رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الشيخ عبدالجواد الدومى.. مُربى العقول والقلوب


9-3-2026 | 12:57

.

طباعة
تقرير: صلاح البيلى

فى مطلع القرن الرابع عشر الهجرى، خرج من صعيد مصر فتى نحيل الجسد، عظيم الهمة، حمل القرآن فى صدره قبل أن يشتد عوده، ومضى إلى القاهرة باحثًا عن العلم والسلوك معًا. كان عبدالجواد الدومى واحدًا من أولئك الذين جمعوا بين نور الشريعة وصفاء الطريق، فشبَّ أزهريًّا فى التحصيل، خلوتيًّا فى التربية، حتى صار إمامًا ومربيًا تتشكل على يديه العقول والقلوب. وأصدر عنه د. سعيد أبو الإسعاد كتاباً جامعاً عنه.

 

العارف الدومى، بحسب ما يقوله حفيده المهندس كريم محمد صلاح عبدالمنعم، وُلد فى قرية (أم دومة) قرب طهطا فى سوهاج بصعيد مصر فى شهر شعبان سنة 1300 هجرية، وكان جده حسين الدومى قد نزل بها وكون بها أسرة، وكان محمد الدومى والد شيخنا قد رأى رؤيا فقصها على رجل صالح يزور قريتهم، وهو الشيخ عبدالجواد المنسفيسى شيخ الطريقة الخلوتية، فبشره الرجل بأنه سيُولد له رجل صالح ينتفع به الناس، وولدت أمه فى يوم قدوم الرجل الصالح فأسماه أبوه على اسم الرجل (عبد الجواد)، ولما بلغ الخامسة ذهب به أبوه لكتاب القرية فحفظ القرآن فى سن العاشرة، ثم أخذ عهد الطريق الخلوتى على يد الشيخ عبدالجواد المنسفيسى وهو ابن عشر سنوات، وقال له: «إن قراءة القرآن هى وردك فى الطريق الآتي». وكان يقول له: «أنت ابنى، لا ابن الحاج محمد».

ويتابع محمد نور حفيد الدومى الآخر: أنه فى ربيع سنة 1313 هجرية وفد الشيخ الدومى على الأزهر الشريف فى القاهرة، وتلقى علوم الشرع على خيرة علماء عصره أمثال: الشيخ سليم البشرى، الشيخ محمد حسنين العدوى، الشيخ محمد السمالوطى، الشيخ يوسف الدجوى، والشيخ محمد عنتر المطيعى، وكان أكثر ملازمته لدروس الشيخ السمالوطى، فقد حضر عليه شرح البخارى، والموطأ، والبيضاوى، وكان يحبه ويعتقده ويتأدب معه غاية الأدب، كما كان الشيخ السمالوطى يبادله حبا بحب، ويقول عنه: «إنه من الصالحين المقربين والمرشدين العارفين»، والشيخ السمالوطى هو أيضا أحد مشايخ الشيخ صالح الجعفرى فى الأزهر الشريف، وظل الدومى متعلما حتى بعدما أصبح واعظا معلما، ولم ينقطع عن التعلم إلا لما كبر سنه وشعر بحاجته للراحة.

وهكذا جمع الشيخ الدومى بين علوم الشريعة فى الأزهر الشريف، وعلوم التصوف، والتربية والأخلاق، على يد شيخه عبدالجواد المنسفيسى، حيث كان يتردد عليه فى بلدته فيمده بالأوراد والوصايا ويؤدبه بآداب السلوك والطريق الخلوتى، حتى اطمأن شيخه لورعه وعلمه فأذن له بالتصدى للدرس والوعظ وهو فى ريعان الشباب، كان عمره آنذاك سبعة عشر عاما، وسافر لأداء الحج وزار المدينة المنورة وامتلأ قلبه بالنور، وعاد إماما فى مسجد السلمانية، ومسجد العدوية فى بولاق، ثم عين إماما لزاوية «أنجة هانم» فى جزيرة بدران فى شبرا، فعمرها وحولها لمسجد كبير، ثم استقر به المطاف فى زاوية «الزيني» فى السبتية، فحولها إلى مسجد السباعى بعد أن وسعها وفرشها وأمدها بالماء، وأسس دار الإرشاد، وأصبح المسجد معهدا دينيا كبيرا، وكان لا يبخل عليه بماله ولا وقته، وكان يشرف على عمارته أكثر من اهتمامه بشئون بيته.

قال عنه مَن عاصروه وشاهدوه عند إلقاء درسه: إنه كان يجلس فى غاية الأدب، لا يتكئ، ولا يضع رجلاً على رجل، وإذا تحدث كان فى غاية اللطف والذوق، يقسم نظراته بين الحاضرين على السواء، لا يتعمق ولا يتفلسف، ولا يقول إلا الكلام الطيب المحبوب.

وإذا مشى كان فى غاية الاعتدال، يسير بهمة سيرا حثيثا لينا، نظيفا أنيقا، متواضعا، مثالا للإمام المتحقق، والقدوة الصالحة، قد أعده الله تعالى للإمامة إعدادا طبيعيا، لا تصنع فيه ولا تكلف.

حدث فى رمضان مرة أن اعتلى كرسى الدرس، وأخذ يفيض فى الشرح، ومضى الوقت والناس لا يشعرون بمضيه، وضرب مدفع الإفطار، وأذن المغرب، ولكن أحدا منهم لم يشعر بذلك، لم يحسوا إلا فيضا من المعانى يغمر قلوبهم وأرواحهم، ونورا من الله تعالى يقذفه الأستاذ الشيخ إلى أفئدتهم. وتنبهوا بعد ذلك فأفطروا، وأخذ بهم العجب كل مأخذ، وسجل أحد الشعراء ممن حضروا تلك الليلة فى قصيدة عنوانها: «نسى الصائم فطره»! وحضر درسه مرة أحد شيوخه وهو من كبار علماء الأزهر، فقال: «عجبا!.. هذه الآية نشرحها فى عشر دقائق أن طال بنا الشرح، والشيخ الدومى يستغرق فيها هذا الوقت الطويل، إنه علم من الله تعالى تورثه التقوى فلا عجب»! ووصف الشيخ محمد الطاهر الحامدى دروس الشيخ الدومى فى قصيدة له، وكان من المواظبين على حضور دروسه:

العارف الدومى فخر أوانه – شرف الزمان به وزان الجيل

ورث النبى شريعة وحقيقة – وعن اتباع هداه ليس يحول

كم شبهة عن دين أحمد ردها – وهو الحسام على العدا مسلول

يتلو حديثا أو يردد آية – فيروقك الترديد والتنزيل

ويبين التأويل غير مبهرج – فيروعك التبين والتأويل

ويقرر التوحيد فى جلسائه – فيهزك التقرير والتفصيل

ويصور المعنى العويص كأنما – فى طوعه التصوير والتشكيل

ويذلل الصعب الأبى كأنما – فى كفه التقريب والتذليل

ويعلل الأحكام حين يبثها – فيطيب منه الحكم والتعليل

ولكم له فى المعضلات مواقف – قد زانها المنقول والمعلول

فيها الحقائق والرقائق والهدى – فيها الرغائب والمنى والسول

هى فى الحقيقة محض فيض ظاهر – لا الكسب أنتجها ولا التحصيل

كان الدومى شيخا للطريقة الخلوتية خلفا لشيخه المنسفيسى، فتولى من بعده تربية المريدين، حتى رحل عن 63 سنة ودُفن بجوار الشافعي.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة