الواقع أن الرئيس السيسى منذ أن تولى المسئولية سنة 2014 وهو يحمل اهتمامًا وتقديرًا خاصًا للقوى الناعمة المصرية، وقد يتصور البعض أن القوى الناعمة تتمثل فقط فى بعض أسماء كبار المبدعين والمجالات التى ينتمون إليها، فنون الكتابة مثل طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ، والفن مثل أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفاتن حمامة ونجيب الريحانى ويوسف وهبى.
غير أن القوة الناعمة أوسع من ذلك بكثير تشمل – مثلاً– المدرسة المصرية فى فن التلاوة والتجويد، لذا قيل إن القرآن الكريم نزل فى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقُرئ فى مصر وبين المصريين، من هنا كان اهتمام الرئيس بدولة التلاوة وما يرتبط بها، أى إذاعة القرآن الكريم وتأسيس قناة تليفزيونية تقدم للجمهور على مدار اليوم القرآن الكريم بأصوات كبار القراء مثل الشيخ مصطفى إسماعيل ومحمود خليل الحصرى وعبدالباسط عبدالصمد ومحمد صديق المنشاوى، وغيرهم إلى يومنا هذا.
فى مؤتمر الشباب الأول سنة 2016، تساءل الرئيس السيسى فى إحدى الجلسات، هل معقول أن مصر لم تقدم موهبة فى وزن أم كلثوم رغم مرور نصف قرن على وفاة كوكب الشرق؟!.. كان السؤال لافتًا، وكشف انشغال الرئيس ومتابعته لما يجب أن يكون عليه حال ومستوى الفن والإبداع فى مصر.
الأمر المؤكد أن هناك مواهب كثيرة وعديدة تحتاج إلى مَن يكتشفها ثم يقدمها ويمنحها الفرص، طبعًا هناك جانب آخر وهو أن يدرك ويعى صاحب الموهبة أو صاحبتها قيمة ما لديه، فيحافظ على نفسه ويعمل على صيانة الموهبة أولًا وعدم إهدارها، ثم العمل على تطويرها، وهذا ما قام به الكبار مثل أم كلثوم وعبدالوهاب ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهم.
فى مجال الكشف عن المواهب أو اكتشافها، لدينا العديد من الجهات التى تقوم بذلك أو يجب أن تقوم به، أولاً.. قصور الثقافة بالأقاليم فى مجالات الشعر والأدب والفنون بمختلف فروعها السمعية والبصرية والحركية.. هناك كذلك مراكز الشباب وفى جانب من عملها رعاية الشباب ثقافيًا وأدبيًا، خاصة أن وزارة الشباب لديها مسابقة سنوية فى مجالى المسرح والموسيقى.. ولا يجب أن ننسى دور وزارة التربية والتعليم ثم وزارة التعليم العالى من خلال مختلف الأنشطة الفنية والأدبية.
بخلاف قصور الثقافة، فإن كل هيئات وزارة الثقافة منوطة فى مجالاتها المختلفة باكتشاف المواهب الجديدة، الهيئة العامة للكتاب، ودار الكتب خاصة فى فترة معرض الكتاب، ثم قطاع الفنون التشكيلية فى مجاله، المجلس الأعلى للثقافة بلجانه ومؤتمراته والمسابقات السنوية، دار الأوبرا المصرية فى مجالى الموسيقى والغناء، سواء الموسيقى الشرقية ولها معهد خاص أو الموسيقى الغربية، هذا فضلاً عن أكاديمية الفنون بمعاهدها العديدة والمتميزة فى المنطقة العربية.
ورغم هذا الجهد والدور غير المنكور الذى تقوم به مختلف القطاعات والجهات فى الدولة، لكن الرئيس يريد إعطاء دفعة قوية وحافز للعمل على تقديم أسماء جديدة، والأهم من ذلك أن تبرز أسماء لامعة تواصل طريق الرواد وتحافظ على هذا المستوى من الإبداع، فلا تكون أم كلثوم مجرد حالة استثنائية فى تاريخنا الفنى، ولا يكون نجيب محفوظ مجرد فلتة مرت بنا، وهكذا الحال بالنسبة لسائر الأسماء العظيمة والكبيرة.
الحياة الإبداعية والفنية فى العقود الأخيرة شهدت ظهور مواهب واعدة، ثم بعد فترة وجيزة تتبخر بعض تلك المواهب، بمعنى أن يتوقف أصحابها أو ينسحبوا نهائيًا من المجال أو يتجهوا إلى مسارات أخرى، والأسباب عديدة، بعضها قد يكون شخصيا، وبعضها قد يكون نتيجة أسباب ومعوقات عامة تدفعهم إلى الانسحاب والانزواء أو تجنب الصعاب والاتجاه إلى مجال سهل وآمن، وهنا يأتى دور الجهات الرسمية والشخصيات العامة فى تقديم الدعم وفى الحماية بالتوجيه الصائب ومحاولة تجنب المزالق.
ودعونا نتخيل ماذا لو أن الفنان محمد عبدالوهاب لم يلتقّ،ِ وهو صبى صغير، بأمير الشعراء أحمد شوقى، وانتبه شوقى مبكرًا إلى موهبته، فرعاه بالمعنى الحرفى رعاية كاملة، ومنعه فى فترة البلوغ من الغناء حتى لا تتأثر أحباله الصوتية.. ترى هل كان ممكنًا أن يصبح عبدالوهاب بما هو عليه دون أحمد شوقى ودوره؟
هو تساؤل افتراضى، لكن كان من الوارد أن لا ينتبه عبدالوهاب إلى موهبته ويظل طوال عمره يغنى فى الأفراح ولا يصبح مطربًا محترفًا؟.. ربما.
وهل لنا أن نتساءل: ماذا لو لم يكن هناك الشيخ مصطفى عبدالرازق وأستاذ الجيل أحمد لطفى السيد وغيرهما فى طريق أم كلثوم، حين اعترضتها بعض المزالق والمكائد القاتلة التى كادت تعيدها إلى القرية ثانية وتتوقف عن الغناء، فى بعض اللحظات فكرت أم كلثوم جديًا فى التوقف والابتعاد التام، لكن الدعم القوى من هؤلاء الكبار جعلها تغير رأيها وتعيد النظر فى خطوة التوقف، ثم تصر على التحدى ومواصلة الطريق.
حالة عبدالوهاب وأم كلثوم تنطبق على آخرين، ولماذا نذهب بعيدًا؟.. نجيب محفوظ توقف نهائيًا عن الكتابة بعد أن أنجز الثلاثية، كان ذلك فى أبريل سنة 1952، حتى إنه قرر أن يغير مساره تمامًا، وظل هكذا حتى سنة 1957 بتعبيره هو أنه شعر بدبيب الحركة والرغبة فى الكتابة لديه، وقدم روايته المهمة «أولاد حارتنا» التى نُشرت سنة 1959، ثم تواصلت أعماله وإبداعاته.
الفنان أو المبدع كائن حساس ورقيق للغاية، لن أقول هشّ كما يرى البعض، وهذه الحساسية يمكن أن تؤثر عليه بالسلب فيتخوف وسيتوقف أو ينسحب ويختفى، إذا لم يجد مناخًا مساعدًا ودوافع إلى الأمام.
فنان الشعب سيد درويش ترك الفن فترة من حياته، حين وجد أن التقدير لفنه ضعيف والتشجيع محدود، واتجه إلى العمل الحرفى، ثم عاد مرة ثانية، وتألق بشدة مع أحداث ثورة 1919 التى كشفت عن موهبته العميقة وشعوره الوطنى والشعبى الجارف.
وهناك مَن يتوقف ولا يستطيع العودة، النموذج الأبرز هو الروائى عادل كامل بدأ المشوار مع نجيب محفوظ، لمع سريعًا وتألق، غير أنه وجد أن موهبة الكتابة الروائية، لا تقدم له العائد المادى للحياة المريحة، ولا كانت ذات عائد معنوى كبير فى سنوات الأربعينيات، وهكذا توقف واتجه إلى المحاماة، وبعد أن فاز محفوظ بجائزة نوبل سنة 1988 حاول العودة ثانية، لكن كانت مياه كثيرة قد جرت فى النهر.
برنامج دولة الفنون والإبداع الذى طالب الرئيس به، يجب أن يقوم بسدّ تلك الفراغات بأن يتيح الفرص لاكتشاف أكبر عدد من المواهب فى مختلف المجالات ومن أنحاء مصر كافة، على أن يتم ذلك بتجرد تام وشفافية كاملة.
التجرد التام يعنى التحرر من بعض الانحيازات المسبقة، أحيانًا تُمنح الفرص لأبناء أو أقارب أو زملاء القائمين على الفرز والاكتشاف، وقد يحدث ذلك على حساب موهوبين آخرين، وربما تدخل الانحيازات الفنية أو الفكرية ذاتها مثل أن يفضل القائم على الاختيار مدرسة أو لونًا بعينه، على حساب مدارس أخرى، وهذا يعنى تراجع مبدأ العدالة والإنصاف، وسنكون بإزاء سيادة لون أو أيديولوجية معينة، وهذا ما يحدث فى حالات كثيرة ويؤدى إلى أن نخسر مواهب كان يمكن أن تقدم عطاء خاصًا أو مواهب لم يتمكن أصحابها من الحصول على فرص يستحقونها، فظلوا فى مكانة أقل من الموهبة التى تمتعوا بها، وهنا الأسماء كثيرة فى مختلف المجالات.
سيادة لون أو اتجاه فنى أو أدبى واحد يؤدى فى النهاية إلى تراجع وربما اختفاء التعدد والتنوع فى الحياة الفنية والساحة الإبداعية، التعدد مصدر غنى وثراء ودليل حيوية وازدهار، بينما سيادة الاتجاه الواحد تكشف ضيق الأفق، ومن ثم التجمد والتراجع، أو الفقر الفنى والإبداع، التجمد هو بداية الموت ومؤشر عليه، وليس دليل حياة ولا علاقة قوة أو تماسك كما يظن البعض.
يسود اللون الواحد أحيانا دون قرار رسمى من الجهات الرسمية، بل يحدث حين تسيطر الشللية وجماعات المصالح على الحياة الفنية، فى النهاية سواء تم ذلك بفعل رسمى، كما حدث فى الولايات المتحدة إبان المرحلة التى باتت تُعرف فى التاريخ الأمريكى باسم «المرحلة الماركسية» أو سيطرة اتجاه وجماعة بعينها، فإنه مؤشر خطر، وعلى الدولة أن تنتبه لذلك، وأن تفتح الجهات الرسمية المجال أمام مختلف الفنون فكريا وفنيًا، ليجد كلٌّ فرصته، وفى النهاية الازدهار والتنوع لصالح الوطن والمجتمع، كما أنه ينعكس على المواطن أو المتلقى للعمل والنتاج الفنى والإبداعى.
ولا يكفى اكتشاف الموهبة أو أن نعلن أن فلانًا موهوب فى مجال فنى وإبداعى بعينه، ذلك أن الموهبة تحتاج إلى رعاية كاملة وإلى أن تمد الجهات الرسمية يدها بالمساندة ومحاولة توفير الفرص، مثلًا كان الرئيس السادات هو مَن وجه بلقاء وتعاون الملحن المبدع بليغ حمدى مع صوت السماء الشيخ سيد النقشبندى فقدم الأخير أجمل الابتهالات إلى يومنا هذا، وكان الملك فاروق هو الذى منح سنة 1944 أم كلثوم وسام الكمال، فوضعها الوسام فى مكانة عالية، اجتماعيًا وإنسانيًا، وحرص الرئيس السيسى على تكريم كبار الفنانين فى عديد من المناسبات، فاتن حمامة وسميحة أيوب وغيرهما.
الآن مع اتساع وسائل التواصل وكثرة القنوات وكل وسائل نقل الصوت والصورة والكلمة، يختلط الحابل بالنابل، الموهوب وغير الموهوب أو حتى محدود الموهبة، وقد يطفو محدود الموهبة بالإلحاح الشديد ويؤدى ذلك إلى الهبوط والتدنى بمستوى الذوق العام، ولعل بعض الذين خرجوا علينا فى السنوات الأخيرة عبر بعض قنوات اليوتيوب والتيك توك دون موهبة ودون مراعاة للذوق والتقاليد العامة؛ قد يكون أثر هؤلاء هو الدافع إلى ما ينادى به الرئيس من وجود برنامج دولة الفنون والإبداع.
اكتشاف المواهب وتقديمها سوف يرتقى بالذوق العام وسيحول دون تملك الذين يقدمون فنا هابطا وبلا موهبة حقيقية، وهذا دور نحتاجه بشدة اليوم. لقد حاولت نقابة الموسيقيين أن تتصدى لهؤلاء، ويبدو أنها لم تتمكن، والعلاج هو أن يكون لدينا البديل الراقى الذى يليق بسمعة ومكانة الإبداع والفن المصرى.. نعم هناك فن كلاسيكى ولدينا الفن الشعبى، لكن الشعبى لا يعنى بالمرة الابتذال ولا الإسفاف ولا تخطى المعايير والتقاليد الفنية، ناهيك عن التقاليد العامة للمجتمع المصرى. كان الفنان محمد طه يقدم فنًا شعبيًا لكنه غاية فى الرقى والالتزام بقواعد وآداب الجمال الفنى، وكان الفنان محمد عبدالمطلب يقدم الموال على نحو راقٍ فى الكلمات والألحان والأداء.
الارتقاء بالذوق العام والبعد عن الابتذال والترخص، هو عمليا شكل من أشكال الحفاظ على الهوية الوطنية.. لا ينكر أحد الدور الذى لعبته ألحان وأغنيات سيد درويش فى لحظة ثورة سنة 1919 ونفى الزعيم سعد زغلول ورفاقه من القادة الوطنيين.
ولا ينكر أحد الدور الوطنى المهم والبارز الذى لبته كوكب الشرق أم كلثوم بعد هزيمة سنة 1967 وكذلك الفنان عبدالحليم حافظ وغيرهما من كبار الفنانين، كانت رحلة دعم المجهود الحربى أكبر من كونها عملية حشد للرأى العام أو جمع الأموال، لكنها أكدت التمسك بالهوية الوطنية والحفاظ على سيادة الوطن وضرورة الصمود فى مواجهة العدوان الأجنبى علينا.
هل ينكر أحد دور أغنية «تسلم الأيادى» بعد قرارات يوم 3 يوليو 2013، وأثناء حرب مصر على الإرهاب والإرهابيين، حتى صارت الأغنية عنوانا لمرحلة بأكملها من مسيرة الوطن والمواطنين؟
الحفاظ على الهوية الوطنية فى قلب مشروع «دولة الفنون والإبداع».
حملت أم كلثوم الفن المصرى إلى باريس، وذهب عبدالحليم حافظ إلى لندن، ونال محمد عبدالوهاب الأسطوانة البلاتينية، والمفترض فى الأجيال الجديدة أن تحافظ أولا على هذا المستوى وتلك المكانة وأن لا تقف عندها، المفترض أن نتقدم خطوات أبعد وأن نضيف الجديد لأنهم هم بمقاييس عصرهم قدموا إضافات، أما مقولة إنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان، وأن السابق أفضل بالضرورة من اللاحق، هذا كله لا يسمح بتقديم فن جميل ومبدع. فى أفضل الأحوال يمكننا أن نقلد السابقين أو نحاول تكرارهم فى أفضل الأحوال، ونحن نريد أن يكون لدينا دائمًا الجديد، وأن تكون لنا بصماتنا وإضافتنا.
«دولة الفنون والإبداع» يجب أن تكون إنقاذًا لحياتنا الفنية والإبداعية بأن تبرز وتكتشف أسماء ورموز جديدة كما حدث فى برنامج «دولة التلاوة».