رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«التقشف».. المخطط «الآمن» لمواجهة أزمة الطاقة


3-4-2026 | 14:43

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم

لم تتوقف الآثار السلبية للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى عند حد الزيادة اليومية فى أعداد القتلى والمصابين أو الخسائر المادية، بل امتدت نيران الصراع إلى «ثوب الطاقة» وسريعًا اشتعلت فى أطرافه معلنة عن وجه أكثر قبحًا للحرب، والذى تمثل فى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، فارتفع سعر طن السولار منذ بدء الحرب من 650 دولارًا للطن إلى 1665 دولارًا، والاحتياج اليومى المصرى هو 24 ألف طن سولار، لهذا ارتفعت التكلفة اليومية إلى ما يقارب من 24 مليون دولار، وزيادة شهرية تُقدر بـ750 مليون دولار، وهو ما أدى إلى ارتفاع فاتورة الكهرباء من 1.2 مليار دولار فى يناير إلى 2.5 مليار دولار فى مارس.

 

و«التحدى الأكبر».. وهو الوصف الأمثل لارتفاع أسعار الطاقة والتى تعاملت معه حكومة الدكتور مصطفى مدبولى بأشكال عدة، فبدأت بتحريك أسعار جزئى، وفى الوقت ذاته عملت على ترشيد استهلاك الكهرباء، عبر عدد من الإجراءات التقشفية مثل غلق المحال والمطاعم والكافيهات والمولات من 9 مساءً، تقليل إنارة الشوارع مساءً، ولجأت لبدء العمل عن بعد الأسبوع الأول لشهر أبريل.

من جانبها أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، تشكيل لجنة استراتيجية معنية بتنفيذ خطة العمل والالتزام بأنماط التشغيل لخفض استهلاك الوقود، وتعظيم العائد من الطاقات المتجددة على مدار اليوم، وتنفيذ إجراءات ترشيد الإنفاق الحكومى، وخفض معدلات استخدام الوقود المخصص لها بنسبة 30 فى المائة.

«سيناريوهات مختلفة للتشغيل واستخدام الوقود المكافئ» مسار آخر اعتمدته وزارة الكهرباء من خلال وحدات توليد مؤهلة للتعامل مع مزيج الوقود لتأمين التغذية الكهربائية، وزيادة العائد على وحدة الوقود المستخدم، فنجح القطاع فى خفض معدلات الوقود المستخدم لإنتاج الكيلووات إلى أقل من 170جرامًا.

وفى هذا السياق، قال الدكتور المهندس مصطفى الشربينى استشارى الكهرباء والطاقة المتجددة، عضو لجنة البحث العلمى بمجلس الوحدة الاقتصادى بالجامعة العربية، إن أسواق الطاقة أصبحت أكثر اضطرابًا وتقلبًا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا، واستمرار تداعيات الحرب فى عدد من مناطق العالم، وأزمة الطاقة الحالية هى أزمة عالمية تضغط على سوق الطاقة العالمى، وليست أزمة محلية، بل جزء من موجة عالمية من اضطرابات سوق الطاقة نتيجة الحروب والاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط والغاز.

«د. مصطفى»، تحدث أيضا عن تأثيرات هذه الأزمة، موضحًا أنها «انعكست بشكل مباشر على تكلفة استيراد الوقود، فارتفعت فاتورة الطاقة عالميًا، الأمر الذى دفع العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات لخفض الاستهلاك، وارتفاع أسعار الطاقة العالمية أشبه بالمعادلة الصعبة، سعت فيه الحكومة إلى تحقيق توازن قدر الإمكان ما بين تأمين احتياجات الطاقة، وضبط فاتورة الاستيراد، على أن يتم استبعادالحاجة إلى اللجوء إلى سيناريوهات قاسية مثل عودة تخفيف الأحمال أو انقطاع الكهرباء».

وتابع: خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت الدولة فى تطبيق مجموعة من الإجراءات التى وصفت بالإجراءات التقشفية لترشيد استهلاك الوقود والكهرباء، بعدما ارتفعت فاتورة الكهرباء إلى 1.2 مليار دولار، ولهذا كان يلزم إجراءات لترشيد استهلاكها، فى ظل سيناريوهات استمرار الأزمة، كذلك قفزت فاتورة استيراد الغاز من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، وارتفع سعر السولار من 665 إلى 1604 دولار/طن، وتجاوز سعر النفط 108 دولارات للبرميل مع توقعات بمزيد من الارتفاع، هذه الأرقام دفعت الدولة إلى تبنى ما يشبه «اقتصاد إدارة الأزمة» بدلًا من تمرير التكلفة للمواطن مباشرة، والتقديرات تشير إلى أن محطات الكهرباء المصرية تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعى فى تشغيلها، وهو ما يجعل أى ارتفاع فى أسعار الغاز أو نقص فى الإمدادات عامل ضغط مباشر على منظومة الكهرباء.

خمسة إجراءات تقشفية اتخذتها حكومة مدبولى فى مواجهة الأزمة، حسبما أشار «الشربينى»، والتى شملت تقليل ساعات عمل بعض الأنشطة التجارية مثل المحال والمطاعم والمولات، خفض الإضاءة فى الشوارع والميادين العامة إلى الحدود الآمنة فقط، إطفاء اللوحات الإعلانية المضيئة فى أوقات متأخرة من الليل، ترشيد استهلاك الكهرباء فى المبانى الحكومية، دراسة التوسع فى العمل عن بُعد لبعض الجهات الحكومية.

وعن الإجراءات التقشفية فى خفض الاستهلاك اليومى قال «د. مصطفى»: الهدف الأساسى من هذه الإجراءات هو خفض استهلاك الكهرباء فى ساعات الذروة الليلية، وهى الفترة التى تشهد أعلى ضغط على الشبكة الكهربائية، ومن الواجب الإشارة هنا إلى أن إجراءات الترشيد يمكن أن تحقق نتائج ملموسة، خاصة إذا تم تطبيقها بصرامة والتزم بها المواطنون والقطاع التجاري، ففترة الذروة الكهربائية فى مصر غالبًا ما تكون بين التاسعة مساءً وحتى منتصف الليل، وهى الفترة التى تشهد تشغيل الإضاءة التجارية والمطاعم والمولات بكثافة، لذلك فإن تقليل النشاط فى هذه الفترة قد يؤدى إلى انخفاض ملحوظ فى الأحمال الكهربائية وبالتالى تقليل كمية الوقود المستخدمة فى تشغيل محطات الكهرباء، غير أن هذه الإجراءات ليست حلًا جذريًا طويل الأجل، بل هى أداة لإدارة الطلب على الطاقة فى أوقات الأزمات فقط، وهنا يلزم علينا وضع خطة بديلة، لآن الإجراءات التقشفية لن تصبح ذات جدوى مع استمرار الأزمة.

وشدد «الشربينى»، على أنه «فى ظل استمرار التوترات، فإن هذه الإجراءات التقشفية ستعمل على احتواء الصدمة الاقتصادية، عبر تقليل استيراد الوقود، وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وبالتالى تجنب التضخم، فبدلًا من رفع الأسعار، يتم تقليل الاستهلاك، وفى الوقت ذاته يتم الحفاظ على الإنتاج، عبر استثناء المصانع والقطاعات الحيوية من هذه القيود»، منوهًا إلى أن الأنظار فى الوقت الحالى تتجه ناحية الطاقة المتجددة باعتبارها أحد أهم الحلول الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدى، ونجحت مصر فى تحقيق تقدم ملحوظ فيه خلال السنوات الأخيرة عبر إنشاء محطات طاقة شمسية ضخمة مثل مجمع بنبان بأسوان، والتوسع فى محطات طاقة الرياح فى خليج السويس والبحر الأحمر، ولهذا تم وضع خطط لزيادة حصة الطاقة المتجددة فى مزيج الطاقة، هذه المشروعات لا توفر فقط طاقة نظيفة، بل تساهم أيضًا فى تقليل استهلاك الغاز الطبيعى المستخدم فى إنتاج الكهرباء.

كما لفت «د.مصطفى»، إلى أن «أحد المشروعات التى يعول عليها قطاع الطاقة فى مصر هو مشروع الربط الكهربائى بين مصر والسعودية، والذى من المتوقع أن يبدأ تشغيله خلال الفترة المقبلة، فالمشروع يسمح بتبادل الكهرباء بين البلدين وفق احتياجات كل شبكة، حيث تختلف أوقات الذروة بين مصر والسعودية، وبالتالى يمكن استخدام فائض الكهرباء فى أحد البلدين لتغطية احتياجات البلد الآخر، وهو ما يعزز أمن الطاقة فى المنطقة ويقلل الحاجة إلى تشغيل محطات إضافية تعتمد على الوقود»، وذلك قبل أن يختتم حديثه بقوله إن «مستقبل سوق الطاقة العالمى ما زال مرتبطًا بتطورات السياسة والحروب، لكن المؤكد أن الدول التى تمتلك تنوعًا فى مصادر الطاقة وقدرة على إدارة الاستهلاك بمرونة، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وفى حالة مصر، فإن التوسع فى الطاقة المتجددة ومشروعات الربط الكهربائى قد يشكلان صمام أمان مهمًا فى السنوات المقبلة، أما فى الوقت الحالي، فيبقى ترشيد الاستهلاك هو السلاح الأسرع لمواجهة أزمة الطاقة حتى تستقر الأسواق العالمية من جديد».

بدوره، قال الدكتور سامح نعمان، خبير الطاقات الجديدة والمتجددة: الإجراءات التقشفية التى أعلن عنها الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، بغلق المحالات والمتاجر والكافيهات والمولات فى الساعة 9 مساءً ستوفر فقط فى محافظتى القاهرة والجيزة ما يقارب من 4 إلى 6 ملايين متر مكعب غاز يومياً، ورغم قسوة بعض الإجراءات التقشفية إلا أنه لا بديل لها فى ظل استمرار الحرب وانعكاسها بارتفاع أسعار الطاقة، فالمؤشرات قدرت ارتفاع سعر برميل البترول من 75 دولارًا فى بداية الحرب إلى 108 دولارات، ومن المتوقع أن يصل إلى 150 وحتى 200 دولار للبرميل الواحد، وهو ما يعنى مزيدًا من الإجراءات قد تصل إلى تخفيف الأحمال التى تسعى الحكومة المصرية إلى استبعاده قدر الإمكان.

وأوضح «د. سامح»، سبب اللجوء لهذه الإجراءات القاسية إلى حاجتنا إلى 70 مليون متر مكعب غاز يومياً، وبالتالى هى تكلفة مرتفعة تصل إلى ضعف التكلفة التى كانت تدفع، وبالتالى فيجب أن يتم ترشيد الاستهلاك اليومى ليصل على أقصى تقدير 30 أو 35 مليون متر مكعب يومياً من أجل تقليل فاتورة الطاقة اليومية، لأنه عندما تكون فاتورة الغاز الضعف يبقى كأنى اشتريت بنفس التكلفة القديمة.

وأكد «نعمان»، أن «قطاع الكهرباء المصرى انتبه مبكراً للتوسع فى الطاقات المتجددة، وهو ما لمسناه جميعاً فى صيف 2025، فتم التوسع فى القدرات الإنتاجية من الطاقات المتجددة لسد جزء من إجمالى القدرات الكهربائية المتطلبة، ونجح القطاع بالفعل فى توفير التغذية الكهربائية اللازمة طوال فصل الصيف 2025، لكن الأمر يتطلب الاستمرارية فى التوسع وأن نحقق مزيج الطاقة وهو ملف أمن الطاقة التى تسير فيه الدولة المصرية بخطوات جادة»، لافتًا إلى أن «مواجهة أزمة الطاقة العالمية جراء الصراعات الحالية يلزم معها الترشيد والتقشف، فهو السبيل لمواجهة الأزمة الحالية، ويجب أن يكون نابعًا من المواطن نفسه دون رقابة عليه، على أن تطبق الجهات الرسمية رقابة صارمة على الجميع من أجل الترشيد، وهو الحل الأسرع على المستوى الحالى، أما على المستوى القريب علينا تحقيق مزيج الطاقة والتوسع قدر الإمكان فى الطاقة المتجددة وبدائل الوقود الأحفورى لتوليد الكهرباء».

فى حين قال المهندس أسامة كمال، وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق، رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ: العالم يشهد أزمة عالمية فى مجال الطاقة ستمتد نتائجها حتى فى حالة وقف الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران، بعد تضرر عدد من المنشآت النفطية التى يلزم عودتها للعمل ما يتراوح بين ثلاث وأربع سنوات، هذا إلى جانب ارتفاع أسعار النفط من 75 دولارًا للبرميل، إلى 108 دولارات، مع تصاعد التوترات وتوقف الملاحة فى مضيف هرمز و تعطيل سلاسل الإمداد، وهناك مؤشرات أن ترتفع إلى 150 دولارًا، وهناك سيناريوهات سيئة تتوقع أن تصل 200 دولار للبرميل، لكن الأكيد أن سعر البرميل لن يعود إلى 75 دولارًا حتى وإن انتهت الحرب».

وشدد رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، على أن «مواجهة هذه الأزمة على المستوى البعيد تتطلب تنويع مصادر الطاقة، أو مزيج الطاقة وهو أحد محاور استراتيجية الطاقة 2030/2035، التى نصت على زيادة نسبة الطاقات المتجددة إلى 42 فى المائة»، مضيفًا أنه «يجب الإسراع فى التوسع فى الطاقات المتجددة لإنتاج 35 جيجا، على أن يتم إنتاج 5 جيجا من الطاقة النووية مع دخول محطة الضبعة حيز التشغيل فى 2027.

وتحدث كذلك عن الإجراءات التقشفية، فقال : أبرز مسارين لاستهلاك الغاز فى مصر هما الكهرباء ووسائل النقل والانتقال، وبالتالى جاءت الإجراءات التقشفية لتحقيق أكبر ترشيد ممكن، فغلق المحال والكفيهات والمولات منذ 9 مساءً وهى أوقات الذروة فى الاستهلاك داخل مصر سيمثل قدرًا كبيرًا من الوفر، أما تطبيق العمل عن بُعد والتوسع فى مجالات النقل الجماعى، وهو ما نجحت الدولة فى توفيره يمثل مسارًا آخر لترشيد الاستهلاك.

«كمال» فى سياق حديثه قدم رسالة طمأنة مفادها أن «الإجراءات التقشفية قد تؤتى ثمارها على المستوى الحالى»، وذلك قبل أن يشدد على أنه «من الأهمية على المستوى القريب والبعيد التوسع فى منظومة التحول الطاقى، عبر التوسع فى مزيج الطاقة ما بين الطاقات الشمسية والرياح والمياه وبطاريات تخزين الطاقة والطاقة النووية والهيدروجين الأخضر، والتوسع فى وسائل النقل الجماعى، والتحول المجتمعى وتغيير أنماط استهلاك الطاقة، والتوسع فى الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل والشركات الخاصة».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة