع بروتوكولات تعاون لتنظيم فعاليات مشتركة، وتبادل قواعد البيانات الخاصة بالمواهب، إلى جانب دعم المبادرات التى تستهدف اكتشاف المبدعين فى مختلف المجالات، بما يضمن تكامل الجهود وعدم تكرارها، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة.

ولفت «فرحات»، إلى أن الوصول إلى المواهب فى المناطق المهمشة يتطلب تغييرا فى فلسفة العمل الثقافي، بحيث يتم الانتقال من مرحلة الانتظار إلى المبادرة، عبر تنظيم قوافل ثقافية وفنية تجوب القرى والنجوع، وتقديم ورش عمل مباشرة للشباب، بما يسهم فى اكتشاف طاقات كبيرة ظلت لفترات طويلة بعيدة عن دائرة الضوء، مشيراً كذلك إلى أهمية توظيف التكنولوجيا والمنصات الرقمية فى هذا الإطار، باعتبارها وسيلة فعالة لتجاوز الحواجز الجغرافية والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الشباب.

كما شدد على أن الدولة المصرية تمتلك إرثا حضاريا وثقافيا فريدا، وأن الاستثمار فى الفنون والإبداع يعد أحد أهم مفاتيح تعزيز القوة الناعمة، وترسيخ مكانة مصر على المستويين الإقليمى والدولي، موكداً أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف جميع مؤسسات الدولة والأحزاب والمجتمع لدعم هذا التوجه، وتحويله إلى واقع ملموس ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.

أخبار الساعة