مع بدايات شهر رمضان الكريم يحلو الحديث عن شخصيات نسائية عطرة أثرت الحياة فى بداية عهد رسول الله ﷺ شخصيات مثلت علامات فارقه فى حياة المسلمين والإسلام.
من بين هذه الشخصيات التى كان لها دور كبير فى صدر الإسلام ومن أوائل من أسلم وآمن بدعوة النبى محمد ﷺ محمد حين هاجر من مكة إلى المدينة السيدة «رفيدة الأسلمية» والدها «سعد الأسلمى»، تعلمت منه الطب، ولهذا تُعد أولى طبيبة وممرضة فى الإسلام، ورائدة العمل التطوعى الطبى، فى غزوة الخندق وخيبر أمر الرسول بنصب خيمتها الطبية فى المسجد النبوى لعلاج جرحى المسلمين، خاصة عندما أُصيب الصحابى سعد بن معاذ، ولهذا تعتبر خيمتها أول مستشفى ميدانى فى التاريخ، حيث كانت تمول عملها من ثروتها الخاصة.
ولدت رُفيدة والذى يعنى اسمها فى اللغة العربية «العطية الصغيرة» فى يثرب بالمدينة المنورة فى قبيلة أسلم، وعاشت هناك حتى هاجر محمد ﷺ وأصحابه إلى المدينة، فأسلمت وشاركت فى الغزوات فى العصر النبوى، كانت أولى مشاركة لها فى غزوة الخندق ولم يكن عملها مقتصرًا على الحروب والغزوات فقط، بل كانت تداوى مرضى المدينة فى أوقات السلم، وتذكر بعض المصادر أنها دربت نساء أخريات، منهن أمهات المؤمنين مثل عائشة بنت أبى بكر لكى يصبحن مداويات للجرحى. كما يُذكر أنها كانت تدخل أرض المعارك وتحمل الجرحى، وتُضمِّد جراحاتهم، وتُسعفهم، وتسهر على راحتهم، وتواسيهم، وأنها كانت تنقل فى خيمتها متطلباتها وأدواتها واحتياجاتها على ظهور الجمال إلى أرض المعارك، ثم تُقيمها أمام معسكر المسلمين.
أما عن حياتها الشخصية فلم يتأكد زواجها ولكن يُحتمل أنَّ تكون رفيدةٌ قد تزوجت من رجلٍ من بنى غفار، حيثُ ذُكر «حدثنا زكريا بن يحيى، ثنا عبدالله بن نمير: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أُصيب سعد يوم الخندق فى الأكحل، فضرب النبى صلى الله عليه وسلم خيمة فى المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم - وفى المسجد خيمة من بنى غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذى يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما، فمات فيها»، وفسّر ابن حجر ذلك فى فتح البارى «قوله (خيمةٌ من بنى غفار) كانت لرفيدة الأسلمية، فيحتمل أن كان لها زوجٌ من بنى غفار». وتكريمًا لدورها وعطائها أطلق اسم رُفيدة الأسلمية على عددٍ من المدارس والشوارع والمبانى التعليمية والمؤسسية فى عدد من دول العالم الإسلامى. كما أُطلق على كليةٍ فى الأردن تحمل اسم «كلية رفيدة الأسلمية للتمريض والقبالة» فى مدينة الرصيفة، وتمنحُ المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر «وسام رفيدة الأسلمية»، كما تمنح كلية الجراحين الملكية فى إيرلندا بالتعاون مع جامعة البحرين «جائزة رُفيدة الأسلمية» لطالبٍ مميزٍ فى كل عام.
هذه نفحة من نفحات الشهر الكريم نطل من خلالها بقصة سيدة وهبت مالها وحياتها لخدمة الآخرين، آمنت بمحمد ورسالته، لم تبخل لحظة فى خدمة الإسلام والمسلمين فكان لا بد من تكريمها من خلال هذه السطور لعل هناك من يترحم عليها أو يدعو لها فى هذه الأيام المباركة.
كل عام وأنتم بخير.