إذا نظرنا إلى العدوان الصهيو أمريكى ضد إيران.. والذى بدأ مع نهاية شهر فبراير الماضى.. نجد أن أسباب تلك الحرب غير واضحة.. وربما غير موجودة وإن وُجدت فهى شديدة التضارب والاختلاط، فالهدف المعلن والأكبر يتلخص فى منع إيران من امتلاك السلاح النووى، وهذا السبب تحديدًا يؤكد أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قد دخل هذه الحرب بعقلية خناقة الشوارع.. أو بمنطق البلطجى.. حيث وقّعت إيران فى عام 2015 مع الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما.. ومعه الدول الخمس الكبرى فى أوروبا.. على اتفاق يؤكد استخدامها السلمى لليورانيوم المخصب.. وعدم إنتاجها أى أسلحة نووية.. وجاء ترامب ليقوم بإلغاء هذه الاتفاقية.. وليعمل على شيطنة إيران.. ليدخل معها فى خناقة شوارع بلا أسباب أو أهداف.. وقد أكد الرئيس الألمانى فرانك فالتر شتاينماير.. وكان وزيرًا لخارجية بلاده عام 2015 وشارك فى إبرام هذه الاتفاقية الأمريكية الأوروبية مع إيران، فى تصريحات علنية رفضه القاطع للعدوان على إيران، كما أكد أن ذلك العدوان مخالف لكل بنود القانون الدولى، والأهم تأكيده أن اتفاقية عام 2015 كانت حاسمة فى منع إيران من امتلاك السلاح النووى.
ولم يتوقف الأمر عند تصريحات الرئيس الألمانى، ولكن الصفعة الكبرى لهذا العدوان جاءت من داخل أمريكا من خلال استقالة جوكينت مدير المركز الوطنى لمكافحة الإرهاب فى أمريكا، وجاء نص الاستقالة ليؤكد أن إيران لا تمثل أى خطر عاجل أو مستقبلى على أمريكا، ومثل هذا الكلام الخطير يؤكد عبثية الخطوة المتهورة التى تورط فيها الرئيس الأمريكى.
ورغم كل هذا، يمكن أن نرجع هذا القرار الأمريكى المتهور إلى سببين يحملان الكثير من المنطقية يتلخصان فى الصين والكيان المحتل، حيث تؤكد كل المؤشرات أن الصين ستحتل قمة الاقتصاد العالمى فى عام 2030، أى أنها ستزيح أمريكا عن هذه القمة، مما يستلزم قيام الولايات المتحدة بكل أعمال التعطيل والتحرش لمنع حدوث هذه الكارثة من وجهة نظرهم، وتكمن نقطة ضعف الصين فى عدم امتلاكها البترول والغاز الذى يغطى احتياجاتها العملاقة فى الصناعة وغيرها من روافد الاقتصاد، ولذلك قام دونالد ترامب بالسطو على بترول فنزويلا من خلال القيام بعملية قرصنة لخطف الرئيس الفنزويلى مادورو، والذى يبدو أن أعضاء حكومته متورطون فى تلك العملية التى تستهدف بالأساس غلق أحد منافذ مدّ الصين بالبترول، وإيران هى الأخرى تمثل أحد أهم المنافذ التى تمد الصين بالبترول والغاز، ولذلك قام ترامب بهذا العدوان، وأدلى بعشرات التصريحات عن ضرورة السيطرة على جزيرة «خارك»، التى تمثل معقل صناعة البترول والغاز فى إيران، وإذا كانت إيران قد استطاعت تعطيل عمل حاملتى الطائرات العملاقتين إبراهام لينولكن وجيرالد فورد.. وجعلتهما تعودان من حيث أتيتا؛ فقد لجأ ترامب إلى القاعدة العسكرية البرمائية «بوكسر»، ولوح كثيرًا بأنها فى طريقها لكى تقوم بعملية الإنزال البرى واحتلال هذه الجزيرة المهمة لمنع تصدير البترول والغاز إلى الصين، وقد تحولت الصين إلى دولة عظمى، شاء مَنْ شاء وأبى مَنْ أبى، ويمكن لأى متابع للسياسة الصينية أن يلاحظ أن تلك السياسة تقبل بعمليات «الإزاحة» المرة بعد المرة، ولكن هذه الإزاحة عندما توشك على أن تكون عملية «سقوط»، فإن الصين ساعتها ستتحول إلى عملاق متوحش يخوض معركته الوجودية، رافعًا شعارًا «إما قاتلا أو قاتلا وليس مقتولًا»، حيث أصبحت الصين تمتلك ترسانة عسكرية عملاقة، والأهم أنها تمتلك الملايين من الجنود المدربين والمستعدين لخوض المعركة الفاصلة مع أمريكا، وقد يعجل التهور الذى يتسم به الرئيس ترامب بحدوث هذا الصدام المميت بين الصين وأمريكا.
أما الكيان المحتل، فهو المستفيد الأول والأخير من العدوان على إيران، فهذا الكيان الذى أعلن مرارًا وتكرارًا عن أوهامه فيما يسمى «إسرائيل الكبرى» يعمل على إنهاء كل القوى التى يمكن أن تتصدى إلى مخططاته، وقد نجح حتى الآن بمعاونة أمريكا فى إزاحة قوتين عربيتين كبيرتين هما العراق وسوريا، وتمثل إيران إحدى العقبات الصعبة أمام تحقيق أوهام ومخططات الكيان المحتل، بما تمتلكه من تفوق فى الصناعات الصاروخية ومن امتلاكها أيضًا لتقنيات تخصيب اليورانيوم الذى يجعل امتلاكها للسلاح النووى أمرًا ميسورًا ومتاحًا.
كما تمتلك إيران العديد من الأذرع الفاعلة التى تسبب الكثير من القلاقل للكيان المحتل، مثل حزب الله فى لبنان والحشد الشعبى فى العراق والحوثيين فى اليمن وحماس فى فلسطين، ورغم أن إيران قد أوجعت الكيان المحتل خلال عدوان يونيو عام 2025 والذى استمر لمدة اثنى عشر يومًا، فإن هذا الكيان واصل التحريض حتى نجح فى توريط الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى عدوان أكبر وأخطر، وللمرة الثانية خلال تسعة أشهر يتعرض الكيان المحتل لضربات موجعة ومؤلمة وكثيرة، جعلته يفرض حصارًا إعلاميًا قاتلاً على كل وسائل الإعلام، بل على أجهزة المحمول فى أيدى مواطنيه، حتى لا يخرج حجم الدمار والخسائر الذى تُحدثه على مدار الساعة صواريخ إيران وحزب الله فى كافة أنحاء الأراضى المحتلة، كما تعرضت القواعد والسفارات والمصالح الأمريكية فى دول الخليج والأردن إلى ضربات مهينة، جعلت هذه القواعد تفشل فى حماية نفسها، وهى التى من المفترض أن تحمى الدول التى وافقت على إقامتها على أراضيها.. فإذا بهذه القواعد ليست إلا قواعد للتجسس وحماية الكيان المحتل، مما يفرض على كل الدول التى تستضيف مثل هذه القواعد مراجعة نفسها، ومعرفة أن أبجديات الأمن القومى تؤكد أن حماية هذا الأمن القومى لا يمكن أن تحدث من خلال استئجار بلطجى بالأجر، لأن هذا البلطجى لن يتوقف عن ابتزاز مَنْ وافقوا على استضافته بحجة أنه يحميهم، وعند الجد يختفى هذا البلطجى.
ورغم أن صور الأقمار الصناعية الروسية والصينية قد أذاعت على كل العالم حجم الخسائر والدمار فى الكيان المحتل وفى القواعد الأمريكية، فإن الرئيس ترامب لا يتوقف أبدًا عن ادعاء تحقيقه انتصارًا حاسمًا على إيران، وعلى ذات الدرب يسير رئيس وزراء الكيان المحتل نتنياهو، حيث يؤكد على هذا الانتصار المزعوم، وحتمًا سيكتشف العالم -كل العالم- عندما ينقشع غبار هذا العدوان أن إيران قدمت تضحيات كبيرة، وفى المقابل تعرض الأمريكان والصهاينة إلى ضربات وإهانات قاتلة، وأن كلامهم عن الانتصار المزعوم لا ينفى أبدًا الخسارة المؤكدة، وباختصار شديد فإن الرؤية الاستراتيجية تؤكد أن إيران قد انتصرت، بينما تؤكد الرؤية العملية أن كل الأطراف قد خسرت جراء هذا العدوان الغاشم الذى يفتقد الأسباب والأهداف.